أمالى ابن الشجرى
قال الحاجّ خليفة (١): «الأمالى: هو جمع الإملاء (٢)، وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله ﷾ عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتابا ويسمّونه الإملاء والأمالى، وكذلك كان السّلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها فى علومهم، فاندرست لذهاب العلم والعلماء، وإلى الله المصير، وعلماء الشافعية يسمّون مثله التعليق».
وقد كثرت الأمالى فى مختلف العلوم والفنون، ولعل علماء الحديث هم أكثر الناس اهتماما بهذا اللون من التأليف.
والذى يعنينا هنا الأمالى المصنّفة فى علوم العربية، فمن أشهرها:
١ - أمالى ثعلب (٢٩١ هـ) وقد نشرت باسم: مجالس ثعلب، بتحقيق شيخنا الجليل عبد السلام هارون ﵀، وقد طبعت أكثر من طبعة بدار المعارف بمصر، وهى الكتاب الأول من سلسلة ذخائر العرب.
٢ - أمالى اليزيدى (٣١٠ هـ)، نشرت فى حيدرآباد بالهند، سنة ١٣٦٧ هـ.
٣ - أمالى الزجاجى (٣) (٣٤٠ هـ) حققها شيخنا عبد السلام هارون ﵀. مطبعة المؤسسة العربية الحديثة القاهرة ١٣٨٢ هـ.
٤ - أمالى القالى (٣٥٦ هـ) وهى أكثر كتب الأمالى شهرة وذيوعا.
طبعت بدار الكتب المصرية سنة ١٣٤٤ هـ.
_________________
(١) كشف الظنون ص ١٦١.
(٢) على غير قياس، وقيل: جمع أملية، كأغنية وأحجية وأثفية وأمسية. راجع مقالة الدكتور عمر الدقاق (أبو على القالى وكتابه الأمالى) مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد ٤٤ جزء ٣ ص ٥٢٧.
(٣) ويلتحق بأمالى الزجاجى: مجالسه، التى نشرها شيخنا عبد السلام هارون ﵀ بالكويت سنة ١٩٦٢ م، للصلة الوثيقة بين الأمالى والمجالس، وإن كان شيخنا يرى بينهما فرقا دقيقا، ذكره فى-
[ المقدمة / ١٨٧ ]
٥ - أمالى المرتضى (٤٣٦ هـ) وتسمى غرر الفوائد ودرر القلائد، نشرها الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم، ﵀، بمطبعة عيسى البابى الحلبى، بالقاهرة سنة ١٣٧٣ هـ.
٦ - أمالى ابن الشجرى (٥٤٢ هـ) موضوع هذه الدراسة.
٧ - أمالى ابن الحاجب (٦٤٦ هـ) أقام عليها درسا للدكتوراه الأستاذ الدكتور محمد هاشم عبد الدائم، ﵀. ونشرها الدكتور هادى حسن حمّودى، سنة ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م-عالم الكتب-بيروت.
٨ - أمالى الشّهاب الخفاجى (١٠٦٩ هـ)، وتسمى طراز المجالس (١)، طبعت بالمطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٨٤ هـ وقد أشار الخفاجى فى مقدمة «أماليه» هذه إلى ابن الشجرى، وذلك قوله: «فهذه بنات فكر زففتها إليك، وأمالى مجالس أمليتها عليك، مما تقرّ به عين الأدب، ويتحلّى بذوقه لسان العرب، لو رآها ابن الشجرى لقال: هذه ثمرات الألباب، أو ابن الحاجب لقام بين يديها من جملة الحجّاب، أو ثعلب لراغ عمّا أملاه، أو القالى لهجر ما أملاه وقلاه».
وقد اختلفت هذه الأمالى فيما بينها شرعة ومنهاجا، من حديث غلبة فنّ من الفنون على سواه من الفنون الأخرى، كما ترى من غلبة اللغة والأدب على أمالى القالى.
_________________
(١) = مقدمة «مجالس ثعلب»، من حيث إن الأمالى كان يمليها الشيخ أو من ينيبه عنه بحضرته، فيتلقفها الطلاب بالتقييد فى دفاترهم، وفى هذا يكون الشيخ قد أعدّ ما يمليه، أو يلقى إلى الطلبة ما يشاء من تلقاء نفسه، وأما المجالس فتختلف عن تلك بأنها تسجيل كامل، لما كان يحدث فى مجالس العلماء، ففيها يلقى الشيخ ما يشاء من تلقاء نفسه، وفيها كذلك يسأل الشيخ فيجيب، فيدوّن كلّ ذلك فيما يسمى مجلسا. وقد يردّ ما ذهب إليه أستاذنا شيئان: الأول أن كتب الأمالى تسمى مجالس، كما فى أمالى ثعلب وأمالى الخفاجى الآتية. والثانى أن بعض كتب الأمالى تأتى مسائلها تحت اسم «مجالس» كما هو الحال فى أمالى المرتضى وأمالى ابن الشجرى، فلا فرق إذن.
(٢) راجع مقدمة تحقيق ريحانة الألبا ص ١٢،٢١.
[ المقدمة / ١٨٨ ]
وتفوق أمالى ابن الشجرى كلّ هذه الأمالى: حجما ومادّة، فقد بلغت مجالسها أربعة وثمانين مجلسا، استغرقت من الصفحات قدرا كبيرا، وعرض فيها لمسائل من النحو والصرف واللغة والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والأخبار. ولئن طوّف ابن الشجرى بكل هذه الفنون، إلا أنه ظلّ مشدودا إلى مسائل النحو والصرف، مما جعل العلامة البغدادى يضع «أمالى ابن الشجرى» ضمن مراجعه فى علم النحو (١).
وتنفرد أمالى ابن الشجرى بظاهرة لم تعرف فى الأمالى الأخرى، وهى ظاهرة التأريخ للمجالس، غير أنّ هذه الظاهرة لم تطّرد فى كلّ المجالس، فقد بدأت بالمجلس الثامن الذى أرّخ يوم السبت مستهلّ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وفى يوم السبت التالى له كان المجلس التاسع، وأرخ المجلس العاشر يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر نفسه، وعقد المجلس الحادى عشر يوم السبت سلخ الشهر المذكور، ولم يؤرخ للمجلس الثانى عشر، وأرخ المجلس الثالث عشر يوم السبت رابع جمادى الآخرة، ولم يؤرخ للرابع عشر، لاتصاله بما قبله، ثم أرخ الخامس عشر يوم السبت ثامن وعشرين من جمادى الآخرة، ثم تتابعت المجالس بعد ذلك كل يوم سبت، حتى المجلس الثانى والعشرين الذى أرخ يوم الثلاثاء من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وخمسمائة. ومعنى ذلك أن بين المجلس الحادى والعشرين والثانى والعشرين نحو سنتين توقف فيهما الإملاء.
ثم تتابعت المجالس بعد ذلك التاريخ، كل يوم ثلاثاء، وقد تتوقف أسبوعين أو ثلاثة. ثم توقف الإملاء بين المجلس الحادى والثلاثين (٢)، المؤرخ يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال، سنة ست وعشرين وخمسمائة، وبين المجلس الثانى والثلاثين المؤرخ يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول، سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ومعنى هذا أن الإملاء قد انقطع عشر سنوات، وهذه فجوة كبيرة، فهل توقّف ابن الشجرى طيلة هذه المدّة عن الإملاء، أم أن هذه التواريخ من صنع بعض التلامذة المستملين الذين قد يتطرّق الوهم إلى ذاكرتهم فى تسجيل التاريخ؟
_________________
(١) خزانة الأدب ١/ ١٨.
(٢) ثبت من استقراء نسخ الأمالى أن هذا المجلس هو ختام الجزء الأول من الأمالى. ويأتى حديث ذلك.
[ المقدمة / ١٨٩ ]
وقد يدل على أن هذه التواريخ من صنع أحد التلامذة المستملين، ما جاء بآخر المجلس الحادى والثلاثين، من زيادة قال جامعها: «هذه زيادة ألحقت بهذا الجزء فى شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولم تعدّ فى مجالسه، وهى مضمّنة فوائد جمّة».
ومهما يكن من أمر فقد وقف التأريخ للمجالس عند المجلس الثالث والثلاثين، المؤرخ فى يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول من سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ولم يؤرخ لباقى المجالس بعد ذلك.
[ المقدمة / ١٩٠ ]