(٧٦١ هـ)
أبرز نحاة القرن الثامن، شرّقت كتبه وغرّبت، وذهب كتابه «المغنى» بالشهرة والصّيت. وقد نقل فى «المغنى» آراء ابن الشجرى، وتعقّبه فى بعضها، وظهر فى كلامه شيء من التحامل عليه، على أن ابن هشام قد أفاد من ابن الشجرى إفادة واضحة، وبخاصة فى مباحثه عن الأدوات، معانيها وشواهدها، بل إنه ساق عباراته بألفاظها، دون أن يصرح بنسبة الكلام إليه. وقد ثبت أن ابن هشام كانت لديه نسخة من أمالى ابن الشجرى، صححها وأملى عليها بعض تعليقات، كتبها أحد تلاميذه (٣).
_________________
(١) طبع بهامش البحر المحيط.
(٢) الأشباه والنظائر ٣/ ١٢٦، ويقارن بالأمالى-المجلس الخامس.
(٣) انظر ما يأتى عن نسخ الأمالى.
[ المقدمة / ١٦٦ ]
وليس يعنينى هنا ذكر المواضع التى حكى فيها ابن هشام آراء ابن الشجرى، فهذا قد ذكرته فى حواشى التحقيق، وإنما أشير إلى المواضع التى أفاد فيها ابن هشام من ابن الشجرى وتأثره، دون أن يصرح به، ثم أعرض لمآخذ ابن هشام على ابن الشجرى. فمن ذلك:
١ - نقل ابن هشام بعض ما ذكره ابن الشجرى فى إعراب قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ (١).
٢ - نفى ابن هشام أن تكون «أى» شرطية، فى قول المتنبى:
أىّ يوم سررتنى بوصال لم ترعنى ثلاثة بصدود
قال: لأن المعنى حينئذ: «إن سررتنى يوما بوصالك آمنتنى ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس المعنى المراد، وإنما هى للاستفهام الذى يراد به النفى، كقولك لمن ادعى أنه أكرمك: أيّ يوم أكرمتنى؟». هذا تأويل ابن هشام، وهو مسلوخ من كلام ابن الشجرى (٢)، وقد نبّه البغدادىّ على أن ابن هشام قد أخذ كلام ابن الشجرىّ هنا برمّته (٣).
٣ - قال ابن هشام: من مشكل باب «ليت» قول يزيد بن الحكم:
فليت كفافا كان خيرك كلّه وشرّك عنى ما ارتوى الماء مرتوى
ثم أورد أوجه الإشكال فى إعراب هذا البيت، وساق الأجوبة عليها. وقد أغار ابن هشام فيما أورد وساق، على كلام ابن الشجرى، الذى أطال النّفس فى هذا البيت، وقد نبّه البغدادى إلى أن ابن هشام قد تبع ابن الشجرى فى كلامه على ذلك البيت، وقال: وقد لخص ابن هشام فى «المغنى» كلام ابن الشجرى فى غير وجهه، فإنه لم يبيّن ما ينبنى على كل قول من الأقوال (٤).
_________________
(١) المغنى ص ٤٨٥، والأمالى-المجلس الحادى عشر.
(٢) المغنى ص ٨٣، والأمالى-المجلس الثانى عشر.
(٣) شرح أبيات المغنى ٢/ ١٥٥.
(٤) المغنى ص ٣٢٠، والأمالى-المجلس الثامن والعشرون، والخزانة ١٠/ ٤٨٣.
[ المقدمة / ١٦٧ ]
٤ - أورد ابن هشام فى شواهد «إذ» بيت الأخطل:
كانت منازل ألاّف عهدتهم إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا
ثم تكلّم على إعراب البيت بكلام يرجع إلى ما ذكره ابن الشجرى فيه (١).
وقد رجّح عندى أن ابن هشام ناقل عن ابن الشجرى فى هذا الموضع، أن ذلك البيت لم يرد فى ديوان الأخطل المطبوع، وأنى لم أجد أحدا أنشده، أو نسبه هذه النسبة قبل ابن هشام سوى ابن الشجرى، ويبدو أنه وحده صاحب (٢) هذه النسبة، فقد قال السيوطى: «قال ابن الشجرى فى أماليه: هو للأخطل» (٣).
٥ - فى حديثه عن قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حكى كثيرا من ألفاظ ابن الشجرى فى تأويل الآية الكريمة (٤).
٦ - نقل ابن هشام كلام ابن الشجرى على بيت المتنبى (٥):
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
٧ - تكلّم ابن هشام على الفاء التى فى جواب «أمّا»، وأورد فيها احتمالات ثلاثة؛ أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء. ثم صحّح أنها للجزاء. وهذا الذى أورده ابن هشام كأنه خارج من كيس ابن الشجرى (٦).
٨ - فى حديث ابن هشام عن حذف المبتدأ، تشابه سياقه مع سياق ابن الشجرى، كأنه ينقل عنه، أو كأن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد (٧).
٩ - ساق ابن هشام شواهد كثيرة على «القلب»، وبعض هذه الشواهد منتزع من ابن الشجرى انتزاعا، وهو مما لا يخفى على المتأمّل لكلا السّياقين (٨).
_________________
(١) المغنى ص ٩٠، والأمالى-المجلس الثلاثون.
(٢) هذا ما قلته عند إعداد هذه الرسالة منذ إحدى عشرة سنة، ثم ظهر لى أن صاحب هذه النسبة هو أبو على الفارسى. وهو فى كتابه: الشعر ص ٢٨٤.
(٣) شرح شواهد المغنى ص ٨٨.
(٤) المغنى ص ٣٨٩،٣٩٠، والأمالى-المجلس الحادى والثلاثون.
(٥) المغنى ص ٢٤٥، والأمالى-المجلس نفسه.
(٦) المغنى ص ٥٧، والأمالى-المجلس السادس والثلاثون.
(٧) المغنى ص ٦٩٩، والأمالى-المجلس التاسع والثلاثون.
(٨) المغنى ص ٧٧٦،٧٧٧، والأمالى-المجلس الثالث والأربعون.
[ المقدمة / ١٦٨ ]
١٠ - هذا وقد أشرت فى الفقرة الثامنة والخمسين من آراء ابن الشجرى، إلى أن سياق ابن هشام فى الكلام على مجىء اللام بمعنى «بعد» يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى.
وقد أخذ ابن هشام على ابن الشجرى أشياء، نسبه فيها إلى الوهم. فمن ذلك:
١ - نسب إليه أنه أجاز الجزم بلو، ثم نسب إليه أيضا أنه أنشد شاهدا على الجزم بلو قول الشاعر (١):
تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت إحدى نساء بنى ذهل بن شيبانا
وهذا الشاهد لا وجود له فى أمالى ابن الشجرى، كما أن ابن الشجرى لم يجز الجزم بلو، وإنما قصره على الضرورة الشعرية. وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثالثة عشرة من آراء ابن الشجرى.
٢ - أخذ ابن هشام على ابن الشجرى إعرابه لقول الشماخ:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة أمره وهو ضامز
وذلك أن ابن الشجرى قال (٢): وفى البيت فصل بالظرف الأجنبى بين المصدر ومنصوبه، لأن قوله: «بضاحى عذاة» متعلق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبى من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر، كأنه لما قال: ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة، أضمر «يقضى» فنصب به «أمره».
وقد ذكر ابن هشام عن النحويين أن الباء فى قوله: «بضاحى» متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا بينتظرن، لئلا يفصل بين «قضائه وأمره» بالأجنبى، ثم قال (٣): «ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجرى وغيره «أمره» معمولا لقضى محذوفا، لوجود ما يعمل».
_________________
(١) شرح قصيدة بانت سعاد ص ١١، والمغنى ص ٣٠٠،٧٧٩.
(٢) المجلس التاسع والعشرون.
(٣) المغنى ص ٥٩٥.
[ المقدمة / ١٦٩ ]
هذا كلام ابن هشام فى «المغنى»، ولكنه نقضه فى كتابه «شرح بانت سعاد» (١) حيث قال بعد أن أنشد البيت: «وأمره منتصب بقضائه محذوفا، مبدلا من «قضائه» المذكور، ولا ينتصب بالمذكور، لأن الباء ومجرورها متعلقان بينتظرن، ولا يفصل المصدر من معموله».
انتهى كلامه، وواضح أنه يرجع إلى كلام ابن الشجرى، والفرق الوحيد بينهما أن ابن الشجرى يقدر المحذوف أو المضمر «يقضى» وابن هشام يقدره «قضاء».
٣ - استشهد ابن الشجرى على مجىء الاستفهام بمعنى الخبر بعد التسوية، بقول زهير (٢):
وما أدرى وسوف إخال أدرى أقوم آل حصن أم نساء
وقد ردّ ابن هشام على ابن الشجرى هذا الاستشهاد، فقال (٣): والذى غلّط ابن الشجرى حتى جعله من النوع الأول توهّمه أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود ألبتّة، لمنافاته لفعل الدّراية، وجوابه أن معنى قولك: علمت أزيد قائم؟:
علمت جواب أزيد قائم، وكذلك ما علمت.
٤ - تشكّك ابن هشام فى نقل ابن الشجرى عن سيبويه أن «أو» فى قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ للتخيير، وقد ذكرت ذلك فى حديثى عن سيبويه، وذكرت أيضا أن الحق مع ابن هشام، فى تشككه فى هذا النقل، إذ لم أجده فى كتاب سيبويه المطبوع.
٥ - نسب ابن هشام ابن الشجرى إلى التعسّف، فيما قدّره من حذوف، فى قوله تعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾، وقد أشرت إلى ذلك فى مبحث الحذوف.
_________________
(١) شرح بانت سعاد ص ٩٤.
(٢) الأمالى-المجلس الرابع والثلاثون.
(٣) المغنى ص ٤١.
[ المقدمة / ١٧٠ ]
٦ - وهّم ابن هشام ابن الشجرى فى جعله قوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ من باب التخيير، وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثانية والستين من آراء ابن الشجرى، وأشرت إلى أن ابن الشجرى إنما انتزع كلامه من كلام الهروى، فى «الأزهية»، فإن كان إيراد فعلى الهروىّ، ومثل ذلك ذكرت فى الفقرتين السابعة والخمسين، والستين.
٧ - ردّ ابن هشام ما أخذه ابن الشجرى على مكى بن أبى طالب، فى إعراب قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ و﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وذلك أن مكيّا قال فيما حكى ابن الشجرى (١): «الكاف فى الموضعين فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، أى قولا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون، وقولا مثل ذلك قال الذين من قبلهم، ثم قال: ويجوز أن تكونا فى موضع رفع على الابتداء، وما بعد ذلك الخبر».
ويعقّب ابن الشجرى فيقول: لا يجوز أن يكون موضع الكاف فى الموضعين رفعا، كما زعم، لأنك إذا قدرتها مبتدأ، احتاجت إلى عائد من الجملة، وليس فى الجملة عائد، فإن قلت: أقدّر العائد محذوفا، كتقديره فى قراءة من قرأ: وكلّ ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أى وعده الله، فأقدّر: كذلك قاله الذين لا يعلمون، وكذلك قاله الذين من قبلهم، لم يجز هذا، لأن «قال» قد تعدى إلى ما يقتضيه من منصوبه، وذلك قوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ولا يتعدّى إلى منصوب آخر.
ويعلّق ابن هشام على كلام ابن الشجرى، فيقول (٢): وردّ ابن الشجرى ذلك على مكى، بأنّ «قال» قد استوفى معموله، وهو ﴿مِثْلَ﴾، وليس بشىء، لأن ﴿مِثْلَ﴾ حينئذ مفعول مطلق، أو مفعول به ليعلمون، والضمير المقدّر مفعول به لقال.
٨ - وقد ردّ ابن هشام على ابن الشجرى ما انتقده على أبى على الفارسى،
_________________
(١) المجلس الثمانون، وقارن بمشكل إعراب القرآن لمكى ١/ ٦٩.
(٢) المغنى ص ١٩٥.
[ المقدمة / ١٧١ ]
فى توجيه قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وأشرت إلى ذلك من قبل (١).
هذا وقد أورد ابن هشام اعتراضا لابن الشجرى على أبى على الفارسى، ولم أجد هذا الاعتراض فى «أمالى ابن الشجرى»، قال ابن هشام (٢): وقول الفارسى فى ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها﴾ إنه من باب «زيدا ضربته»، واعترضه ابن الشجرى بأن المنصوب فى هذا الباب، شرطه أن يكون مختصا، ليصحّ رفعه بالابتداء، والمشهور أنه عطف على ما قبله، و﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة، ولا بدّ من تقدير مضاف، أى:
وحبّ رهبانية، وإنما لم يحمل أبو على الآية على ذلك، لاعتزاله، فقال: لأن ما يبتدعونه لا يخلقه الله ﷿.