آراء ابن الشجرى النحوية
سلكت سبيلين فى التعرّف على آراء ابن الشجرى: ما ذكره هو نفسه من قوله: وهذا ما خطر لى، أو: والقول عندى كذا، أو: والصحيح كذا والاختيار كذا، أو: فتأمل ما استنبطته لك، ونحو ذلك. ثم ما أورده النحاة المتأخرون، كابن هشام والمرادى والسيوطى والبغدادى، من أقوال وآراء نسبوها إلى ابن الشجرى.
وأريد أن أنبه بادىء ذى بدء إلى أنى وجدت فى «الأمالى» آراء كثيرة فى النحو والصرف واللغة، ساقها ابن الشجرى غير معزوّة إلى أحد ممن تقدمه، ولم أقطع بنسبتها إليه، لاحتمال وجودها فى كلام غيره ممن سبقه، وقد أمكننى عون الله وتوفيقه أن أردّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها، وإذا كنت قد وقفت عند بعض هذه الآراء التى نسبها ابن الشجرى إلى نفسه أو نسبت إليه ورددتها إلى أصحابها من النحاة المتقدّمين، فما ظنّك بهذه الآراء التى جاءت فى «الأمالى» غير معزوّة ولا منسوبة؟
وقد وجدت كثيرا ممن يدرسون علما من الأعلام يحشدون آراءه حشدا، دون فصل بين ما قال وما حكى، وبعض مصنفى الكتب القديمة لم يعنوا بعزو كل رأى إلى قائله، خوفا من الإملال والإطالة، ولا نظنّ بهم إلا خيرا، هذا أمر، وأمر آخر أن حركة التأليف العربى عرفت لونا من ألوان التصنيف، تمثّل فى تلك الرسائل والكتب الصغيرة التى التقمتها الكتب الكبار، فضاعت فى غمارها وطويت فى لجّتها، وحين جاء أصحاب الموسوعات النحوية شغل بعضهم (١) بما انتهى إليهم
_________________
(١) قلت: «بعضهم» لأخرج العلامة البغدادى، فقد ذكر فى موسوعته العظيمة «خزانة الأدب» كثيرا من هذه الرسائل الصغيرة، وحرص على عزو الآراء ونسبتها إلى أصحابها الحقيقيين.
[ المقدمة / ٣٧ ]
من هذه الكتب الكبار فنسبوا الآراء إلى أصحاب هذه الكتب، ثم نسج على نولهم من جاء بعدهم (١).
والأمر من قبل ومن بعد موكول إلى ثقافة الدارس ومحاولته التعرّف على مسار التأليف العربى، وإدراك العلائق بين الكتب: تأثرا أو نقدا أو شرحا أو اختصارا أو تذييلا، وهذا مفض لا محالة إلى التوقّف والحذر فى نسبة الآراء وعزوها.
وهذه آراء ابن الشجرى، أسوقها بحسب تسلسلها فى «الأمالى» إلا إذا اقتضت المناسبة أن أجمع ما يتصل بالمسألة الواحدة فى مكان واحد:
١ - قسم ابن الشجرى التثنية إلى ثلاثة أضرب (٢): تثنية لفظية وتثنية معنوية وردت بلفظ الجمع، وتثنية لفظية كان حقها التكرير بالعطف. وعن الضرب الثانى، وهو تثنية آحاد ما فى الجسد، كالأنف والوجه والبطن والظهر، نحو ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين، قال: «وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون هذا إلا فى الشعر، وأنشدوا شاهدا عليه:
كأنه وجه تركيين قد غضبا مستهدفين لطعن غير تذبيب
وقد حكى البغدادى (٣) هذا الكلام، ثم قال: «والعجب من ابن الشجرى فى حمله الإفراد على ضرورة الشعر، فإنه لم يقل أحد إنه من قبيل الضرورة. . . وتبعه ابن عصفور فى كتاب ضرائر الشعر، والصحيح أنه غير مختص بالشعر».
هذا كلام البغدادى، والمتأمل لعبارة ابن الشجرى: «ولا يكادون يستعملون هذا إلا فى الشعر» يراها غير قاطعة بأن استعمال ذلك خاصّ بالشعر، وصدر
_________________
(١) دليل ذلك يظهر إن شاء الله فيما أكتبه عن مصادر ابن الشجرى، ثم أثره فى الدراسات النحوية.
(٢) المجلس الثانى من الأمالى.
(٣) الخزانة ٣/ ٣٧١.
[ المقدمة / ٣٨ ]
كلامه يشعر بهذا، فإنه يقول: «وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد». إلى آخر ما قال، ولو كان يرى قصر استعمال مثل هذا على الشعر لصرّح به من أول الأمر.
٢ - ضعّف ابن الشجرى مجىء الحال من المضاف إليه، وتأول ما ورد من ذلك، فقال فى المجلس الثالث: «وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبط شرا:
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من المحذوف، لأنه مقدّر عنده منوىّ، ومثل ذلك فى القرآن قوله جل وعز: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على (من)، ومثله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ ألا ترى أنك لا بدّ أن تقدر:
خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بدّ له من عائد، لفظا أو تقديرا، وإنما وجب العدول عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» لما ذكرته لك من عزّة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه».
وقال فى المجلس السادس والسبعين (١): «فإن قيل: قد جاءت الحال من المضاف إليه فى القرآن فى قوله ﷿: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فالقول عندى أن الوجه أن تجعل (حنيفا) حالا من الملّة، وإن خالفها بالتذكير، لأن الملّة بمعنى الدّين، فجاءت الحال على المعنى، ألا ترى أن الملّة قد أبدلت من الدين فى قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾».
٣ - ذهب ابن الشجرى إلى أن الإشارة بمنزلة الإضمار. قال (٢):
«ألا ترى أنها قد سدت مسدّ الضمير فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ﴾
_________________
(١) وانظر أيضا المجلس الحادى والثمانين، وحكاه عنه البغدادى فى الخزانة ٣/ ١٧٣،١٧٤، وانظر ما يأتى فى الحديث عن مصادر ابن الشجرى (أبو على الفارسى-الفقرة التاسعة).
(٢) المجلس العاشر.
[ المقدمة / ٣٩ ]
﴿كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ فالإشارة من (أولئك) قامت مقام الضمير العائد من الجملة إلى المخبر عنه، فكأنه قيل: كلّهن كان عنه مسئولا».
٤ - وجّه ابن الشجرى التأنيث فى قول أعشى تغلب (١):
وقد خاب من كانت سريرته الغدر
بأنه أنث «الغدر» لمّا كان السريرة فى المعنى، واستشهد لذلك بقراءة النصب فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ قال: فالتقدير: ثم لم تكن فتنتهم إلا قولهم، وجاز تأنيث القول لأنه الفتنة فى المعنى، ومثله رفع «الإقدام» ونصب «العادة» فى قول لبيد:
فمضى وقدّمها وكانت عادة منه إذا هى عرّدت إقدامها
وإنما استجاز تأنيث «الإقدام» لتأنيث خبره، لأن الخبر إذا كان مفردا فهو المخبر عنه فى المعنى، وقد قيل فى الآية وفى بيت لبيد قول آخر، وذلك أنهم حملوا «أن قالوا» على معنى المقالة، وحملوا «الإقدام» على معنى التقدمة. قال: والقول الأول هو المأخوذ به، والثانى قول الكسائى، وليس فى بيت أعشى تغلب إلا ما ذكرناه أولا فيجب أن يكون العمل عليه.
وأقول: كأن ابن الشجرى ينكر تأنيث المذكر، لأن فيه ردّ أصل إلى فرع.
قال ابن جنى (٢): «وتذكير المؤنث واسع جدا، لأنه ردّ فرع إلى أصل، لكن تأنيث المذكر أذهب فى التناكر والإغراب».
٥ - ذكر ابن الشجرى (٣) أن «أبى يأبى» مما شذ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى، مثل يأتى.
ثم حكى ثلاثة أقوال فى تعليل ذلك، وصحّح الأول منها.
_________________
(١) المجلس التاسع عشر.
(٢) الخصائص ٢/ ٤١٥.
(٣) المجلس الحادى والعشرون.
[ المقدمة / ٤٠ ]
٦ - ذهب ابن الشجرى إلى أن الفصل بالأجنبى يمنع التعلّق، وساق عليه شواهد من القرآن الكريم والشعر، وقد تعقبه ابن هشام فى «المغنى» لكنه تناقض ورجع إلى تأويل ابن الشجرى فى «شرح بانت سعاد» ذكرت كل ذلك فى حواشى تحقيق المجلس التاسع والعشرين (١).
٧ - جمع ابن الشجرى (٢) «المكان» بمعنى الموضع على «مكانات».
وهو جائز على قاعدة أن كل مذكر غير عاقل يجوز جمعه بالألف والتاء، كما تقول فى حمّام: حمّامات.
وقد ذكر ابن الشجرى ذلك فى تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قال: «أى مكانات حرب». والذى رأيته فى كتب التفسير فى شرح «مواطن»: أماكن حرب. وفى لسان العرب، مادة (مكن وكون) عن ابن سيده: «المكان: الموضع، والجمع: أمكنة، كقذال وأقذلة، وأماكن: جمع الجمع». وذكر صاحب اللسان عن ابن سيده أيضا أن المكانات جمع المكانة، بمعنى المنزلة عند الملك.
٨ - يرى ابن الشجرى (٣) أن «الأحباب» فى قول المتنبى:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
جمع حبّ، كعدل وأعدال، قال: ولا ينبغى أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشراف، ويتيم وأيتام، لأمرين: أحدهما أن الأول أقيس وأكثر، والثانى أن يتيما وشريفا من باب فعيل الذى بمعنى فاعل، وحبيبا: فعيل الذى بمعنى مفعول، فأصله محبوب، كما أن قتيلا أصله مقتول، فافترقا.
هذا كلام ابن الشجرى، وقد كان ينبغى عليه أن يذكر على أى شيء يجمع «حبيب» الذى هو فعيل بمعنى مفعول، وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أنه يجمع
_________________
(١) وانظر أيضا المجلس الحادى والعشرين.
(٢) المجلس السابع والعشرون.
(٣) المجلس الحادى والثلاثون.
[ المقدمة / ٤١ ]
على أفعلاء: أحبّاء، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾. وعدم تصريح ابن الشجرى بذكر هذا الجمع غريب على أسلوبه فى «الأمالى»، فقد درج على الاستطراد وذكر الغرائب والفوائد، لأدنى ملابسة.
٩ - وكما قصّر ابن الشجرى فى ذكر جمع فعيل الذى بمعنى مفعول، قصّر أيضا فى ذكر جمع «النادى»، وهم القوم المجتمعون، قال فى بيت فارعة بنت شدّاد (١):
رفّاع ألوية شهّاد أندية سدّاد أوهية فتاح أسداد
«والأندية ليست بجمع ناد، لما قلنا من أن فاعلا لا يجمع على أفعلة، لكنها جمع نديّ، كرغيف وأرغفة، وهو مجلس القوم ومتحدّثهم» وقد قلت فى حواشى التحقيق إن «النادى» جمع فى الحديث على أنداء، ففى حديث أبى سعيد الخدرى: «كنا أنداء فخرج علينا رسول الله ﷺ». قال ابن الأثير (٢):
«الأنداء. جمع النادى، وهم القوم المجتمعون».
١٠ - أثبت ابن الشجرى جمع جمع الجمع، فقال فى أصائل (٣):
«الواحد أصيل، فقدّروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل».
وابن الشجرى مسبوق فى ذلك بابن عزيز فى كتابه «غريب القرآن»، والزجاجى فى «الجمل». وقد تعقّب ابن الخشاب ابن الشجرى فى ذلك، وذكر كلاما طويلا أوردته فى حواشى التحقيق، وممن أنكر هذا الجمع أيضا السهيلى فى «الروض الأنف». وحكيت كلامه أيضا.
_________________
(١) المجلس الثانى والثلاثون.
(٢) النهاية ٥/ ٣٧.
(٣) المجلس السابق.
[ المقدمة / ٤٢ ]
١١ - تحدث ابن الشجرى عن وضع المفرد موضع الجمع، وساق له شواهد كثيرة من القرآن الكريم والشعر، ومن تلك الأمثلة قال (١): «وكإيقاع «كثير» فى موضع «كثيرين» و«قليل» فى موضع «قليلين»، فكثير فى قوله تعالى: ﴿رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ وقليل فى قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فالمعنى: وقليلون من عبادى الشاكرون».
ويرى الأستاذ الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة (٢) أن جمع «كثير وقليل» مما انفرد به ابن الشجرى، وأنه لم يجد ذلك فى شيء من كتب النحو، ثم أفاد أن «كثير» قد لزمت الإفراد فى القرآن الكريم، أما «قليل» فقد جاءت مفردة ومجموعة فى القرآن الكريم، ومن مجيئها مجموعة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.
وأقول: استعمل ابن الشجرى هذا الجمع فى المجلس الرابع والسبعين، فقال فى شرح بيت المتنبى:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت فى عين من لا يجرب
قال: والأصدقاء كذلك كثير عددهم، إلا أنهم عند التحصيل والتحقيق قليلون. . . وكذلك من لم يجرب الأصدقاء ويختبرهم عند شدته يراهم كثيرين.
١٢ - ولعله من تمام الفائدة أن أشير إلى ما ذكره ابن الشجرى عن الجمع على غير اللفظ، وعن الجمع على غير قياس، وعن جمع الجمع، فى المجالس: الثالث والثلاثين، والخامس والثلاثين، والأربعين، والتاسع والأربعين.
١٣ - نسب النحاة المتأخرون: المرادى وابن هشام والأشمونى، إلى ابن الشجرى أنه أجاز الجزم بلو. والحق أن ابن الشجرى ضعّف الجزم بلو، حين قصره على الضرورة الشعرية (٣)، وكلامه صريح فى أن «لو» لا تجزم، قال فى بيت الشريف الرضى:
_________________
(١) المجلس الثامن والأربعون.
(٢) النحويين التجديد والتقليد ص ٨٩ - مقالة بمجلة كلية اللغة العربية بالرياض-العدد السادس ١٣٩٦ هـ-١٩٧٦ م.
(٣) المجلسان: الثامن والعشرون، والأربعون.
[ المقدمة / ٤٣ ]
إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن حيّا إذا ما كنت بالمزداد
جزم بلو، وليس حقها أن يجزم بها، لأنها مفارقة لحروف الشرط وإن اقتضت جوابا، كما تقتضيه «إن» الشرطية، وذلك أن حرف الشرط ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إن خرجت غدا خرجنا، ولا تفعل ذلك «لو» وإنما تقول:
لو خرجت أمس خرجنا.
هذا صريح كلام ابن الشجرى. وقد أحسن البغدادى (١) كلّ الإحسان حين قال: «وما نقلوه عن ابن الشجرى من أنه جوّز الجزم بلو فى الشعر، غير موجود فى «أماليه» وإنما أخبرنا بأنها جزمت فى بيت، وقد تكلم عليه فى مجلسين من أماليه».
١٤ - ذكر ابن الشجرى (٢) أن «إطل» واحد الآطال، وهى الخواصر، بكسر الطاء، وهو أحد ما جاء من الأسماء على «فعل» بكسر الفاء والعين، ثم أفاد أن الطاء قد تخفف، أى تسكن، وذهب ابن السيد البطليوسى (٣) إلى عكس هذا، فذكر أن «إطل» بالسكون، وأنه لم يسمع محركا إلا فى الشعر (٤).
وابن الشجرى فى إيراده لإطل، ضمن ما جاء من الأسماء على فعل، مسبوق بابن قتيبة وابن جنى، لكنهما لم يذكرا فيه سكون الطاء.
١٥ - أورد ابن الشجرى سؤالا (٥) حول «كلا وكلتا»: لم خالفت إضافتهما إلى المضمر إضافتهما إلى المظهر، وكان آخرهما فى الإضافة إلى الضمير ألفا فى الرفع، وياء فى الجر والنصب، وفى الإضافة إلى الظاهر ألفا فى الرفع والنصب والجر؟
_________________
(١) الخزانة ٤/ ٥٢٢.
(٢) المجلس الثامن والعشرون.
(٣) الاقتضاب ص ٢٧٣.
(٤) أدب الكاتب ص ٦١١، والمنصف ١/ ١٨.
(٥) المجلس الثامن والعشرون.
[ المقدمة / ٤٤ ]
وقد أجاب ابن الشجرى عن هذا السؤال بكلام جيد، وقال فى آخره:
فتأمل ما استنبطته لك فى هاتين اللفظتين حقّ التأمل، فهو من أعجب ما ألقته أفئدة العرب على ألسنتها.
هذا وقد أغار أبو البركات الأنبارى (١) على بعض كلام شيخه ابن الشجرى فى هذه المسألة، من غير تصريح باسمه.
١٦ - ذكر ابن الشجرى علّة النحويين فى حذف النون للإضافة، فى نحو:
مكرماك ومكرموك، وأن ذلك الحذف لزم النون حملا لها على التنوين، كأنهم لما ألزموا التنوين الحذف، فى قولهم: مكرمك وضاربه، فلم يقولوا: مكرمنك ولا ضاربنه، ألزموا النون الحذف، فلم يقولوا: مكرمانك ولا مكرمونك. قالوا: وإنما لزم حذف التنوين مع الضمير، لأنه مماثله، من حيث كان التنوين مما لا ينفصل، كما أن هذا الضمير وضع متصلا، فلا ينفصل، وكرهوا الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع بين حرفين لمعنى واحد، كالجمع بين إنّ ولام التوكيد.
وقد تعقّب ابن الشجرى تعليل النحويين هذا، فقال: إنّ فى العلة التى ذكرها النحويون نظرا، من حيث كان الشبه العارض بين التنوين والضمير غير مانع من الجمع بينهما، كما لم يمتنع الجمع بين هذا الضمير ونون التوكيد الخفيفة فى نحو:
لا يطغينك مالك ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ فى قراءة من خفف النون، وحكم هذه النون حكم التنوين فى أنه لا ينفصل. ثم قال: والجواب الذى خطر لى فى امتناع ثبوت التنوين والنون مع الضمير. . . وذكر كلاما طويلا، تراه فى المجلس الثلاثين.
١٧ - حكى ابن الشجرى الخلاف (٢) فى اسم المفعول من الثلاثى المعتل العين، نحو قال وباع، وذكر أن مذهب الخليل وسيبويه أن المحذوف واو مفعول، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن المحذوف هو العين، فوزنه على قولهما: مفعل، وعلى قوله: مفول.
_________________
(١) الإنصاف ص ٤٥٠.
(٢) المجلس الحادى والثلاثون، وقد عرض لهذه المسألة أيضا فى المجلسين: السابع عشر، والسادس والأربعين.
[ المقدمة / ٤٥ ]
وقد عرض ابن الشجرى حجج الفريقين، وانتصر لرأى الخليل وسيبويه، واحتج لهما فى كلام طويل جدا، وبعض احتجاجاته مسلوخ من كلام المبرد وابن جنى، وقد نبهت على ذلك فى حواشى التحقيق.
١٨ - ذهب ابن الشجرى إلى أن «كلاّ» لا تضاف إلى واحد معرفة.
قال (١): إلا أن يكون مما يصحّ تبعيضه، كقولك: رأيت كل البلد، ولا تقول:
لقيت كل الرجل الذى أكرمته، فإن قلت: لقيت كل رجل أكرمته، حسن ذلك، وصحّت إضافته إلى المفرد النكرة، كما تصح إضافته إلى الجمع المعرفة، نحو: لقيت كلّ الرجال الذين أكرمتهم.
وكأن ابن الشجرى قد أخذ هذا من ابن جنى، فإنه يرى أن «كلاّ» لا يضاف إلا إلى النكرة التى فى معنى الجنس. حكاه عنه السيوطى (٢).
١٩ - حكى ابن الشجرى (٣) قول ابن جنى عن استعمال المتنبى «لدن» بغير «من» فى قوله:
فأرحام شعر يتصلن لدنّه وأرحام مال ما تنى تتقطع
قال ابن جنى: واستعمل «لدن» بغير «من» وهو قليل فى الكلام، لا يكادون يستعملونها إلا ومعها «من» كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ و﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.
وقد تعقبه ابن الشجرى فقال: وقد جاء «لدن» بغير «من» فيما أنشده يعقوب، من قوله:
فإنّ الكثر أعيانى قديما ولم أقتر لدن أنى غلام
وقال كثيّر:
_________________
(١) المجلس الحادى والثلاثون.
(٢) الأشباه والنظائر ٣/ ١٣١، وانظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ٣/ ١٤٧.
(٣) المجلس الحادى والثلاثون.
[ المقدمة / ٤٦ ]
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكلّ مكان
وقد حكى ردّ ابن الشجرى هذا العكبرىّ فى شرحه (١) لديوان المتنبى، دون عزو إلى ابن الشجرى.
٢٠ - فرق ابن الشجرى (٢) بين «لدن ولدى» وبين «عند» وحكى رأى أبى هلال العسكرى وقوّاه، ثم حكى مذهب أبى العلاء المعرى وضعّفه.
٢١ - ذهب ابن الشجرى (٣) إلى أن «معا» فى قول الخنساء:
*وأفنى رجالى فبادوا معا*
منصوب على الحال، بمنزلة جميعا، وهو فى الأصل ظرف موضوع للصحبة، قال: وعند بعض النحويين أن «معا» فى قولك: جاءوا معا، ينتصب على الظرف، كانتصابه فى قولك: معهم، وإنما فكت إضافته وبقيت علّة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولا، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه معنى جميعا.
٢٢ - تكلم ابن الشجرى (٤) عن الفرق بين «أن» المخففة من الثقيلة، و«أن» المصدرية، وأن كل واحدة منهما مختصة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك فى نوع منه، ثم ردّ على المبرد إنكاره على سيبويه ما أجازه من إيقاع الناصبة للفعل بعد العلم، على الوجه الذى قرره سيبويه، وأنكر أيضا إيقاعه بعد الخوف والخشية المخففة من الثقيلة، ثم قال: «إن استبعاد أبى العباس لما أجازه سيبويه من إيقاع المخففة بعد الخوف، على المعنى الذى عناه سيبويه، استبعاد غير واقع موقعه، لأن الشعر القديم، قد ورد بما أنكره أبو العباس» وساق شواهده.
_________________
(١) فى نسبة هذا الشرح إلى العكبرى خلاف، والصحيح أنه ليس له، ويأتى الكلام عليه قريبا.
(٢) المجلس السابق. وانظر المعنى ص ١٦٩، والهمع ١/ ٢٠٠،٢٠٢، والأشباه والنظائر ٢/ ١٨٦، وشرح الأشمونى على الألفية ٢/ ٢٦٤.
(٣) المجلس الثانى والثلاثون.
(٤) المجلس الثالث والثلاثون، وأيضا المجلس التاسع والسبعون.
[ المقدمة / ٤٧ ]
ثم قال: وكذلك استبعاده لإجازة سيبويه: «ما أعلم إلا أن تقوم» استبعاد فى غير حقه، لأن سيبويه قد أوضح المعنى الذى أراده به فى قوله: «وتقول:
ما علمت إلا أن تقوم» إذا أردت أنك لم تعلم شيئا كائنا ألبتة، ولكنك تكلمت به على وجه الإشارة، كما تقول: أرى من الرأى أن تقوم، فأنت لا تخبر أن قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما يستقبل.
والذى قاله سيبويه غير مدفوع مثله، لأنهم كثيرا ما يستعملون فى معنى بلفظ معنى آخر. ثم ساق ابن الشجرى الشواهد على ذلك، وختم كلامه بقوله: وإذا تأملت ما ذكرته لك من استعمال معنى بلفظ معنى آخر، فى الكتاب العزيز وفى الشعر القديم، وفى الكلام الفصيح، وقفت من ذلك على أمر عجيب، فأول فهمك ما أذكره لك من هذا الفن، بعد ذكر أصول المعانى وفروعها.
٢٣ - ذهب ابن الشجرى إلى أن النداء ليس من باب الأمر (١).
هذا وقد ذكر ابن الشجرى فى المجلس الخامس والثلاثين وجوها كثيرة للنداء، ساق شواهدها، وقال فى آخر كلامه: فهذه وجوه شتى قد احتملها النداء، وإن كان فى أصل وضعه لتنبيه المدعوّ، والذى حملنى على تلخيصها ما ذكرته لك من إنكار كثير منهم أن يكون لفظ النداء محتملا لمعنى غيره، وقد أريتك أن أكثر معانى الكلام، ليس لفظ من ألفاظها إلا وهو محتمل لمعان مباينة للمعنى الذى وضع له ذلك اللفظ، فلا يكون فى احتماله لتلك المعانى ما يخرجه عن معناه الأصلى.
٢٤ - وصحّح أن التعجب (٢) داخل فى حيّز الخبر، قال: لأنك إذا قلت: ما أحسن زيدا، فكأنك قلت: زيد حسن جدّا، وتمثيله عند الخليل وسيبويه: شيء أحسن زيدا، وعند الأخفش: الذى أحسن زيدا شيء، وعند آخرين: شيء أحسن زيدا كائن.
وكان ابن الشجرى قد حكى أن بعضهم جعل التعجب معنى مفردا.
٢٥ - وذهب (٣) إلى أن العرض ليس استفهاما. قال: واختلفوا فى العرض
_________________
(١) المجلس الثالث والثلاثون.
(٢) المجلس نفسه.
(٣) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ٤٨ ]
فقال قوم: هو من الخبر، لأنه إذا عرض عليك النزول، فقال: ألا تنزل، فقد أخبر بأنه يحبّ نزولك عنده، وأدخله قوم فى الاستفهام، لأن لفظه كلفظه، ولو كان استفهاما لم يكن المخاطب به مكرما لمن خاطبه، ولا موجبا عليه بذلك شكرا.
وقال فى المجلس الخامس والثلاثين: وإذا قال: ألا تنزل عندنا، فلفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الطلب، فكأنه قال: انزل عندنا.
٢٦ - ومنع أن يدخل التمنى فى الخبر، قال (١): وقال بعضهم: التمنى داخل فى الخبر، وكذلك الترجى، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد أخبر أنه تمنى ذلك، ولو كان الأمر على ما قال، لما امتنع فيه التصديق والتكذيب.
هكذا قال ابن الشجرى فى المجلس الثالث والثلاثين، وزاده بيانا فى المجلس الخامس والثلاثين.
٢٧ - وذهب (٢) إلى أن الجزاء يدخل فى الخبر، وليس قسما منفردا، قال: وذهب بعضهم إلى أن الجزاء قسم منفرد، وليس الأمر كذلك، لأن قول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا﴾ يدخله التصديق.
وقال فى المجلس الخامس والثلاثين: إذا قال: من يأتنى آته، فقد أخبر.
٢٨ - فرق ابن الشجرى بين النفى والجحد، فقال (٣): وقد يكون النفى جحدا، فإذا كان النافى صادقا فيما قاله سمى كلامه نفيا، وإن كان يعلم أنه كاذب فيما نفاه سمى ذلك النفى جحدا، فالنفى إذن أعم من الجحد، لأن كل جحد نفى، وليس كل نفى جحدا، فمن النفى قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ ومن الجحد نفى فرعون وقومه لآيات موسى، فى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
_________________
(١) المجلس نفسه.
(٢) المجلس نفسه.
(٣) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ٤٩ ]
قال: ومن العلماء بالعربية من لا يفرق بين النفى والجحد، والأصل فيه ما ذكرت لك. وقد حكى الزركشى (١) هذه التفرقة بين النفى والجحد، عن ابن الشجرى.
٢٩ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن الاستفهام يجيء بمعنى الخبر بعد التسوية، فى قولك: ما أدرى أزيد فى الدار أم عمرو؟ ومنه قول زهير:
وما أدرى ولست إخال أدرى أقوم آل حصن أم نساء
وقد تعقّبه ابن هشام، فقال (٣): والذى غلّط ابن الشجرى حتى جعله من النوع الأول توهمه أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود ألبتة، لمنافاته لفعل الدراية، وجوابه أن معنى قولك: علمت أزيد قائم: علمت جواب أزيد قائم، وكذلك ما علمت.
٣٠ - عقد ابن الشجرى فصلا للأمر (٤)، وحدّه بأنه استدعاء الفعل بصيغة مخصوصة مع علو الرتبة، ثم ذكر الأوجه التى يستعمل فيها الأمر على غير الوجه الذى حدّه، نحو الندب والاستحباب والإباحة والوعيد والتأديب والإرشاد والخبر والتحدى والتنبيه على قدرة الخالق ﷿، وضرب لذلك الأمثال. ثم قال فى آخر هذا الفصل: واعلم أن من أصحاب المعانى من قال: إن صيغة الأمر مشتركة بين هذه المعانى. وهذا غير صحيح، لأن الذى يسبق إلى الفهم هو طلب الفعل، فدل على أن الطلب حقيقة فيها دون غيره، ولكنها حملت على غير الأمر الواجب بدليل، والأمر الواجب هو الذى يستحق بتركه الذم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فذمهم على ترك الركوع بقوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
هذا وإن ما ذكره ابن الشجرى حول النداء والخبر والاستفهام والتمنى والأمر، إنما يعالج فى فن المعانى من علوم البلاغة.
_________________
(١) البرهان ٢/ ٢٧٦.
(٢) المجلس الرابع والثلاثون.
(٣) المغنى ص ٤١.
(٤) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ٥٠ ]
٣١ - ذهب ابن الشجرى (١) إلى اعتبار «أن» فى قول عنترة:
إن العدوّ لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحّلى وتخضّبى
مصدرية، ووجّه تفسيره على هذا، فقال: وقوله: «أن يأخذوك» موضعه نصب، بتقدير حذف الخافض، أى فى أن يأخذوك، أى لهم قربة إليك فى أخذهم إياك، فذمها بإرادتها أن تؤخذ مسبية، فلذلك قال: تكحلى وتخضبى.
وقد حكى البغدادى (٢) تأويل ابن الشجرى هذا، ثم تعقبه قائلا: «وهذا تحريف منه، فإن «إن» شرطية، لا مفتوحة مصدرية، وقد جزمت الشرط والجزاء، وقد غفل عنهما».
واعتبار «إن» شرطية، أورده البغدادى عن الأعلم.
٣٢ - أجاز ابن الشجرى (٣) أن يجيء اسم «لا» العاملة عمل «ليس» معرفة، والنحويون على أن «لا» المشبهة بليس إنما ترفع النكرات خاصة، وأنشد ابن الشجرى شاهدا على ذلك قول النابغة الجعدى:
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ سواها ولا عن حبّها متراخيا
وقول المتنبى:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
وقد حكى هذا الرأى عن ابن الشجرى: المرادى وابن هشام والعينى والأشمونى.
وابن الشجرى مسبوق فى هذا بابن جنى، كما ذكر المرادى ومن بعده، وكما ذكر ابن الشجرى نفسه، قال: ووجدت أبا الفتح عثمان بن جنى غير منكر لذلك
_________________
(١) المجلس الثالث والثلاثون.
(٢) الخزانة ٣/ ١٢.
(٣) المجلس الخامس والثلاثون. وانظر الجنى الدانى ص ٢٩٣، والمغنى ص ٢٦٤، وشرح الشواهد ٢/ ١٤٤، وشرح الأشمونى ١/ ٢٥٣.
[ المقدمة / ٥١ ]
فى تفسيره لشعر المتنبى، ولكنه قال بعد إيراد البيت: «شبه «لا» بليس، فنصب بها الخبر».
وفى ظنى أن ابن الشجرى قد انفرد بإنشاد بيت النابغة المذكور، كما ذكر المرادى والأشمونى، وكما تدل عليه عبارة ابن الشجرى نفسه، فإنه قال بعد إنشاد بيت المتنبى، وحكاية قول ابن جنى: «ومرّ بى بيت للنابغة الجعدى، فيه مرفوع «لا» معرفة». وأنشد البيت.
٣٣ - حكى ابن الشجرى (١) عن بعض النحويين المتأخرين حدّ الاسم بأنه «كلمة تدل على معنى فى نفسها غير مقترنة بزمان محصل». وقد شرح ابن الشجرى هذا الحدّ، ثم تعقبه فقال: ومما اعترض به على هذا الحدّ قولهم: آتيك مضرب الشّول ومقدم الحاج وخفوق النجم، لدلالة هذه الأسماء على الزمان، مع دلالتها على الحدث الذى هو الضّراب والقدوم والخفقان، فقد دلت على معنيين.
ثم قال: «وأسلم حدود الاسم من الطعن قولنا: الاسم ما دل على مسمّى به دلالة الوضع» وقد شرح ابن الشجرى هذا الحدّ شرحا وافيا.
٣٤ - سئل ابن الشجرى (٢) فى جملة مسائل وردت إليه من الموصل، عن العلّة الموجبة لفتح التاء فى «أرأيتكم» وهو لجماعة.
فأجاب: أما فتح التاء فى أرأيتكم وأ رأيتكما وأ رأيتك يا هذه وأ رأيتكن: فقد علمت أنك إذا قلت: رأيت يا رجل، فتحت التاء، وإذا قلت: رأيت يا فلانة، كسرتها، وإذا خاطبت اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكورا أو إناثا، ضممتها، فقلت:
رأيتما ورأيتم ورأيتن، وقد ثبت واستقر أن التذكير أصل للتأنيث، وأن التوحيد أصل للتثنية والجمع، فلما خصوا الواحد المذكر المخاطب بفتح التاء، ثم جردوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف فى أرأيتك وأ رأيتك يا زينب، والكاف وما زيد عليها فى أرأيتكما وأريتكم وأريتكن ألزموا التاء الحركة الأصلية، وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلا للاثنين والجماعة، وكون المذكر أصلا للمؤنث، فاعرف هذا واحتفظ به.
_________________
(١) المجلس السابع والثلاثون.
(٢) المجلسان السادس والثلاثون والسابع والثلاثون.
[ المقدمة / ٥٢ ]
وقد بينت فى حواشى التحقيق أن أصل هذا التعليل عند الفراء (١).
٣٥ - أجاز ابن الشجرى (٢) حذف خبر «كان» ومثّل له بأن يقول لك قائل: من كان فى الدار؟ فتقول: كان أبوك، فتحذف الظرف، ويقول: من كان قائما؟ فتقول: كان حموك، فتحذف «قائما».
والمسألة خلافية، فقد أجاز بعضهم حذف خبر «كان»، ومنهم ابن جنى، وبعضهم منعه إلا فى ضرورة شعر، ومنهم أبو حيان (٣).
٣٦ - ذهب ابن الشجرى (٤) إلى أن المنادى قد حذف فى قراءة من قرأ:
﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ بتخفيف اللام من «ألا».
واعتبار المنادى هنا محذوفا ذهب إليه أبو العباس المبرد، وأنكره عليه ابن جنى، ورأى أن «يا» هنا أخلصت للتنبيه، مجردا من النداء، وقد تكلمت عليه فى حواشى التحقيق.
٣٧ - ضعّف ابن الشجرى (٥) الرفع فى نحو: أزيد ضربته، وزيد أكرمه، وعمرو لا تضربه، وعلل ذلك بأن الجملتين الأمرية والنهييّة يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقّه أن يكون محتملا للتصديق والتكذيب.
وقد حكى الشيخ خالد (٦) هذا الرأى عن ابن الشجرى، ثم قال: «قاله ابن الشجرى، ونوقش فيه»، وقال الشيخ يس فى حاشيته عليه: «وجه المناقشة أن الخبر المحتمل لما ذكر يقابل الإنشاء، أى الكلام الخبرى، لا خبر المبتدأ».
_________________
(١) معانى القرآن ١/ ٣٣٣، ذكره فى تفسير قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ التوبة ٤٠.
(٢) المجلس التاسع والثلاثون.
(٣) الخصائص ٢/ ٣٧٥، والبحر المحيط ٦/ ١٤٣، والأشباه والنظائر ١/ ٢٩٦، والهمع ١/ ١١٦، وحواشى المقتضب ٤/ ١١٨.
(٤) المجلس نفسه.
(٥) المجلس الأربعون.
(٦) التصريح على التوضيح ١/ ٢٩٨، ومعه حاشية الشيخ يس.
[ المقدمة / ٥٣ ]
٣٨ - علّل ابن الشجرى (١) عدم صرف «سبحان» بأنه لما صار علما للتسبيح، وانضم إلى العلمية الألف والنون الزائدتان، تنزل منزلة عثمان، فوجب ترك صرفه، وقد قطعوه عن الإضافة ونوّنوه، لأنهم نكّروه، وذلك فى الشعر، كقول أمية بن أبى الصلت، فيما أنشده سيبويه:
سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبّح الجودىّ والجمد
وقد عرّفوه بالألف واللام فى قول الشاعر:
*سبحانك اللهم ذا السبحان*
وقد حكى البغدادى (٢) هذا الكلام عن ابن الشجرى، وذكر أن ما ذهب إليه ابن الشجرى فى توجيه التنوين فى «سبحان» هو أحد رأيين فيه، والرأى الأول أنه نوّن ضرورة.
٣٩ - عقد ابن الشجرى فى المجلس الثانى والأربعين، فصلا لشرح ما حكاه سيبويه من قولهم:
«افعل ذا إمّالا» أورد فيه كلاما جيدا عن استعمال هذا التركيب وما فيه من حذوف، ثم قال فى آخره: «فتأمل هذا الفصل، فما علمت أن أحدا كشفه هذا الكشف».
وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن ابن الشجرى مسبوق ببعض هذا الذى قاله فى ذلك الفصل.
٤٠ - منع ابن الشجرى (٣) أن تكون الواو زائدة فى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ وتأوله على حذف الجواب، وهو «سعدوا»، وهو رأى المبرد وكثير من البصريين، وقال فى ذلك: «قيل فى الآية إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح».
_________________
(١) المجلس الثانى والأربعون.
(٢) الخزانة ٣/ ٢٤٨.
(٣) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ٥٤ ]
وقد وجدت لأبى جعفر الطبرى كلاما شبيها بهذا الذى ذكره ابن الشجرى، قال (١): «وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى فى الكلام».
وقد حكى البغدادى رأى ابن الشجرى هذا، وتعقبه فى كلام طويل، اشتمل على فوائد جمة (٢).
٤١ - قوّى ابن الشجرى (٣) قراءة ابن كثير: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال:
وقد جاء حذف النون وإبقاء اللام فى قراءة ابن كثير: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وحذف النون هاهنا حسن، لأن نون التوكيد تخلص الفعل للاستقبال، والله تعالى أراد الإقسام فى الحال، كقولك: والله لأخرج، تريد بذلك خروجا أنت فيه، ولو قلت: لأخرجن، أردت خروجا متوقعا.
وابن الشجرى فيما ذكره من أن حذف النون هاهنا حسن، قد خالف ابن جنى، الذى ذكر أن حذف النون هنا ضعيف خبيث (٤).
٤٢ - روى ابن الشجرى (٥) قول الشاعر:
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
بجرّ «ذاكر»، قال: عطف نكرة على نكرة مجرورة بإضافة «غير» إليها.
وقال البغدادى (٦): «روى بنصب «ذاكر» وجره، فالنصب للعطف على «غير»، وقال بعض فضلاء العجم فى شرح أبيات المفصل: نصب «ذاكرا» على أن «لا» بمعنى «غير» وقد تعذر فيها الإعراب، فأعرب ما بعدها، كما فى نحو:
جاءنى رجل لا عالم ولا عاقل اه والجر للعطف على «مستعتب» و«لا» لتأكيد النفى المستفاد من «غير» وعلى هذه الرواية اقتصر ابن الشجرى» ثم حكى تمام كلامه.
_________________
(١) تفسيره ١/ ٤٤٠، قاله ردا على من ذهب إلى أن «إذ» زائدة فى قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة ٣٠.
(٢) الخزانة ٣/ ١٧٠.
(٣) المجلسان الرابع والأربعون، والسابع والستون.
(٤) المحتسب ٢/ ٣٤١.
(٥) المجلس الخامس والأربعون.
(٦) الخزانة ٤/ ٥٥٧،٥٥٨.
[ المقدمة / ٥٥ ]
٤٣ - ذكر ابن الشجرى (١) أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين متّسع فى الشعر، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وذكر أيضا أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين قد جاء فيما روى عن أبى عمرو فى بعض طرقه: ﴿أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾.
وقد حكى البغدادى رأى ابن الشجرى هذا، وذكر أنه قد تبع سيبويه فى ذلك، وأفاد أيضا أن ابن هشام خالف فى ذلك، إذ جعل هذا الحذف قليلا (٢).
٤٤ - نصر ابن الشجرى (٣) مذهب ابن السكيت، فيما ذهب إليه من أن القيل-وهو الملك من ملوك حمير-أصله من ذوات الواو، وحكى المذهب الآخر الذى يرى أنه من اليائى، قال: وأقول: إن قول ابن السكيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله «فيعل» من القول، فلما خففوه، حمله من قال فى جمعه:
أقيال، على لفظه، وحمله من قال: أقوال، على أصله، كما قالوا من الشوب:
مشوب ومشيب، فمن قال: مشيب، حمله على لفظ شيب، ومثله المجفو والمجفى، وهو من جفوت.
٤٥ - حكى ابن الشجرى (٤) عن ابن جنى اللغات الثمانية فى «أف»، ثم تعقبه فى قوله: «ولا يقال: أفّى، بالياء، كما تقول العامة».
قال ابن الشجرى: إن الذى تقوله العامة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل.
٤٦ - إذا اجتمع نون الوقاية ونون «إن» وأخواتها، جاز التخفيف بحذف إحدى النونات، وقد ذهب ابن الشجرى (٥) إلى أن المحذوف النون الوسطى، قال: لأنها هى التى حذفها قبل أن يتصلن بالنون الثالثة، وجاء القرآن بإقرارها فى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ وبحذفها فى قوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.
_________________
(١) المجلس نفسه.
(٢) الخزانة ٤/ ٥٥٥، وراجع المغنى ص ٧١٦.
(٣) المجلس نفسه.
(٤) المجلس نفسه.
(٥) المجلس السادس والأربعون.
[ المقدمة / ٥٦ ]
قال السيوطى (١): «إذا اجتمع نون الوقاية ونون إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ، جاز حذف أحدهما، وفى المحذوفة قولان: أحدهما نون الوقاية، وعليه الجمهور، وقيل:
نون إن، لأن نون الوقاية دخلت للفرق بين إننى وإنى، وما دخل للفرق لا يحذف، ثم اختلف، هل المحذوف الأولى المدغمة، لأنها ساكنة، والساكن يسرع إلى الحذف، أو الثانية المدغم فيها، لأنها طرف، على قولين، صحح أبو البقاء فى «اللباب» أولهما».
٤٧ - حكى ابن الشجرى (٢) قول قطرب وغيره من علماء العربية، فى اللغات الواردة فى لفظ الجلالة، قال فى حكايته: إن هذا الاسم لكثرة دوره فى الكلام، كثرت فيه اللغات، فمن العرب من يقول: والله لا أفعل، ومنهم من يقول: لاه لا أفعل، ومنهم من يقول: والله، بحذف ألفه وإسكان هائه، وترك تفخيم لامه، وأنشدوا:
أقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغلّة
وقد عقّب ابن الشجرى على هذه اللغة الأخيرة، فقال: إن حذف ألفه إنما استعمله قائل هذا الرجز للضرورة، وأسكن آخره للوقف عليه، ورقّق لامه لانكسار ما قبلها، ولو لم يأت فى قافية البيت الثانى: «المغلة» لأمكن أن يقول: جاء من أمر اللاه، فيثبت ألفه ويقف على الهاء بالسكون.
وقد حكى البغدادى كلام ابن الشجرى هذا (٣).
٤٨ - منع ابن الشجرى (٤) رفع «الفضل» على المجاورة، فى قول المتنخل:
السالك الثغرة اليقظان كالئها مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل
_________________
(١) الأشباه والنظائر ١/ ٣٤، وقد عرض أبو حيان لهذه المسألة فى البحر المحيط ١/ ٤٥١،٥/ ٢٣٨، وانظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ١/ ٤٢٣.
(٢) المجلس السابع والأربعون.
(٣) الخزانة ٤/ ٣٤٣.
(٤) المجلس التاسع والأربعون.
[ المقدمة / ٥٧ ]
وشنّع على قائله. قال: «وزعم بعض من لا معرفة له بحقائق الإعراب، بل لا معرفة له بجملة الإعراب أن ارتفاع «الفضل» على المجاورة للمرفوع، فارتكب خطأ فاحشا، وإنما «الفضل» نعت للهلوك على المعنى، لأنها فاعلة من حيث أسند المصدر الذى هو «المشى» إليها، كقولك: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرا، رفعت «الطويل» لأنه وصف لفاعل الضرب، وإن كان مخفوضا فى اللفظ».
وقد أثبتّ فى حواشى التحقيق أن أول من قال برفع «الفضل» على المجاورة، وذهب إليه ابن قتيبة، ثم نقلت قول البغدادى فى الخزانة إن الرفع على المجاورة لم يثبت عند المحققين، وإنما ذهب إليه بعض ضعفة النحويين، ثم حكى كلام ابن الشجرى.
ويبدو أن ابن الشجرى كان لا يميل إلى توجيه الإعراب على المجاورة، فقد نقل عن أبى على الفارسى أن قول امرئ القيس:
كأن ثبيرا فى عرانين وبله كبير أناس فى بجاد مزمّل
على تقدير: «مزمّل فيه».
قال ابن الشجرى (١): «ولولا تقدير «فيه» هاهنا، وجب رفع «مزمل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل الجر على المجاورة».
٤٩ - حكى ابن الشجرى (٢) الخلاف بين الصرفيّين فى المحذوف من «دم ويد» هل هو الياء أو الواو، ورجح أن يكون المحذوف منهما الياء. فى كلام طويل، حكاه عنه البغدادى (٣).
٥٠ - تكلم ابن الشجرى (٤) على حذف ألف «تبالى» فى قولهم:
_________________
(١) المجلس الثالث عشر.
(٢) المجلس التاسع والأربعون.
(٣) الخزانة ٣/ ٣٥٠.
(٤) المجلس الرابع والخمسون.
[ المقدمة / ٥٨ ]
«لا تبل» وتكلم أيضا على قولهم: «لم أبله» بإلحاق هاء السكت، ثم أورد اعتراضا على دخول هاء السكت فى هذا الموضع، وأجاب عليه، قال: وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى «لم أبله» على اللام وهى ساكنة، وهاء السكت لا تدخل إلا على متحرك، لتبين حركته، كقولهم فى عمّ ولم: عمه ولمه؟ وفى كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى الندبة.
والجواب عن هذا الاعتراض أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليا، كما ترى، والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف الياء حذف بغير استحقاق، لأن علم الجزم فى «أبالى» إنما هو حذف يائه، ولما حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم الثانى غير مستحق، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة المحذوفة مقدرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرك، وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن «هلم» مركب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى الدرج، والميم الأولى ألقيت ضمتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى «ها لم» فلم يعتدوا بضمة اللام، لأنها منقولة إليها من الميم، فنزلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمتها أصلية، فكأنه التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه الذى هو «ها» لما كانت اللام ساكنة تقديرا، فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة مقدرة أسقطت بغير حق، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا، وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته».
ولعل هذا الذى سقته من كلام ابن الشجرى خير مثال على منهجه فى القياس والاستدلال.
٥١ - حكى ابن الشجرى اختلاف العلماء فى معنى «إن» من قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ ثم اختار أن تكون نافية بمعنى «ما».
[ المقدمة / ٥٩ ]
قال: اختلف فى «إن» هذه، فزعم قطرب أنها بمعنى «قد»، وزعم الأخفش أنها زائدة، وقوله أمثل من قول قطرب، وقال غيرهما: إنها نافية، مثلها فى قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾، وهذا القول أسدّ ما قيل فيها، لأن «ما» بمعنى «الذى» والمعنى: ولقد مكناهم فى الذى ما مكناكم فيه، فهذا مطابق لقوله ﷿: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (١).
وقد حكى رأى ابن الشجرى هذا الزركشىّ، وذكر أنه رأى الزمخشرى أيضا (٢).
وأقول: إن ابن الشجرىّ والزمخشرىّ مسبوقان فيما ذهبا إليه بالمبرد، فهذا هو رأيه وتقديره فى الآية الكريمة، حكاه عنه القرطبى (٣). وقبل الثلاثة: الفراء، فقد ذهب إلى أن «إن» بمنزلة «ما» فى الجحد، لكنه جعل تقدير الآية الكريمة: فى الذى لم نمكنكم فيه (٤).
ولابن الشجرى فضل التنظير والمطابقة بقوله تعالى: ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ وقد ذكر هذا التنظير ابن هشام (٥)، مؤيدا به كون «إن» بمعنى «ما» ولم يعزه إلى ابن الشجرى.
وممن ذهب إلى أن «إن» بمعنى «ما» الهروى، ومكى بن أبى طالب (٦).
٥٢ - حكى ابن الشجرى (٧) الخلاف فى تقدير جواب الأمر، من قوله
_________________
(١) المجلس الثالث والستون وأيضا المجلس التاسع والسبعون.
(٢) البرهان ٤/ ٢١٨، وراجع الكشاف ٣/ ٥٢٥.
(٣) تفسيره ١٦/ ٢٠٨.
(٤) معانى القرآن ٣/ ٥٦.
(٥) المغنى ص ١٩.
(٦) الأزهية ص ٤٣، ومشكل إعراب القرآن الكريم ٢/ ٣٠٢.
(٧) المجلس السابق.
[ المقدمة / ٦٠ ]
تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾.
قال: «اختلف فى جزم «يقولوا ويغضوا ويغفروا» فذهب الأخفش إلى أنهن أجوبة «قل» وذهب غيره إلى أنهن أجوبة أمر آخر مضمر، تقديره: قل لعبادى قولوا التى هى أحسن يقولوا، وقل للمؤمنين غضوا من أبصاركم يغضوا، وقل للذين آمنوا اغفروا للذين لا يرجون أيام الله يغفروا، وهذا أوجه القولين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ والذى يوضّح إضمار أمر آخر أن «قل» لا بدّ له من جملة تحكى به، فالجملة المحكيّة به هى التى ذكرناها، لأن أمر الله لنبيّه بالقول ليس فيه بيان لهم بأن يقيموا الصلاة حتى يقول لهم النبىّ: أقيموا الصلاة، فلا يجوز أن تكون هذه المجزومات أجوبة لقل» انتهى كلام ابن الشجرى.
ولى عليه قولان:
الأول: أن قوله: «وذهب غيره» المراد به المبرد، فهذا رأيه (١)، وذهب إليه ابن الأنبارى أيضا، على ما حكاه ابن الجوزى (٢). وأفسد هذا الرأى العكبرىّ، وأبو حيان بكلام العكبرىّ (٣).
الثانى: أن استدلال ابن الشجرى بقوله: «لأن أمر الله لنبيه بالقول. . .» إلى آخر ما قال، هو من كلام مكى بن أبى طالب (٤)، وأفسده أيضا العكبرىّ.
٥٣ - اختار ابن الشجرى (٥) أن تقع «إذ» زائدة بعد «بينا وبينما» خاصة، فى نحو: بينما زيد إذ جاء عمرو، قال: وصواب هذا الكلام عندى الحكم بزيادة «إذ» لأنك لو جعلتها غير زائدة، أعملت فيها الخبر مذكورا أو مقدرا، وهى
_________________
(١) فى المقتضب ٢/ ٨٤.
(٢) زاد المسير ٤/ ٣٦٣.
(٣) التبيان ص ٧٧٠، والبحر ٥/ ٤٢٦.
(٤) مشكل إعراب القرآن الكريم ١/ ٤٥١.
(٥) المجلس الخامس والستون.
[ المقدمة / ٦١ ]
مضافة إلى الجملة الفعلية التى هى «جاء» وفاعله، وهذا الفعل هو الناصب لبينما، فإذا قدرت «إذ» مضافة إليه وهى على بابها غير زائدة، بطل إعماله فى «بينما» لأن المضاف إليه كما لا يصح إعماله فى المضاف، كذلك لا يصح أن يعمل فيما قبل المضاف، ألا ترى أنهم لم يجيزوا فى قولهم: أنت مثل ضارب زيدا، تقديم «زيد»، فيقولوا: أنت زيدا مثل ضارب.
وقد حكى اختيار ابن الشجرى هذا: ابن هشام والسيوطى (١).
٥٤ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن خبر المبتدأ بعد «لولا» قد ظهر فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وكذلك قوله:
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾.
وقد تعقبه ابن هشام فى موضعين من المغنى (٣)، فقال فى الموضع الأول:
وزعم ابن الشجرى أن من ذكره-أى من ذكر الخبر بعد لولا- ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ وهذا غير متعيّن، لجواز تعلّق الظرف بالفضل. وقال فى الموضع الثانى: وأما قول ابن الشجرى فى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ إن (عليكم) خبر، فمردود، بل هو متعلق بالمبتدإ، والخبر محذوف.
وقد حكى هذا الرأى عن ابن الشجرى: المرادىّ، والشيخ خالد، والسيوطىّ والأشمونى (٤)، وأفادوا أن هذا الرأى يعزى أيضا إلى الرّمانى والشلوبين وابن مالك.
وقال ابن مالك (٥): وهذا الذى ذهبت إليه هو مذهب الرمانى والشجرى والشلوبين.
٥٥ - ضعّف ابن الشجرى (٦) مجىء «لولا» بمعنى «لم».
_________________
(١) المغنى ص ٨٨، والهمع ١/ ٢٠٤،٢٠٦.
(٢) المجلس السادس والستون.
(٣) المغنى ص ٣٠٢،٤٨٢.
(٤) الجنى الدانى ص ٦٠٠، والتصريح ١/ ١٧٩، والهمع ١/ ١٠٤، وشرح الأشمونى على الألفية ٢١٦.
(٥) التسهيل، حواشى ص ٤٥.
(٦) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ٦٢ ]
قال: وزعم قوم من الكوفيين أن «لولا» قد استعملت بمعنى «لم» واحتج بقوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾، قال: معناه: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، وكذلك ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ وهذا التقدير موافق للمعنى ومباين لأصح الإعرابين، لأن المستثنى بعد النفى يقوى فيه البدل، ويجوز النصب، ولم يأت فى الآيتين إلا النصب.
وقد حكى الزركشى (١) كلام ابن الشجرى ووضحه فقال: «أى فدل على أن الكلام موجب». ثم قال: «وجوابه ما ذكرنا من أن فيه معنى النفى».
وممن ذهب إلى أن «لولا» فى الآيتين بمعنى «لم» ابن فارس والهروى (٢).
وهذا الذى استشكله ابن الشجرى قد ردّه أبو جعفر الطبرى (٣) بقوله:
«فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ بمعنى: فما كانت قرية آمنت، بمعنى الجحود، فكيف نصب (قوم) وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدا، كان ما بعده مرفوعا، وأن الصحيح من كلام العرب: ما قام أحد إلا أخوك، وما خرج أحد إلا أبوك.
قيل: إن ذلك فيما يكون كذلك، إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله، وذلك أن الأخ من جنس أحد، وكذلك الأب، ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله، كان الفصيح من كلامهم النصب، وذلك لو قلت: ما بقى فى الدار أحد إلا الوتد. . . لأن الوتد من غير جنس أحد. . . فكذلك نصب (قوم يونس) لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم، ومن غير جنسهم وشكلهم، وإن كانوا من بنى آدم، وهذا الاستثناء الذى يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع، ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم، كان الكلام رفعا، ولكنهم كما وصفت.
_________________
(١) البرهان ٤/ ٣٧٩.
(٢) الصاحبى ص ٢٥٤، والأزهية ص ١٧٨.
(٣) تفسيره ١٥/ ٢٠٦.
[ المقدمة / ٦٣ ]
انتهى كلام أبى جعفر الطبرى، وهو منتزع من كلام الفراء (١).
٥٦ - ذكر ابن الشجرى (٢) من أوجه «لا» أن تجيء مؤكدة للنفى فى غير موضعها الذى تستحقه، كقوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾، قال: لأنك تقول: ما يستوى زيد وعمرو، ولا تقول: ما يستوى زيد، فتقتصر على واحد، ومثله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾.
وقد حكاه عن ابن الشجرى الزركشى (٣)، ثم قال: وقال غيره: «لا» هاهنا صلة-أى زائدة-لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين.
٥٧ - ذكر ابن الشجرى (٤) من وجوه «ما» أن تكون اسما بمعنى الحين، كقوله تعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ و﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ و﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، قال: «أى فى كلّ حين خبت، وفى كل حين نضجت جلودهم، وفى كل حين أضاء لهم، ومنه قول الشاعر:
منا الذى هو ما إن طرّ شاربه والعانسون ومنّا المرد والشّيب
قال ابن السكيت: يريد حين أن طر شاربه».
وقد ذكر ابن هشام (٥) «ما» هذه، وسماها الزمانية، وذهب إلى أنها تدل على الزمان بالنيابة عن الظرف المحذوف، لا بذاتها. قال: «والزمانية نحو ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أصله: مدة دوامى حيا، فحذف الظرف، وخلفته «ما» وصلتها».
ثم تعقّب ابن السكيت وابن الشجرى، فقال: ولو كان معنى كونها زمانية
_________________
(١) فى معانى القرآن ١/ ٤٧٩.
(٢) المجلس السابع والستون.
(٣) البرهان ٤/ ٣٥٧.
(٤) المجلس الثامن والستون.
(٥) المغنى ص ٣٣٦.
[ المقدمة / ٦٤ ]
أنها تدل على الزمان بذاتها لا بالنيابة، لكانت اسما، ولم تكن مصدرية، كما قال ابن السكيت وتبعه ابن الشجرى، فى قوله:
منا الذى. . . البيت.
قال: «وبعد، فالأولى فى البيت تقدير «ما» نافية، لأن زيادة «إن» حينئذ قياسية، ولأن فيه سلامة من الإخبار بالزمان عن الجثة، ومن إثبات معنى واستعمال «لما» لم يثبتا له، وهما كونها للزمان مجردة، وكونها مضافة، وكأن الذى صرفهما عن هذا الوجه مع ظهوره، أن ذكر «المرد» بعد ذلك لا يحسن، إذ الذى لم ينبت شاربه أمرد، والبيت عندى فاسد التقسيم بغير هذا، ألا ترى أن العانسين، وهم الذين لم يتزوجوا، لا يناسبون بقية الأقسام، وإنما العرب محميون من الخطأ فى الألفاظ دون المعانى».
وهنا أمران، الأول: أن ابن السكيت أنشد هذا البيت فى إصلاح المنطق، ص ٣٤١، شاهدا على شرح العانس، ولم يذكر ما حكاه عنه ابن الشجرى من قوله: «يريد حين أن طر شاربه» ولعل ابن السكيت ذكره فى كتاب آخر غير «الإصلاح»، ولم أجده أيضا فى كتابيه: الألفاظ، والقلب والإبدال.
والثانى: أن ما ذكره ابن الشجرى من مجىء «ما» اسما بمعنى الحين، والشواهد التى ساقها، وحكاية قول ابن السكيت، إنما سلخه من كلام الهروى بنصّه وفصّه، فى كتابه الأزهية (١)، وقد خفى هذا على ابن هشام كما ترى.
٥٨ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن اللام فى بيت متمّم بن نويرة:
فلما تفرقنا كأنى ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
بمعنى «بعد»، وحكاه عنه المرادى (٣)، وبعضهم يرى أنها فى البيت بمعنى «مع» أى مع طول اجتماع (٤).
_________________
(١) الأزهية ص ٩٥،٩٧.
(٢) المجلس السبعون.
(٣) الجنى الدانى ص ١٠١.
(٤) الأزهية ص ٢٩٩، ورصف المبانى ص ٢٢٣، والمغنى ص ٢٣٤، وسياقه يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى.
[ المقدمة / ٦٥ ]
٥٩ - الأصل فى «رب» أن تدخل على الفعل الماضى، أما دخولها على المضارع فى قوله تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾، فقد تأوله النحويون على أقوال، حكاها ابن الشجرى، مضعّفا لبعضها، ومقوّيا لبعضها الآخر. قال (١): «فمن أقوالهم أنه حكاية حال قد مضت، ومنها إضمار «كان» بعد «ربما»، وهو أردأ ما قيل فيه، وأجودها أن «ربما» فى الآية دخلت على الفعل المستقبل، لصدق المخبر سبحانه وعلمه بما سيكون، كعلمه بما كان، فإخباره بما لم يكن كإخباره بالكائن، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ جاء فى اللفظ كأنه قد كان، وهو لصدقه كائن لا محالة».
وهذا القول الذى ارتضاه ابن الشجرى راجع إلى كلام الفراء (٢)، وقد حكاه ابن الشجرى فى المجلس الثامن والستين، عن علىّ بن عيسى الرّمانى، لكن لابن الشجرى فضل بسط العبارة وبيانها.
ولم يصرح ابن الشجرى بمن قال بإضمار «كان» بعد «ربما». وقد أفاد أبو البركات الأنبارى (٣) أنه أبو إسحاق، وهو الزجاج.
٦٠ - ذكر ابن الشجرى (٤) من معانى «أو» أن تكون بمعنى «إن» الشرطية مع الواو، كقولك: لأضربنك عشت أو مت، معناه: إن عشت بعد الضرب وإن مت، ومثله: لآتينك إن أعطيتنى أو حرمتنى، معناه: وإن حرمتنى.
وحكاه عن ابن الشجرى ابن هشام والسيوطى (٥)، وتعقبه ابن هشام، فقال: «وينبغى لمن قال: إنها تأتى للشرطية، أن يقول: وللعطف، لأنه قدّر مكانها: وإن، والحق أن الفعل الذى قبلها دالّ على معنى حرف الشرط، كما قدره
_________________
(١) المجلس الثالث والسبعون.
(٢) معانى القرآن ٢/ ٨٢.
(٣) البيان ٢/ ٦٣.
(٤) المجلس الخامس والسبعون.
(٥) المغنى ص ٧٠،٧١، والهمع ٢/ ١٣٤.
[ المقدمة / ٦٦ ]
هذا القائل، وأن «أو» على بابها، ولكنها لما عطفت على ما فيه معنى الشرط، دخل المعطوف فى معنى الشرط». انتهى كلام ابن هشام، وقد غاب عنه أن ابن الشجرى إنما ذكر هذا القسم من معانى «أو» عن الهروى (١)، ولم يصرح ابن الشجرى بأخذه عنه، كما هو شأنه فى مواطن كثيرة، سلخ فيها كلام الهروى، وساقه كأنه من عند نفسه.
٦١ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن الفاء زائدة فى قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: «لأنك إن لم تحكم بزيادتها أدّى ذلك إلى دخول الواو العاطفة عليها، وهى عاطفة» وابن الشجرى مسبوق فى ذلك بأبى الحسن الأخفش وابن جنى (٣).
٦٢ - ذكر ابن الشجرى (٤) من معانى «إما» التخيير، قال: «كقولك لمن تخيّره فى مالك: خذ إما ثوبا وإما دينارا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وقوله: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله:
﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾، وقوله: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ هذا كلّه تخيير، إنما هو هذا أو هذا».
وقد تعقبه ابن هشام، فقال (٥): «ووهم ابن الشجرى، فجعل من ذلك:
﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، وكان ابن هشام قد جعل «إما» فى الآية الكريمة لمعنى الإبهام.
وعلّق الدمامينى على كلام ابن هشام، فقال (٦): «ولم يبيّن المصنف وجه الوهم، وكأنه ما تقرّر من أنه لا بدّ من أن يكون حرف التخيير مسبوقا بطلب، وليس
_________________
(١) فى كتابه الأزهية ص ١٢٧.
(٢) المجلس السادس والسبعون.
(٣) راجع شرح المفصل لابن يعيش ٨/ ٩٥، وتفسير القرطبى، وكتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم ٢/ ٢٤٤.
(٤) المجلس الثامن والسبعون.
(٥) المغنى ص ٦٢.
(٦) شرحه على المغنى ١/ ١٣١.
[ المقدمة / ٦٧ ]
هنا طلب، ولابن الشجرى أن يمنع اشتراط ذلك، ويقول: المعنى بكونها للتخيير دخولها بين شيئين أو أشياء يكون للمتكلّم أو للسامع الخيرة فى فعل ما شاء من الأمرين المذكورين».
انتهى كلام الدمامينى، وأصرح منه فى الدفاع عن ابن الشجرى ما ذكره الأمير (١)، قال: «قال الشّمنّىّ: ووجه الوهم أن التخيير إنما يكون بعد الطلب، ولا يقع بعد «إما» فيه إلا مفرد، صريحا أو تأويلا، وكلاهما منفىّ فى الآية، قال:
وخفى هذا على بعضهم حتى قال: وجه الوهم أن التخيير يستلزم مخيرا، وهو ممتنع على الله، وأجاب بأنه يجوز أن يكون تخييره تعالى من ذاته. نعم لابن الشجرى أن لا يلتزم شيئا مما سبق، كما أشار له الشارح، ويقول: المدار على استواء الأمرين، وتحقق الخيرة بينهما، وأيضا ظاهر أنه لا يجتمع التعذيب والتوبة».
وأقول: هذا كلام ابن هشام، وكلام شرّاحه، وقد خفى عليهم جميعا أن ابن الشجرى إنما انتزع كلامه وشواهده فى هذا الباب من كلام الهروىّ، فى كتابه الأزهية (٢).
٦٣ - منع ابن الشجرى (٣) مجىء «أن» بمعنى «إذ» قال: «زعم بعض النحويين أنّ «أن» قد استعملت بمعنى «إذ» فى نحو: هجرنى زيد أن ضربت عمرا، قال: معناه: إذ ضربت، واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ قال: أراد: إذ جاءهم، وبقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ وبقوله: ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وبقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾، وبقوله:
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾، وبقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ فى قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر:
_________________
(١) حاشيته على المغنى ١/ ٥٨.
(٢) الأزهية ص ١٤٩.
(٣) المجلس التاسع والسبعون.
[ المقدمة / ٦٨ ]
سألتانى الطلاق أن رأتانى قلّ مالى قد جئتمانى بنكر
وبقول جميل:
أحبّك أن سكنت جبال حسمى وأن ناسبت بثنة من قريب
وبقول الفرزدق:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
وهذا قول خال من علم العربية، والصواب أن «أن» فى الآى المذكورة والأبيات الثلاثة على بابها، فهى مع الفعل الذى وصلت به فى تأويل مصدر، مفعول من أجله، فقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ معناه: لأن جاءهم، أو من أجل أن جاءهم، وكذا التقدير فى جميع ما استشهد به.
ثم أقول: «إن تقدير «إذ» فى بعض هذه الآى التى استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لا يصح إلا بتقدير من أجل أن يكبروا، ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدرها فى هذه الآية بالظرف الذى هو «إذ» ونصب بها الفعل، فحذف نون يكبرون كان فسادا ثانيا».
وقد ذكر المرادى وابن هشام هذا الوجه من معانى «أن» وصوّبا ما انتهى إليه ابن الشجرى (١).
٦٤ - علّل ابن الشجرى (٢) لضعف الابتداء بالنكرة. قال: «وإنما ضعف الابتداء بالنكرة، لأن النفس تتنبّه بالمعرفة على طلب الفائدة، وإذا كان المخبر عنه مجهولا، كان المخبر حقيقا باطراح الإصغاء إلى خبر من لا يعرفه، وحدّ الكلام إذا كان المبتدأ منكورا، وتضمن خبره اسما معروفا، أن يقدم الخبر، كقولك: لزيد مال، لأن الغرض فى كل خبر أن يتطرق إليه بالمعرفة، فيصدّر الكلام بها، وهذا موجود هاهنا، لأنك وضعت زيدا مجرورا، لتخبر عنه بأن له مالا قد استقر له، فقولك: لزيد مال، فى تقدير: زيد ذو مال، فالمبتدأ الذى هو «مال» هو الخبر فى
_________________
(١) الجنى الدانى ص ٢٢٥، والمغنى ص ٣٥.
(٢) المجلس الحادى والثمانون.
[ المقدمة / ٦٩ ]
الحقيقة، وقولك: «لزيد» هو المبتدأ فى المعنى. وقوله (١): «منى كنّ لى» مفيد، لأن فى ضمن الخبر ضمير المتكلم، وهو أعرف المعارف، ولو قال: منى كن لرجل، لم يحصل بذلك فائدة، لخلوه من اسم معروف. فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير».
وبعد: فهذه أبرز آراء ابن الشجرى النحوية، كما ظهرت لى من استقراء كتابه «الأمالى»، ومن خلال نقول النحاة المتأخرين عنه، وأكرر ما قلته من قبل أن كتاب «الأمالى» زاخر بالآراء الغريبة العجيبة، وهى آراء تكاد تستغرق أبواب النحو والصرف كلها، على أنى لم أستبح لنفسى أن أنسب إلى ابن الشجرى منها، إلا ما صرّح هو به من نسبته إلى نفسه، أو صرح به النحاة المتأخرون.
وقد وقفت عند ابن الشجرى على ظاهرتين غلبتا على كتابه «الأمالى» ولم يكد يخلو منهما مجلس من مجالسه، وهما ظاهرة الإعراب، وظاهرة الحذوف، وقد رأيت أن أفرد كل ظاهرة منهما بكلمة، إذ كان جمهور مسائل النحو راجعا إليهما ومبنيّا عليهما، ثم لأن هاتين الظاهرتين قد ثار حولهما لغط كثير، وتناولهما بعض الدارسين بكثير من السهولة واليسر، دون مراجعة الأصول واستقراء الأسباب، والنفاذ إلى أسرار العربية فى علومها المختلفة.