اعلم أن أصول الخطابة من حيث إنها كلامٌ مُنشَأ لا تفارق الأحوالَ الثلاثة التي شرحناها في كيفية إنشاء المعنى من القسم الأول في الإنشاء، وهي: المعنى الأصلي، وتفصيله، وإيضاحه، المشار إليها بقول ابن المعتز: "البلاغة: أن تغوصَ لحظةُ القلب في أعماق الفِكْر، وتجمعَ بين ما غاب وحَضَر، ثم يعود القلبُ على ما أَعمَلَ فيه الفِكْرَ فَيُحكِمُ سياق المعاني، ويُحسِن تنضيدَها، ثم يبديها بألفاظٍ رشيقةٍ مع تزيين مَعارِضِهَا، واستكمال محاسنِها".
وكل ذلك محتاجٌ إلى طبع سليم، فقد قال أبو داود بن جرير: "رأس الخطابة الطبع"، =ولكن الذي يختلف هو كيفية التفصيل والتنسيق، وكيفيةُ الإيضاح والتعبير، فأما كيفية التفصيل فسيأتي جلُّها في معرفة أركان الخطبة، وأما كيفية التنسيق فهو في الخطابة: أن يتمكن الخطيب من الموضوع الذي يتصدَّى للتكلُّم فيه، ويجمعَ أصولَه ويستحضر غايته والغرضَ الذي يرمي إليه، ويتصوَّر ذلك بوجه مجمل،
[ ١٢٢ ]
ثم يأخذ في تفريعه قبل التكلُّم لكيلا يُرْتَجَ عند الشروع، ثم إنه يُحسِن ربطه ويناسب في الانتقال لكيلا يَشِذَّ عليه وقتَ الاشتغال بالتكلم بعضُ ما كان أعدَّه، فإن لوقت التكلم ضيقًا غيرَ ما يكون من السَّعَة في حال التفكر، فإذا أَخَذ بعضُ المعاني بأيدي بعض، وحَسُن رَبْطُ بعضه ببعض، كان أسهلَ استحضارًا وأقربَ تناولًا للسامع والناقل؛ لأنَّ بعضه يُذَكِّر ببعض، ومن هذا ما يُعبَّر عنه بـ (حُسْن التخلُّص)، ثم يَعقُب ذلك تقريرُ المعنى -على حسب ما تقدم في نقد المعاني- ثم الاستدلال عليه، وذلك لا يعسُر على الخطيب إن هو أحسن تنسيقَ أصول خطبته؛ لأنه يتمكَّن منها كمال التمكُّن.
ثم إن الخطيب لا يستغني عن الاستكثار من استحضار معانٍ صالحة في أغراض شتَّى يحتاج إليها في الاستدلال على فضل شيء أو ضدِّه؛ لتكون له عونًا عند الاندفاع في الخطابة، وتخفيفًا عن ذهنه من شدة التحضير، ولأنَّه إن لم ينفتح له بابُ القول في غَرَضٍ ارتجاليٍّ يأخذْ من تلك المعاني ما يدفع عنه عيبَ الإرْتَاج والحُبْسَة، وقد روي أن عثمان - ﵁ - لما قام عندما بويع بالخلافة أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فإنَّ لكل قادمٍ دهشةً، وأنتم إلى إمامٍ فعَّال أحوجُ منكم إلى إمامٍ قوَّال، وإن أَعِشْ فستأتيكم الخطبُ على وجهها". وكذلك روي أن داود بن علي قام للخطبة، فلما قال: (أما بعد) أُرتِجَ عليه فقال: "أما بعد، فقد يجِدُ المُعسِرُ، ويُعسِرُ الموسِرُ، ويُفَلُّ الحديد، وإنما الكلام بعد الإفحام
[ ١٢٣ ]
كالإشراق بعد الظلام. وقد يَعزُب البيان، ويَعتَقِمُ الصَّوابُ، وإنما اللسان مُضْغَةٌ من الإنسان، يَفْتُر بفتوره إذا نَكَل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنَّا لا ننطِق بَطَرًا، ولا نَسكتُ حَصَرًا، بل نسكت معتبرين، وننطِقُ مرشِدين، ونحن بعد ذلك أُمَرَاءُ القولِ، فينَا وَشَجَت أعراقُه، وعلينا عَطَفَتْ أغصانُه، ولنا تهَدَّلتْ ثمرتُه، فنتخيَّرُ منه ما احْلَوْلَى وعَذُب، ونَطِّرِحُ منه ما امْلَوْلَح وخَبُثَ، ومِنْ بعدِ مقامِنا هذا مَقام، ومِنْ بعد يومنا أيام". فبذلك كان في إرتاجه أبلغَ منه في ارتجاله، ولولا أن هذه المعاني كانت حاضرةً في ذهنه حتى صار بها خطيبًا في بيان أحوال الخطيب لسكت وحُبِسَ لسانُه.
ولا بد للخطيب من التنبُّه إلى مواقع النقد والاعتراض، وهي الأشياء التي يظنُّ أنَّ في السامعين من ينكرها؛ لمخالفة اعتقادٍ أو مخالفة هوى، فيَعُدُّ ذِهْنَه للجواب عنها، وقد قيل: إنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كان قد أعدَّ لكل حادثةٍ جوابًا. وسيأتي بيانٌ لذلك في الكلام على الخطيب.
وأما كيفية الإيضاح والتعبير فقد قال أبو هلال العسكري: "الرسائل والخطب مُتشَاكِلَتَان في أنهما كلامٌ لا يلحقه وَزْنٌ ولا تَقْفِيَة،
[ ١٢٤ ]