(٣١١ هـ)
حكى عنه ابن الشجرى كثيرا من آرائه (٢)، وبخاصة فى إعراب القرآن الكريم، وكتاب الزجاج فيه من الأصول التى اعتمد عليها المعربون واللغويون والمفسّرون. ثمّ رأيت ابن الشجرى يورد كلامه من غير تصريح بنسبته إليه، جاء ذلك فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٣).
وقد رجح ابن الشجرى رأى الزّجّاج على رأى أبى على الفارسىّ، فى إعراب ﴿هَنِيئًا﴾ من قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، فأبو على يرى أن ﴿هَنِيئًا﴾ حال وقعت موقع الفعل، بدلا من اللفظ به، كما وقع المصدر فى قولهم: سقيا له ورعيا، بدلا من اللفظ بسقاه الله ورعاه الله، والزجاج يذهب إلى أن ﴿هَنِيئًا﴾ وقع وهو صفة فى موضع المصدر.
_________________
(١) المجلس الثامن والسبعون.
(٢) راجع المجالس: الثامن والتاسع، والثانى والعشرين، والتاسع والستين.
(٣) المجلس الرابع والثلاثون، ويقارن ما أورده ابن الشجرى بما فى معانى القرآن للزجاج ١/ ٢٦٩. وانظر أيضا المجلس الحادى والستين.
[ المقدمة / ١٢٩ ]
قال ابن الشجرى (١): «وقول الزّجّاج أقيس من قول أبى على، لأنه نصب ﴿هَنِيئًا﴾ نصب المصدر، والمصدر قد استعملته العرب بدلا من الفعل، فى نحو:
سقيا له ورعيا، وجاء ﴿هَنِيئًا﴾ على قول الزجاج مفردا بعد لفظ الجمع فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ لأنه وقع موقع المصدر، والمصدر يقع مفردا فى موضع التثنية وفى موضع الجمع، كقولك: ضربتهما ضربا، وقتلتهم قتلا، لأنه اسم جنس، بمنزلة العسل والبرّ والزيت، فلا يصح تثنيته وجمعه، إلا أن يتنوع».
وقد تعقب ابن الشجرى الزجاج، وأفسد ما ذهب إليه فى تأويل قوله تعالى:
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، وذلك أن ابن الشجرى حكى أقوال العلماء فى توجيه الآية الكريمة، ثم قال (٢): «قال الزجاج: ومثل (يدعو) قول عنترة:
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر فى لبان الأدهم
أى يقولون: يا عنتر، وهذا القول فى تقدير الزجاج فاسد المعنى، وإنما كان يصح لو كانت اللام لام الجر، فقيل: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاى، وفى التقدير الآخر يصح لو كان تقدير يدعو: يزعم، وهذا غير معروف، وذلك أن الزعم يتعدى إلى مفعولين، ويجوز تعليقه عنهما باللام المفتوحة، كقولك: زعمت لزيد منطلق، والمعنى فى تقدير الزجاج بعيد من الصواب، لأن المعنى فى تقديره:
يقول عابد الوثن: من ضرّه أقرب من نفعه هو مولاى، لا فرق فى المعنى بين إدخال اللام وإسقاطها، وكيف يقر عابد الوثن أن ضر الوثن أقرب إليه من نفعه، وهو يعبده ويزعم أنه مولاه؟ ولم يكن عبّاد الأوثان يزعمون أن عبادتها تضرهم، بل كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ أى يقولون ما نعبدهم.