المراد بالأدوات: الحروف (١) وما شابهها من الأسماء والأفعال والظروف، ويطلق عليها حروف المعانى. وقد جاء الحديث عن الأدوات مفرّقا فى ثنايا كتب التفسير، وكتب علوم القرآن، نحو مشكل القرآن لابن قتيبة، والبرهان للزركشى، وكتب اللغة والبلاغة.
وقد تناولت المصنّفات النحوية مبحث الأدوات خلال أبواب النحو المختلفة، ثم أفرد بعض النحاة تصانيف خاصة للأدوات، ومن أشهر هذه التصانيف: معانى الحروف للرمانى (٢)، وكتاب اللامات للزجاجى، والأزهية للهروى، ورصف المبانى فى حروف المعانى للمالقى، والجنى الدانى فى حروف المعانى لابن أم قاسم المرادى، وجواهر الأدب فى معرفة كلام العرب للإربلى، ثم خصص ابن هشام الجزء الأول من «المغنى» للأدوات.
ويعد ابن الشجرى من أهم من عالجوا مبحث الأدوات: معانيها وعملها وشواهدها، ودخول بعضها مكان بعض، ذكر كل ذلك فى ثنايا مجالسه، ثم أفرد مجالس خاصة لبعض هذه الأدوات، فقصر المجلس السابع والستين على «لا»، قال فى آخره: «فهذه وجوه «لا» لم أخلّ منها بشىء، والمجلس الذى بعده خصصه لمعانى وعمل «ما»، ثم عقد فصلا فى المجلس السبعين لدخول حروف الخفض بعضها مكان بعض، وهو فصل مفيد جدا، أتى فيه ابن الشجرى على شواهد كثيرة من الكتاب العزيز، مما يفيد فى مجال الدراسات القرآنية. وعمل ابن الشجرى هذا يعدّ حلقة من السلسلة التى بدأها ابن قتيبة فى كتابه تأويل مشكل القرآن، وابن فارس فى كتابه الصاحبى.
وتكلم ابن الشجرى فى المجلس الثالث والسبعين، عن «أى» و«رب»، وفى المجلس الذى بعده تحدث عن أقسام «من» الاسمية، وافتتح المجلس الخامس والسبعين بذكر معانى «أو» ومواضعها، وكذلك تحدث عن معانى «أم» ومواضعها
_________________
(١) مقدمة تحقيق الجنى الدانى فى حروف المعانى ص ٣.
(٢) إن صحّت نسبته إليه.
[ المقدمة / ٩٠ ]
فى المجلس السابع والسبعين، وابتدأ المجلس التالى بذكر أقسام «إما» المكسورة، و«أما» المفتوحة، وبسط الكلام على «إن» الخفيفة المكسورة والمفتوحة فى المجلس الذى بعده.
وقد أفاد ابن الشجرى فى معالجته للأدوات من جهود العلماء السابقين، وعلى رأسهم الهروىّ صاحب «الأزهية»، وقد أغار ابن الشجرى على كثير من مباحث هذا العالم، من غير أن ينبّه عليه، وحديث هذا يأتى إن شاء الله فى الكلام على مصادر ابن الشجرى، ثم أفاد النحاة المتأخرون من جهود ابن الشجرى فى هذا المجال، وصرحوا بالنقل عنه والأخذ منه، ومن هؤلاء المرادى صاحب «الجنى الدانى»، وابن هشام فى «المغنى» لكن ابن هشام يغفل أحيانا ذكر ابن الشجرى، وقد عارضت كلامه بكلامه، ونبهت عليه فى حواشى التحقيق.
وتبدو أهمية ابن الشجرى فى هذا المجال، متمثلة فى ذلك الفيض الزاخر من الشواهد التى انتزعها من كتاب الله العزيز، ومن أشعار العرب، وبعض هذه الشواهد مما انفرد به ابن الشجرى، ولم يرد فى أشهر كتب الأدوات التى ذكرتها، ومن ذلك ما أنشده على زيادة «ما»، من قول الشاعر (١):
ما مع أنك يوم الورد ذو جزر ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار
_________________
(١) المجلسان الرابع والأربعون والسابع والستون.
[ المقدمة / ٩١ ]