هل يملك العرب ثروة من علم الأدب تمكننا من النظر فيه، واستكشاف حقائقه، واستنباط مقاييسه والتعرف على قضاياه؟ هل يملك العرب ثروة من هذا المجال المعرفي تستحق الدراسة أو تستحق البحث؟
نعم لقد ترك العرب ثروة أدبية هائلة تفوقوا بها على سائر الأمم، وهي جديرة بالبحث للتعرف على ما فيها من قيم فنية وإنسانية، تؤكد عبقرية العربي، وقدرته على استيعاب الحياة، ومعايشتها فكريًا ووجدانيًا، والتعبير عنها في قالب فني.
وإذا نظرنا إلى هذا التراث أو هذه الثروة العظيمة التي تركها أو امتلكها العرب؛ نجد أنها قد تطورت بتطور حياتهم عبر العصور المختلفة حتى يومنا هذا، ففي العصر الجاهلي أَوْلى العرب الشعر كبير عنايتهم، فهو مصدر عزتهم، وسِجِل مفاخرهم وأحسابهم وأنسابهم، وصورة صادقة لحياتهم، وفي صدر الإسلام واكب الأدب الحياة الجديدة، التي انعكست على موضوعاته وأفكاره ولغته وأخيلته، بل إن الإسلام أدى إلى قيام نهضة عامة في دنيا المعرفة والعلم، في ظلال الفكرة الإسلامية والمجتمع الذي آمن بها وهضمها، وسعى إلى تعزيزها ونشرها، ونتج عن ذلك ظهور حركتين أساسيتين في عصر صدر الإسلام: حركة دينية، وحركة ثقافية فكرية.
[ ١١ ]
أما في عصر بني أمية -نحن نمر على الأدب مرورًا سريعًا؛ لكي نستكشف أو نتعرف على ما لحقه من تطور سريع، وفي نفس الوقت نتعرف على عناية العرب به- ظل الأدب وبخاصة الشعر محتفظًا بكثير من طوابعه البدوية، ومحافظًا على القالب الفني الموروث، ومع ذلك واصل السير في ميادين التطور السياسي والاجتماعي والديني والفكري، وأكبر دليل على ذلك أن الدكتور شوقي ضيف كتب كتابًا في هذا الشأن بعنوان (التطور والتجديد في الشعر الأموي)، كشف فيه عما لحق الشعر من تطور، وما طرأ عليه من جديد في ذلك العصر.
ثم جاء العصر العباسي، ومنحت الدولة الحرية لرعاياها، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الأجناس غير العربية، فاختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، وامتزجت الأجناس واللغات والثقافات والحضارات، وذابت الفوارق بينها، وانصهرت جميعها في بوتقة عربية إسلامية، وتحولت إلى جنس عربي وثقافة عربية إسلامية، وحضارة عربية إسلامية، وشمل ذلك التغير والتطور والتجديد كل مناحي الحياة، وبالطبع لابد أن ينعكس على الأدب في ذلك العصر، فرأينا أدبًا مُجَدَّدًا، يعني أدبًا كان موجودًا في العصور السابقة، وأدخل العباسيون عليه بعض التجديدات، ثم رأينا أدبًا جديدًا في موضوعاته، وأفكاره ولغته وموسيقاه.
فإذا وصلنا إلى العصر الحديث، ووقفنا على النهضة الأدبية التي تعددت أسبابها، وعرجنا على تأثر العرب بالغرب إبداعًا ونقدًا، ورأينا الأجناس الأدبية الجديدة التي جاءت نتيجة هذا التأثر، كالمسرحية والملحمة، والقصة والرواية، وغير ذلك مما أبدع العقل العربي، بالإضافة إلى النظريات والمذاهب النقدية الكثيرة؛ إذا عرفنا كل ذلك وغيره أدركنا قيمة هذا التراث، ووقفنا على قدرة
[ ١٢ ]
العقل العربي على الإبداع، ومواكبة الأعصر في تطورها من خلال ما أنتجته عقولهم.
هذه لمحة سريعة عن ذلك التراث، أو عن ذلك المجال المعرفي الذي يدور حوله البحث الأدبي، وهو تراث عريق لأمة عريقة، وهو تراث جدير بالبحث، بل إنه في أشد الحاجة لاكتشاف عوالمه، والوقوف على جهود رجالاته، ويقوم بهذه المهمة رجال البحث العلمي والأدبي بوجه خاص، وإذا علمنا أن العرب في بداية حياتهم الفكرية لم يكن لديهم من وسائل الحفظ ما نملكه الآن، نحن الآن كما ترون في عصر المعرفة والتقنيات الحديثة، نمتلك كثيرا من الوسائل المتقدمة في حفظ المعلومات ونشرها، مما يساعد على ذيوع كل معلومة في وقت قصير والاحتفاظ بها إلى أمد طويل.
أما العرب في حياتهم الأولى، فلم تكن متوفرة لديهم مثل هذه الوسائل، التي يمكنهم من خلالها حفظ هذا التراث، سنون مضت وتقلبات حدثت، وبلدان خربت على يد الأعداء، وكل ذلك كفيل بضياع ذلك التراث، حتى وإن كان العرب يمتلكون أدوات حفظه، فكيف وصل إلينا ذلك التراث؟ عصر الجاهلي ثم عصر صدر الإسلام ثم عصر بني أمية ثم العصر العباسي، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ونحن نعلم أن هذه العصور مر خلالها العرب بفترات ضعف وقوة، وحروب وتقلبات لا حصر لها، فكيف وصل إلينا ذلك التراث الذي هو جدير بالبحث كما قلت؟ وما الطرق التي ساعدتهم على حفظه وحمايته من الضياع.
وهناك شيء أحب أن ألفت النظر إليه، ونحن نتحدث عن التراث الأدبي عند العرب الذي يمثل المجال المعرفي للبحث الأدبي، ذلك الشيء الذي أود الإشارة إليه هو: هناك من يظن أن هذا التراث من السهولة بمكان؛ لكثرة دورانه
[ ١٣ ]
على الألسنة، وتردد مسمياته وأجناسه الأدبية على ألسنتنا، فكثير من الناس يعتقد أنه إذا استمع إلى بيت من الشعر، أو قرأ قصة أو رواية أو مقالة أو خطبة؛ يظن أنه بإمكان أي إنسان أن يتمعنها ويتذوق ما فيها من جماليات فنية، هذا ظن خاطئ، هذا ظن غير صحيح؛ الحقيقة أن الأدب فن وصنعة وثقافة، لا يعرفها إلا أهل العلم بالأدب وحدهم، كما أشار إلى ذلك ابن سلام في طبقاته، ومهما حَلَّق الإنسان حولها أو تعمق فيها فلا يمكنه سبر أغوارها؛ فهي في أشد الحاجة إلى البحث والتأمل، والتذوق والتحليل، فالأديب ليس شخصًا عاديًا ولا يتحدث حديث الشخص العادي، وإنما يختلف حديثه باختلاف المواقف والمعاني، والأحاسيس والمشاعر.