كان ابن الشجرى متضلّعا من الأدب، كما يقول ياقوت فى ترجمته، كما كان بصيرا بأشعار العرب، وله فى ذلك كتابان يحتلاّن مكانة سامقة فى المكتبة العربية:
الحماسة ومختارات أشعار العرب.
وقد استفاض كتابه «الأمالى» بأشعار القدامى والمحدثين، وإذا تركنا الشواهد
_________________
(١) من تاريخ الإسلام، الموضع المذكور فى صدر الترجمة.
(٢) هو أحمد بن صالح بن شافع الجيلى، من مؤرخى بغداد، توفى سنة ٥٦٥ هـ، شذرات الذهب ٤/ ٢١٥.
(٣) راجع هذه المباحث فى المجالس: الثانى عشر والسابع والعشرين، ومن الحادى والثلاثين إلى الخامس والثلاثين، والسادس والأربعين، والثانى والخمسين، والحادى والستين.
[ المقدمة / ١٩٩ ]
النحوية التى بلغت قدرا ضخما أشرت إليه فى حديثى عن الشواهد، وجدنا ابن الشجرى يروى قصائد جيادا، لعدىّ بن زيد، والنابغة الجعدى، وأعشى تغلب، وأبى الصلت الثقفى، ويزيد بن الحكم، وابن أحمر، والخنساء، والعباس بن عبد المطلب. ومن شعر المحدثين روى للمتنبى (١) والشريف الرضى، وابن نباتة السعدى. ثم عرض لهذه القصائد بالشرح والبيان، ويعد شرحه لبعض هذه القصائد، من الشروح النادرة العزيزة، التى لا تكاد توجد فى كتاب، كشرحه لقصيدة يزيد بن الحكم (٢).
وتعدّ «الأمالى» بهذه المثابة مرجعا هامّا فى جمع الشعر وتوثيقه، وبخاصّة أن ابن الشجرى ينفرد برواية قصائد لبعض الشعراء، يقلّ وجودها عند غيره من رواة الشعر، كما فعل فى رواية قصيدة ابن أحمر، فقد روى منها خمسة عشر بيتا، وأبيات هذه القصيدة لا تكاد توجد مجتمعة بهذا العدد فى أىّ من الكتب المطبوعة (٣).
وقد عنى ابن الشجرى بذكر مآخذ الشعراء والموازنة بينهم، فقد ذكر (٤) أن الشريف الرضى أخذ قوله:
من الركب ما بين النقا والأناعم نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
من قول العملّس:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
وقال فى بيت ابن نباتة السعدى (٥):
لأية حال يختلسن نفوسهم وهنّ عليها بالحنين نوادب
_________________
(١) راجع حديث المتنبى، فى الكلام على الشواهد الشعرية.
(٢) هذه القصيدة تعد من بليغ العتاب فى الشعر، وقد ذكرها ابن الشجرى فى المجلس السابع والعشرين، ثم عرض لها بالشرح الجامع البديع، وقد أثنى على هذا الشرح الشيخ الجليل أحمد محمد شاكر، ﵀، فى حواشى لباب الآداب ص ٣٩٦.
(٣) راجع المجلس الحادى والعشرين، وديوان ابن أحمر ص ١٢٤،٢١٣.
(٤) المجلس العشرون.
(٥) المجلس الثالث والستون.
[ المقدمة / ٢٠٠ ]
وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرومى:
كالقوس تصمى الرمايا وهى مرنان
وفى شرحه لقصيدة بشر بن عوانة، قال فى (١) بيته:
إذن لرأيت ليثا أمّ ليثا هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
أخذ البحترى هذا البيت لفظا ومعنى، فى قوله:
هزبر مشى يبغى هزبرا وأغلب من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
وذكر فى شرح بيت المتنبى:
لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
قال (٢): التقدير: لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إياه، لم يعرفوا التأميل، لأن ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ، فى قوله:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله تركتنى أصحب الدّنيا بلا أمل
ومثله لأبى الفرج الببغاء:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمله دهرى لأنك قد أفنيت آمالى
وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيّهما أخذ من صاحبه.
ومن الموازنات ما أورده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين، عن الشعراء الذين ذكروا الطير التى تتبع الجيش، لتصيب من لحوم القتلى، وقد أغار فى هذا الفصل على كلام القاضى الجرجانىّ فى «الوساطة»، وقد أشرت إليه فى حديثى عن مصادر ابن الشجرى.
_________________
(١) المجلس الرابع والستون. وراجع الكلام على قصيدة بشر فى حديث الشواهد الشعرية، وإذا صح أن «بشرا» هذا شخصية وهمية اخترعها بديع الزمان الهمذانى، وأجرى على لسانها هذه الأبيات، إذا صح هذا فيكون بديع الزمان هو الذى أخذ البيت لفظا ومعنى من البحترى، إذ كان بديع الزمان توفى سنة ٣٩٨، والبحترى سنة ٢٨٤.
(٢) المجلس الرابع والسبعون.
[ المقدمة / ٢٠١ ]
وقد روى ابن الشجرى أشعارا فى الهجاء لبعض الشعراء المغمورين فى عصره (١).
وتعدّ شروح ابن الشجرى لما عرض له من شعر المتنبى (٢) إضافة جيّدة لفهم هذا الشاعر العظيم، وإلقاء الضوء على المفاهيم الأدبية فى ذلك العصر، ثم تكشف هذه الشروح أيضا عن مشاركة النحاة فى توجيه الدراسات الأدبية، فلم يكن النحويون الأوائل بمعزل عن هذه الدراسات، كما يفهم بعض الدراسين. . . . وهذا حديث طويل.