الحُسْنِ في الخطابة، خصوصًا الخطابة التي تُقَال لجماهير الناس وعامتهم؛ لأنَّ السجع لا يخلو عن تكلُّف ألفاظٍ تحجُب ذهن السامعين عن كمال فَهْم المعاني، فإن اغتُفِر فيها السجعُ فإنما هو ما يقع عَفْوًا بلا تكلُّف، أي السجع الذي يطلبُ المتكلِّمَ لا الذي يطلبُه المتكلِّمُ.
رابعها: أن الخطابة لَمَّا كان شأنَها الارتجالُ -ولو كانت مُحَضَّرةً أو مُنقَّحَةً، فينبغي أن تكون صورتُها صورةَ الارتجال- فلذلك كانت جديرةً بطرح كلِّ ما تُشَمُّ منه رائحةُ التصنُّع. نعم، لا نجهل أنَّ الخطابة ضَعُف التَّبْريزُ فيها من أواسط القرن الخامس شيئًا فشيئًا، وصارت الخُطَب مهيَّئةً من قَبْل إلقائِها، وصار الخطباءُ يلقونَها من الأوراق فمالوا فيها إلى المحسِّنات اللفظية التي غلبت على إنشاء تلك العصور فما دونها، إلا أنَّ تَكاثُرَ ذلك لم يَحُلْ بصاحب الذوق السليم مِنْ أن تُخَالجه السَّمَاجةُ عند سماعها، وهذا هو الذي أيقنَنَا بأنَّ كثيرًا من الخُطَب المنسوبة لسيِّدنا عليٍّ - ﵁ - في كتاب (نهج البلاغة) هي من موضوعات أدباء الشيعة، وإن شئتَ مثالًا لهذا وذاك فدونك الخطبَ النبوية
[ ١٢٦ ]
وخطب فصحاء العرب، ثم انظر الخطب المنبرية المجموعة في الدواوين كخطب ابن نباتة، والخطب التي تضَمَّنَتْهَا المقاماتُ الحريريَّة.
ولتمام الاستعانة على التنسيق والتعبير اللذين هما ملاك أصول الخطابة تعيَّن على الخطيب التملِّي من رواية أقوال الخطباء؛ فإنَّ في ذلك معرفةً لمعانٍ جامعةٍ وألفاظ بارعةٍ، وقد نقل الجاحظُ عن أبي داود بن جرير أنه قال: "رأسُ الخطابة الطَّبْعُ، وعَمودُها الدُّرْبَة، وجَنَاحاها روايةُ الكلام". وذلك ليعتادَ سهولةَ التعبير.
[ ١٢٧ ]
كما لا غُنْيَة للخطيب عن معرفة أحوالِ الأمم ومحامِدهم ومَذَامِّهم؛ فإن ذلك مما يعرِض للخطيب، ويُعِينُه على التكلُّم في المجامع؛ ليأخذ من ذلك أمثالًا صالحةً أو تحذيراتٍ نافعةً، ولأنه يستعين به على تأييد أنصارِه أو الحَطِّ من أعدائهم، وقد حَضَر الخطيبُ خالد بن صفوان الأهتمي بمجلس أبي العباس السَّفَّاح، ففخر عليه ناسٌ من بَلْحارث بن كعب، وأكثروا في القول، فقال له السَّفَّاح: مالك لا تتكلم؟ فقال له: أخوالُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال له: فأنتم أعمامُ أمير المؤمنين وعَصَبَتُه. فقال خالد حينئذٍ: وما عسى أن أقول لقومٍ كانوا بين نَاسِجِ بُرْد، ودَابغِ جِلْد، وسَائِسِ قِرْد، وراكب عَرْدٍ (الحمار)، دَلَّ عليهم هدهد، وغَرَّقَتْهُم فأرة، ومَلَكتهم امرأة". أشار إلى أنهم من بقايا سَبَأ. وقد قال فيه مَكِّيُّ بن سَوَادَة -الشاعر، وجَمَع في شِعْره ما يلزمُ الخطيب-:
عَليمٌ بتنزيلِ الكلامِ مُلَقَّنُ ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاهُ أوَّلَ أوَّلا
يَبُذُّ قَريعَ القومِ في كلِّ مَحْفِلٍ وإن كان سحبانَ الخطيبَ ودَغْفَلا
ترى خُطَباءَ القومِ يومَ ارتجاله كأنَّهمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلا
[ ١٢٨ ]
وكذلك معرفة ما يكثرُ الدعاء إليه مثل منافع المَدَنِيَّة ومنافع التعليم، ومثل استحضار الخطيب السِّيَاسيِّ لعلائق الأمم وتواريخ حوادثها، ولذِكْرِ مفاخر أمته ودولتها، واستحضار ما يَذُبُّ به عن سياستِه ممن يَنتقِدُهَا.
[ ١٢٩ ]