(٣٩٢ هـ)
وأبو الفتح من عرفت-نفاذ بصيرة ولطافة حسّ-فتح للعربية آفاقا رحبة، وكشف عن جوانب فذّة منها، أضاءت الطريق للباحثين والدارسين، قديما وحديثا.
ولابن الشجرى خصوصية بابن جنى، فقد شرح كتابيه: التصريف الملوكى، واللمع، وقد أفاد ابن الشجرى من ابن جنى، ووقف منه موقفه من أعلام العربية: ناقلا وشارحا وناقدا. ولا سبيل إلى ذكر كلّ المواضع التى نقل فيها ابن الشجرى عن ابن جنى، فقد امتلأ كتاب الأمالى بأقوال ابن جنى، وكان أبو الفتح أوّل علم يحكى عنه ابن الشجرى فى المجلس الأول من الأمالى. ولكن الذى يعنينى هو تلك المواطن التى ذكر فيها ابن الشجرى آراء ابن جنى دون أن يعزوها إليه، أو تلك الآراء التى ساقها ابن الشجرى غير منسوبة، ورأيت فيها مشابه من كلام ابن جنى، وكذلك الآراء التى نصره أو تعقّبه فيها. فمن ذلك:
١ - ذكر ابن الشجرى فى قول عدىّ بن زيد:
لم أر مثل الأقوام فى غبن الأيام ينسون ما عواقبها.
قال (٢): وقوله: «ما عواقبها» ما استفهامية، و«ينسون» معلّق، كما علّق نقيضه وهو يعلمون، فالتقدير: ينسون أىّ شيء عواقبها.
وقد ذكرت فى تحقيقى أن هذا من كلام ابن جنى فى كتابه المحتسب.
_________________
(١) ٢/ ٣٤٧،٣٤٨، وأمالى ابن الشجرى، المجلس الموفى الثلاثين.
(٢) المجلس الحادى عشر.
[ المقدمة / ١٣٩ ]
٢ - فرق ابن الشجرى بين تخفيف الهمزة، وبين إبدالها ياء، فذكر فى قول المتنبى:
جربت من نار الهوى ما تنطفى نار الغضا وتكل عما تحرق
قال (١): أبدل من همزة «تنطفئ» ياء، لانكسار ما قبلها، كما أبدل الفرزدق من المفتوح ما قبلها ألفا، فى قوله:
راحت بمسلمة البغال عشيّة فارعى فزارة لا هناك المرتع
وهذا لا يسمى تخفيفا، وإنما هو إبدال، لا يجوز إلا فى الشعر، والتخفيف الذى يقتضيه القياس فى هذا النحو أن تجعل الهمزة بين بين.
وهذا من كلام ابن جنى فى المحتسب أيضا، كما ذكرت فى حواشى التحقيق.
٣ - حكى ابن الشجرى عن أبى على الفارسى حذف «فيه» من قول امرئ القيس:
*كبير أناس فى بجاد مزمّل*
أى مزمّل فيه، ثم قال ابن الشجرى (٢): «ولولا تقدير «فيه» هاهنا، وجب رفع «مزمّل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل الجرّ على المجاورة».
وقد ذكرت فى تحقيق هذا الموضع أن هذا هو رأى ابن جنى فى الخصائص.
٤ - ذهب ابن الشجرى (٣) إلى أن «كلاّ» لا تضاف إلى واحد معرفة.
وقد رأيت هذا الرأى معزوّا إلى ابن جنى، فى الأشباه والنظائر للسيوطى. وذكرته فى حواشى التحقيق.
_________________
(١) المجلس الثانى عشر.
(٢) المجلس الثالث عشر.
(٣) المجلس الحادى والثلاثون.
[ المقدمة / ١٤٠ ]
٥ - فى مبحث التكرير استشهد ابن الشجرى على تكرير المفرد بقول القائل (١):
أبوك أبوك أربد غير شكّ أحلّك فى المخازى حيث حلاّ
وقد رأيت بحاشية أصل الأمالى: «هذا البيت وما معه من الشرح كله كلام ابن جنى فى كتاب مشكل أبيات الحماسة».
٦ - أنشد ابن الشجرى فى عود الضمير مفردا إلى اثنين قول الشاعر (٢):
أخو الذئب يعوى والغراب ومن يكن شريكيه يطمع نفسه شرّ مطمع
ثم قال: «جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا، لأنهما كثيرا ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقه أن يقول:
ومن يكونا شريكيه».
وقد رأيت هذا الكلام لابن جنى فى المحتسب، مع اختلاف يسير فى العبارة، كما ذكرت فى حواشى التحقيق.
٧ - ذكر ابن الشجرى (٣) أن الألف لا يفارق المدّ. وقد وجدت هذا لابن جنى فى اللسان (ردف).
٨ - فى حديث ابن الشجرى عن الحذوف، أنشد قول الراجز (٤):
تروّحى أجدر أن تقيلى غدا بجنبى بارد ظليل
وذكر أن فيه خمسة حذوف، ثم قال: «لأنه قدّر: ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى هو «مكانا»، وحذف الباء التى يتعدى بها «أجدر»، وحذف الجار من «فيه» فصار: تقيليه،
_________________
(١) المجلس الثانى والثلاثون.
(٢) المجلس الثامن والثلاثون.
(٣) المجلس التاسع والثلاثون.
(٤) المجلس الحادى والأربعون.
[ المقدمة / ١٤١ ]
فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أى لا تجزى فيه».
وقد رأيت هذا الكلام كلّه-عدا الاستشهاد بالآية الكريمة-فى المحتسب لابن جنى.
٩ - فى حديث ابن الشجرى عن حذف النون، قال (١): «وإنما استمرّ هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من المشابهة، لأنها إذا سكنت تضمنت غنّة، كما تتضمن حروف اللين مدّا».
وهذا من كلام ابن جنى فى المنصف، ولابن الشجرى فضل التمثيل والإيضاح بما ذكره بعد.
هذا ولابن الشجرى وقفات مع ابن جنى، نصره فى بعضها، وتعقّبه فى بعضها الآخر: فمن ذلك:
١ - ما ذكره فى إعراب «هنيئا»، قال (٢): وجعل أبو الفتح بن جنى هنيئا فى قول كثيّر:
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
حالا، وقعت بدلا من اللفظ بالفعل، وخالف أبا على فى تقدير ذلك الفعل، فزعم أن التقدير: ثبت هنيئا لعزّة ما استحلّت من أعراضنا، فحذف «ثبت» وأقام «هنيئا» مقامه، فرفع به الفاعل الذى هو «ما استحلّت»، وكذلك قال فى قول المتنبى:
*هنيئا لك العيد الذى أنت عيده*
قال: العيد مرفوع بفعله، والأصل: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه. وقول أبى الفتح فى
_________________
(١) المجلس الخامس والأربعون. والمنصف ٢/ ٢٢٨، وأيضا سرّ صناعة الإعراب ص ٤٣٨.
(٢) المجلس الخامس والعشرون.
[ المقدمة / ١٤٢ ]
هذا أشبه (١) من قول أبى على، لأن أبا على زعم أن «هنيئا» وقع موقع «ليهنئك»، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع «هنأك»، وهذا لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون حالا.
٢ - حكى ابن الشجرى كلام الشراح فى قول المتنبى (٢):
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
ونقل رأى ابن جنى، قال: قال أبو الفتح: «ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه».
وقد تعقبه ابن الشجرى، فقال: وأما قول أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النظر، وقنع بأول لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل «كفى» وهو المصدر المقدر، لأن «أن» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلق «منهم» باسم الفاعل المقدر الذى هو «كائن»، فالتقدير:
كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحق لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه، لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام:
*كأنّ أيامهم من حسنها جمع*
٣ - قال ابن جنى فى شرح قول المتنبى:
ويصطنع المعروف مبتدئا به ويمنعه من كلّ من ذمّه حمد
«معناه: يعطى معروفه المستحقين، ومن تزكو عنده الصّنيعة، ويمنعه من كل ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه».
_________________
(١) انظر مثالا آخر لنصر ابن الشجرى رأى ابن جنى، فيما يأتى من حديث أبى العلاء المعرى.
(٢) المجلس الثلاثون.
[ المقدمة / ١٤٣ ]
وقد تعقّبه ابن الشجرى فى هذا الشرح (١)
٤ - حكى ابن الشجرى عن ابن جنى اللغات الثمانية فى «أف»، وقوله:
«ولا يقال: أفّى، بالياء، كما تقول العامة».
قال ابن الشجرى (٢): وأقول: إن الذى تقوله العامة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل (٣).