ولد عمر بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعًا همامًا خطيبًا جامعًا لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه وله من العمر خمس عشرة سنة، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلين.
قاد عمر الجيوش وحارب أعداء قومه وكان مظفرًا في كثير من أيامهم وحروبهم، وأكثر ما كانت فتن تغلب وحروبها مع أختها بكر بن وائل بسبب الحرب المشهورة "البسوس"، وفي آخر الأمر أصلح بينهما المنذر ملك الحيرة وأخذ من كل منهما رهينة من الغلمان مائة غلام من أشرافهم حتى لا يعودوا إلى القتال، ولما تولى الحيرة عمرو بن هند عام ٥٦٢ م حذا حذو أبيه، فحدث أن عمرو بن هند وجه قومًا من بكر وتغلب إلى جبل طيء في أمر من أموره، فنزلوا على ماء لبني شيبان وهم من بكر، فأبعدوا التغلبيين عن الماء حتى ماتوا عطشًا، وقيل بل أصابتهم شموم في بعض مسيرهم فهلكوا وسلم البكريون، فطلب التغلبيون دينهم من بكر، واختصما وتحاكما إلى عمرو بن هند، وكان سيد تغلب هو عمرو بن كلثوم، وشاعر بكر هو الحارث بن حلزة، فتفاخرت القبيلتان بين يديه، وفي هذا الموقف قال الحارث بن حلزة معلقته يفتخر فيها ببكر وقال عمرو بن كلثوم بعض معلقته يفتخر فيها بتغلب، وأثرت قصيدة الحارث بن حلزة على عمرو بن هند، فقضى لبكر حقدًا على تغلب وحسدًا لعمرو، لإدلاله بشرفه وحسبه ومجده.
[ ٨٦ ]
ويقال إن عمرو بن هند الملك - وكان جبارًا متكبرًا مستبدًا - كان يريد إذلال عمرو وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، وأنه كان جالسًا يومًا مع ندمائه، فقال لهم: "هل تعلمون أحدًا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند؟ فقالوا نعم، أم عمرو وبن كلثوم. قال: ولم؟ قالوا لأن أباها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب وابنها عمرو وهو سيد قومه، وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر المشهور وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه. ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق، وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها فصاحت ليلى: "واذلاه، يا لتغلب! " فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرفي وجهه فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس ابن هند وقتله وكان ذلك نحو سنة ٥٦٩م ونادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا مافي الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة وجاشت نفس ابن كلثوم وحمى غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة، يصف فيها حدثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.
وهكذا عاش عمرو عظيمًا من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس مرهوب الجانب، شاعرًا مطبوعًا على الشعر.. وعمر طويلًا حتى مات نحو سنة ٦٠٠ م.
ولعمرو ابن اسم عتاب بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعًا فارسًا وهو الذي قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أن مرة بن كلثوم أخا عمرو بن كلثوم هو الذي قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ولذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخرًا:
ابني كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ماضر تغلب وائل: أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران
قومي همو قتلوا ابن هند عنوة عمرا، وهم قسطوا على النعمان
- ٢ -