(٤٤٩ هـ)
نقل عنه ابن الشجرى نقلا عزيزا، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء فى شرح عبارة سيبويه «ما أغفله عنك شيئا»: (٥) ووجدت بخط أبى الفرج سعيد بن على بن السلالى الكوفى، ما أملاه عليه أبو العلاء المعرى، ونسبه المعرى إلى بعض
_________________
(١) راجع المجالس: التاسع، والثالث والثلاثين، والأربعين، وانظر أيضا ما سبق فى الفقرة الثانية والخمسين من آراء ابن الشجرى.
(٢) المجلس الحادى والسبعون.
(٣) المجلس الرابع والسبعون.
(٤) المجلس الحادى والعشرون.
(٥) المجلس السادس والستون.
[ المقدمة / ١٥٠ ]
النحويين ولم يسمّه، قال: إن الذى قيل له هذا الكلام كان له صديق عوّده أن يبرّه ويحسن إليه، وأنه ذكر صنيعه به، فقال له السامع: ما أغفله عنك شيئا، قال:
فالكلام يتم عند قوله: «عنك»، وقوله: «شيئا» من كلام مستأنف، كأنه قال:
فكر شيئا، أى تفكيرا قليلا، أى إنه قد انتقل عن الحال التى كنت تجده عليها، فكأن الرجل المثنى على الصديق شكّ فى أمره، ولم يدر ما أغفله عنه، فقال له من حضر: فكّر شيئا، أى دع الشك، لأنه إذا فكّر وجب أن يصحّ له الأمر. وقال المعرى: إن المراد بقوله: «ما أغفله عنك» التعجب، ويحتمل أن يكون استفهاما، كأنه قال: أى شيء أغفله عنك؟
وقد تعقب ابن الشجرى أبا العلاء فى شرحه لقولهم: «عمرك الله» (١).
وتعقبه أيضا فى شرحه لشعر المتنبى، فقال فى قوله (٢):
وأنك بالأمس كنت محتلما شيخ معد وأنت أمردها
وحكى أبو زكريا فى تفسيره لشعر المتنبى، عن أبى العلاء المعرى، أنه قال:
زعم بعض النحويين أن «كان» لا تعمل فى الحال، قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل فى «محتلما» من قوله: «وأنك بالأمس كنت محتلما» الفعل المضمر الذى عمل فى قوله: بالأمس.
قال ابن الشجرى: وأقول: إن هذا القول سهو من قائله وحاكيه، لأنك إذا علقت قوله «بالأمس» بمحذوف، فلا بد أن يكون «بالأمس» خبرا لأن، أو لكان، لأن الظرف لا يتعلق بمحذوف إلا أن يكون خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، ولا يجوز أن يكون خبرا لأن ولا لكان، لأن ظروف الزمان لا توقع أخبارا للجثث، ولا صفات لها ولا صلات ولا أحوالا منها، وإذا استحال أن يتعلق قوله:
«بالأمس» بمحذوف، علقته بكان، وأعملت «كان» فى «محتلما».
_________________
(١) المجلس الثانى والأربعون.
(٢) المجلس التاسع والسبعون. ويعدّ أبو العلاء من شراح المتنبى الكبار، واسم شرحه: معجز أحمد، ويسمى أيضا اللامع العزيزى. وانظر كلاما جيدا حول هذين الكتابين فى (أبو العلاء الناقد الأدبى) للأخ الدكتور السعيد السيّد عبادة ص ١١٢ - ١٢٦.
[ المقدمة / ١٥١ ]
وقد أخذ ابن الشجرى على أبى العلاء تفسيره لقول المتنبى (١):
لم تسم يا هارون إلا بعد ما اق ترعت ونازعت اسمك الأسماء
فقال: قال فيه أبو الفتح: أراد لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء، فكلّ أراد أن يسمّى به، فخرا بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول فى هذا أن يكون الاسم هاهنا فى معنى الصيت، كما يقال: فلان قد ظهر اسمه، أى قد ذهب صيته فى الناس، فذكره لا يشاركه فيه أحد، وماله يشترك فيه الناس، فأما أن يكون عنى باسمه هارون، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء، وهو مستحيل فى الحقيقة، لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون.
والذى ذهب إليه أبو الفتح من إرادته اسمه العلم هو الصواب، وقول المعرى إن الاسم هنا يريد به الصيت، ليس بشىء يعول عليه، لأن قول أبى الطيب: «لم تسم» معناه لم يجعل لك اسم، وأما دفع المعرى أن يكون المراد الاسم العلم بقوله:
إن فى الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر البيت الذى يلى هذا البيت، وهو قوله:
*فغدوت واسمك فيك غير مشارك*
والمعنى: إن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء، فمعارضته بأن فى الناس جماعة يعرفون بهارون، إنما يلزم أبا الطيب، لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك فى اسمك، فلم يفرق المعرى بين أن يقال: اسمك مشارك فيك، وأن يقال: أنت غير مشارك فى اسمك، وإنما أراد أن اسمك انفرد بك دون الأسماء، ولم يرد أنك انفردت باسمك دون الناس، فاللفظان متضادان كما ترى.