لقد عرفت في بداية حديثي للمصدر والمرجع، وفرقت بينهما وأشرت إلى تنوع المصادر إلى مصادر أصلية، ومصادر ثانوية، وضربت أمثلة لكل نوع، والآن نتعرف على كيفية استخدام القدماء للمصادر.
القدماء اعتمدوا على الرواية الشفوية الرواية الشفوية، كانت هي الغالبة على مصادر المعرفة عندهم، هي الأداة الأولى في التأليف، ولذلك اهتم بها العلماء وبأسانيدها، ومتنها اهتمامًا كبيرًا، حتى بعد ظهور التدوين، وخاصة في مراحله الأولى، نلحظ ذلك في كثرة الأسانيد التي تذكر مع الأشعار والأخبار للدلالة على صدقهما.
[ ٢٥٠ ]
هذا الوضع الذي كان عليه العرب لفت أنظارهم إلى فكرة المصدر، كل خبر معه مصدره، كل كلمة لها مصدرها. لما ظهر التصنيف في اللغة والأدب ظلت فكرة المصدر تشغلهم، وبدأت تظهر عند المصنفين في اللغة والأدب عناية شديدة بذكر المصادر الأساسية التي اعتمدوا عليها في تأليف مصنفاتهم مع عنايتهم الشديدة بالأساليب التي تحمل الأخبار الواردة فيها؛ لأنها المصدر الأصلي الذي ينبغي الرجوع إليه دائمًا، فنراهم يعرضون في مقدمات مصنفاتهم لأئمة اللغة والأدب الذين اعتمدوا عليهم في جمع المادة العلمية، وكلما تقدمنا مع الزمن وجدنا اهتمامًا بالغًا بالمصادر.
فعلى سبيل المثال: لو تأملنا كتاب (المخصص) لابن سيدة المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وجدناه يذكر في مقدمته مصادره التي استقى منها مادته العلمية، وفي مقدمتها كتب الأصمعي، وكتب أبي زيد، وكتب أبي حاتم، وكتب ابن شمين، وابن الأعرابي، وكتاب تعلب (الفصيح والنوادر)، وغير ذلك من مصادر أثبتها ابن سيدة في مقدمة معجمه، ولم يكن ديدن ابن سيدة وحده، وإنما فعله معاصروه أيضًا، فهذا ابن عبد البر النمري القرطبي الحافظ المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة، يصنع في كتابيه (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، و(الدرر في اختصار المغازي) مثل ما صنع ابن سيدة، وكلما دار الزمن دورة رأينا اهتمام العلماء بالمصادر يزداد توثيقًا لما يؤلفون ويصنفون. وياقوت الحموي يعد نموذجًا وعلمًا بارزًا يحتذى في هذا المجال في كتابيه: (معجم الأدباء) و(معجم البلدان)، ولعل علمًا لم يعن حملته والمؤلفون فيه بذكر المصادر مثل علم القراءات، ومن يرجع إلى كتاب السبعة لمجاهد المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة يجده يهتم بذلك اهتمامًا لا حد له، وكذلك كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري، وغير ذلك من كتبه.
[ ٢٥١ ]
وكانوا أحيانًا لا يسجلون مصادرهم في مقدمات مصنفاتهم، ولكنهم كانوا يسجلون المصدر باسمه في تضاعيف الكتاب حين النقل منه، فلو تأملنا مثلًا كتاب (المغني) لابن سعيد نجده يعنى بذكر مصادره عناية دقيقة، حيث تتردد كثيرًا في تضاعيف كلامه، ككتاب (المسهب) للحجاري، وكتاب أحمد بن موسى الرازي، وكتاب (المسالك والممالك) لابن حوقل، وكتاب (فرحة الأنفس) لابن غالب، و(نقد العروس) لابن حازم، وكتاب (البديع في فصل الربيع)، وغير ذلك مما ورد في تضاعيف الكتاب.
كل هذا يؤكد اهتمام القدامى بالمصادر، وانتفاعهم بها، وكانوا غالبًا إذا نقلوا عنها لم يلخصوا أو يحرفوا في عباراتها، وإنما يتقيدون بالألفاظ تقيدًا شديدًا. وقد نقدوا المصادر أيضًا، واعتنوا بنقدها عناية لا مثيل لها، وربما كانت عنايتهم بالحديث الشريف ومصادره وراء ذلك النقد، فقد ألفوا كتبًا كثيرة في الرواة، ورجال الأسانيد، وصوروا حياتهم، وسلوكهم، وكل ما اقتربوا فيه من شئون الحياة العلمية؛ حتى يكونوا على بينة من جميع أمورهم، وجرحوا من استحق التجريح منهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الجرح والتعديل، وكانت التعديل يقوم على أساس اتصاف الراوي بالعدالة، وثبوت الأهلية للرواية، فلا بد أن يكون ممن عرفوا بالتقوى، والصدق، والأمانة. أما التجريح: فيقوم على اتصاف الراوي ونقص العدالة، والصدور عن الهوى، أو عن الكذب والتخليط، وقد تأثر علماء اللغة والأدب بعلماء الحديث في هذا الجانب تأثرًا واضحًا، فقد فحصوا رواة اللغة والشعر منذ القرن الثاني الهجري، واكتشفوا كذب حماد وابن الكلبي وجناد ورفضوا روايتهم، كما اكتشفوا وضع خلف الأحمر للأشعار، وكذبه في روايته، وأشادوا بثقة العدول من الرواة، كالمفضل الضبي، وابن الأعرابي، والأصمعي وغيرهم.
[ ٢٥٢ ]
أما عن استخدام المحدثين للمصادر: فقد تعددت المصادر تعددًا ملحوظًا في العصر الحديث، وأصبحنا نجد أكثر من مصدر في الموضوع الواحد، وفي بعض الأحيان يصعب جمع هذه المصادر. ومن ثم، اهتم المحدثون بتحديد المصدر الأسبق، أو المتقدم وعدوه أصلًا، كما اهتموا بكيفية الإفادة من المصادر، ولم يكتفوا بجمعها أو الإشارة إليها فحسب، كما اهتموا بلغة المصدر أيما اهتمام في عصر تعددت فيه اللغات، وكثرت الترجمات، وأصبح لزامًا على الباحث الإلمام بهذا جميعًا.
أما من حيث نقلهم للمصادر: فقد انصرف هذا النقد إلى الرواية والرواة كما فعل القدماء من قبل، فقد لفت نقد القدماء للرواية والرواة أنظار المستشرقين، وبدل أن يقفوا عند حد الإعجاب بصنيع هؤلاء، ودقتهم، وتمحيصهم مضوا يتهمون الشعر الجاهلي عامة دون الاعتماد على أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، ولعل "مارجليوس" يأتي في مقدمة هؤلاء الذين نقدوا المصادر من المستشرقين، حيث كتب مقالًا طويلًا في مجلة الجمعية الملكية الأسيوية سنة خمس وعشرين وتسعمائة بعد الألف، بعنوان: "أصول الشعر العربي" محاولًا التشكيك في الرواية والرواة، وكذا نقد المستشرق الألماني "فلهوزن" لرواية الطبري، وطريقته العلمية في استخلاص الصحيح منها، والنفي الزائف. وقد فحص هذا المستشرق روايات الطبري فحصًا دقيقًا، وقام بجهد كبير في المقارنة بين روايات الأخبار، والأحداث، واستخلاص الصحيح منها، وهذا لا يقلل من شأن الطبري بحال من الأحوال، ولا من شأن منهجه، وهو لم يجمع تلك الروايات عبثًا، وإنما جمعها؛ لأنها تمثل مصادر
[ ٢٥٣ ]
متعددة، ومن واجبه أن يضعها تحت أعين الناس؛ ليبينوا، أو ليتبين الصادق منها من غيره.
أما بالنسبة للعرب في العصر الحديث: فيعد الدكتور طه حسين أول من نقد مصادر الشعر الجاهلي، وذلك في كتابه (في الأدب الجاهلي) الذي هاجم فيه رواية الشعر الجاهلي هجومًا عنيفًا، وجرحها تجريحًا شديدًا، وأتى بمجموعة من البراهين يؤيد بها وجهة نظره من أن الشعر الجاهلي لا يصور حياة الجاهليين الدينية، أو العقلية، أو السياسية، أو الاقتصادية، كما لا يصور لغتهم، وقد سقطت كل هذه البراهين أمام ردود الباحثين المخلصين الجادين عليها، واجتثت من جذورها، فلم يعد لها صوت يسمع. ومما يذكر في هذا المقام بكل تقدير، ما قامت به الأقسام العلمية في الجامعات من تحقيق، وتمحيص للتراث، وكشف غثه من سمينه بالاعتماد على مجموعة من المقاييس العلمية الدقيقة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٥٤ ]