كادت كتب النحو الأولى تخلص لإرساء القواعد ووضع الأصول، وما جاء فيها من كلام فى الإعراب إنما جاء لترسيخ هذه القواعد، وإيضاح تلك الأصول، ولم تعرف ظاهرة التوسع فى الإعراب إلا من خلال كتب إعراب القرآن الكريم، وكتب القراءات، ولئن ضاعت بعض الأصول الأولى المصنّفة فى هذين الفنين، فإن القدر الذى بقى منهما كاف فى الدلالة على أن ظاهرة الإعراب إنما أخذت صورتها الحقيقية من خلال هذه الكتب، وحسبنا التمثيل بمعانى القرآن للفراء، وإعراب
_________________
(١) يشير إلى قول المتنبى: منى كن لى أن البياض خضاب فيخفى بتبييض القرون شباب
[ المقدمة / ٧٠ ]
القرآن، للزجاج والنحاس ومكى بن أبى طالب، والحجة فى القراءات، لأبى على الفارسى، والكشف عن وجوه القراءات لمكى بن أبى طالب، ثم من جاء بعد هؤلاء، كأبى البركات الأنبارى، فى كتابه «البيان فى غريب إعراب القرآن»، وأبى البقاء العكبرى، فى كتابه «التبيان فى إعراب القرآن» (١).
ولقد كانت هذه المصنفات الروافد التى أمدّت كتب النحو المتأخرة بذلك الفيض الزاخر من أوجه الإعراب المختلفة.
ولعل «أمالى ابن الشجرى» هو أول كتاب نحوى حفل بظاهرة الإعراب، فإن الناظر فى كتاب «الأمالى» يستوقفه هذا الحشد الهائل من الوجوه الإعرابية فى آيات القرآن الكريم، وشواهد الشعر القديم والمحدث. وقد استكثر ابن الشجرى من الإعراب، مفردا له بعض مجالسه، أو مستطردا إليه من خلال ما يعرض له من مسائل العربية المختلفة التى يستفتى فيها ويسأل عنها. وابن الشجرى بهذه المثابة يمثل البداية الحقيقية للنحو التطبيقى التعليمى.
وقد كان لابن الشجرى وجوه من الإعراب، خالف بها من سبقوه، ووجوه أخرى انفرد بها وخولف فيها. وهو حريص فى كل ذلك على أن يؤكد أن الإعراب مرتبط بصحة المعنى أو فساده، وأن المعنى يقدم على الوجه الإعرابى (٢) وإن كان جائزا، وأنه لا بد من إعطاء الكلام حقّه من المعنى والإعراب.
_________________
(١) طبع قديما باسم: إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات فى القرآن. والصحيح ما أثبت.
(٢) العلاقة بين المعنى والإعراب عالجها النحاة من قبل ابن الشجرى، وتعرض لها ابن جنى فى أكثر من موضع من كتابه الخصائص، فقال فى ١/ ٢٨٣: «باب فى الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى: فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى، فهو ما لا غاية وراءه، وإن كان تقدير الإعراب مخالفا لتفسير المعنى، تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق تقدير الإعراب، حتى لا يشذ شيء منها عليك». وقال فى ٣/ ٢٥٥: «باب فى تجاذب المعانى والإعراب: وذلك أنك تجد فى كثير من المنثور والمنظوم، الإعراب والمعنى متجاذبين، هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاما ما أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإعراب» وانظر تقدمتى لكتاب الشعر ص ٣٦.
[ المقدمة / ٧١ ]
ويميل ابن الشجرى فى ذكر الأوجه الإعرابية إلى السهولة وطرح التكلف.
وهذه شواهد ومثل، استخرجتها من «الأمالى» تكشف عن موقف ابن الشجرى من الظاهرة الإعرابية، وتبين عن اتجاهاته التى أشرت إليها، ولا سبيل إلى ذكر كل ما فى «الأمالى» من إعراب، فإن هذا محوج إلى صفحات كثيرة، للذى ذكرته من أن ابن الشجرى لم يكد يخلى مجلسا من مجالسه من وجوه الإعراب:
١ - حكى ابن الشجرى (١) ما جرى بين الأصمعى والكسائى من خلاف حول إعراب «رئمان» من قول الشاعر:
أنّى جزوا عامرا سوءا بفعلهم أم كيف يجزوننى السّوءى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به رئمان أنف إذا ما ضنّ باللبن
وذكر أن الأصمعى يرويه «رئمان» بالنصب، والكسائى يجيز فيه الرفع والنصب والخفض، وعقّب ابن الشجرى فقال: «وانتصاب «الرئمان» هو الوجه الذى يصح به المعنى والإعراب، وإنكار الأصمعى لرفعه إنكار فى موضعه، لأن رئمان العلوق للبوّ بأنفها هو عطيتها، ليس لها عطية غيره، فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطية فى البيت لفظا ولا تقديرا، ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل «ينفع» وهو بدل الاشتمال، ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه، كأنك قلت: رئمان أنفها إياه، وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد فى كلام العرب، ولكن فى رفعه ما ذكرت لك من إخلاء «تعطى» من مفعول فى اللفظ والتقدير، وجرّ «الرئمان» على البدل أقرب إلى الصحيح قليلا، وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب إنما هو بنصب «الرئمان». ولنحاة الكوفيين فى أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة».
وقد حكى النحاة المتأخرون: ابن هشام والدمامينى والبغدادى، كلام ابن الشجرى هذا، وتعقّبه الدمامينى بما ذكرته فى حواشى التحقيق.
_________________
(١) المجلس السادس.
[ المقدمة / ٧٢ ]
٢ - ذكر ابن الشجرى (١) فى إعراب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قال: فأما قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فيحتمل العامل فيه وجوها: أحدها فى قول بعض معربى القرآن أن يكون فى موضع نصب، بدلا من (ما)، والثانى: أجازه هذا المعرب، أن يكون فى موضع رفع، على تقدير مبتدأ محذوف، أى هو ألا تشركوا به شيئا، ولا يصح عندى هذان التقديران، إلا أن يحكم بزيادة (لا)، لأن الذى حرمه الله عليهم هو أن يشركوا به، فإن حكمت بأن (لا) للنفى، صار المحرم ترك الإشراك، فإذا قدرت بها الطرح، كما لحقت مزيدة فى نحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ و﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استقام القولان.
ثم قال: ويحتمل عندى قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ﴾ وجهين آخرين: أحدهما:
أن تكون (أن) مفسّرة بمعنى «أى» كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ معناه: أى امشوا، وتكون (لا) نهيا، و«أن» المفسرة تؤدى معنى القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا.
والوجه الثانى: أن تجعل (عليكم) منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء، بمعنى الزموا، كأنه اجتزئ بقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم قيل على وجه الاستئناف: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
٣ - أعرب ابن الشجرى (٢) «ما» مصدرية، من قول الشاعر:
ألف الصّفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا
قال: «ما» مصدرية، فالمعنى: من قيامه، و«من» متعلقة بالخبر المحذوف، ثم قال: فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث فما يزال كسيرا، أى ثانيا إحدى قوائمه، حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث.
_________________
(١) المجلس الثامن.
(٢) المجلس الحادى عشر.
[ المقدمة / ٧٣ ]
٤ - أعرب ابن الشجرى (١) بيت لبيد:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
وضعف إعراب بعض النحويين لمخالفته لصحة المعنى.
قال: والمضمر فى «غدت» ضمير بقرة وحشية، تقدم ذكرها، ويروى:
«فعدت» من العدو. . . . وموضع «كلا» رفع بالابتداء، والجملة من «تحسب» وفاعله ومفعوله خبر المبتدأ، وعائد الجملة الهاء التى فى اسم «أن»، وعاد إلى «كلا» ضمير مفرد، لأنه اسم مفرد، وإن أفاد معنى التثنية، وموضع المبتدأ مع الجملة التى هى خبره نصب بأنها خبر «غدت» لأن منهم من يجعل «غدا» فى الإعمال بمنزلة «أصبح وأضحى»، ومن جعلها تامة كان موضع الجملة بعدها نصبا على الحال، ومن رواها بالعين غير المعجمة، فالجملة حال لا غير. و«خلفها» رفع على البدل من «كلا»، والتقدير: فغدت وخلفها وأمامها تحسب أنه يلى المخافة، وإن رفعته بتقدير: هو خلفها وأمامها، فجائز.
قال: وبعض النحويين أبدله من «مولى المخافة» وذلك فاسد من طريق المعنى، لأن البدل يقدر إيقاعه فى مكان المبدل منه، وإن منع من ذلك موجب اللفظ فى بعض الأماكن، فلو قلت: كلا الفرجين تحسب أنه خلفها وأمامها، لم تحصل بذلك فائدة، لأن الفرجين هما خلفها وأمامها، فليس فى إيقاع الحسبان على ذلك فائدة.
٥ - ذكر ابن الشجرى (٢) تقديرات وحذوفا كثيرة فى قوله تعالى:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، ثمّ وجّه الإعراب وفق هذه الحذوف، وقال فى آخر كلامه: «والذى ذكرته من التقديرات والحذوف فى هذه الآية مشتمل على حقيقة الإعراب مع المعنى».
ثم أخذ على الزجاج وأبى على الفارسى إخلالهما بحقيقة إعراب الآية، قال:
«وذكر الزجاج وأبو على فى تفسير قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تفسيرا تضمن المعنى دون
_________________
(١) المجلس السابع عشر.
(٢) المجلس الثالث والعشرون.
[ المقدمة / ٧٤ ]
حقيقة الإعراب. قال الزجاج فى تقدير المحذوف: فكما تكرهون أكل لحمه ميتا، كذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا. وقال أبو على فى «التذكرة»: فكما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوا غيبته واتقوا الله.
ثم أخذ على الفراء إغفاله لجانب المعنى، قال: وقال الفراء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإن هذا كهذا، فلم يفصح بحقيقة المعنى.
٦ - قال ابن الشجرى (١) فى بيت المتنبى:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
«والمصدر الذى هو «مفارقة» مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السؤال فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾، ولا يحسن أن تقدر: لولا مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزا من طريق الإعراب، لأن المحب لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارق لا مفارق».
٧ - وجّه ابن الشجرى (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ على حذف اللام. قال: «معناه: كالوا لهم أو وزنوا لهم، وأخطأ بعض المتأولين فى تأويل هذا اللفظ، فزعم أن قوله: «هم» ضمير مرفوع، وكّدت به الواو، كالضمير فى قولك: خرجوا هم، «فهم» على هذا التأويل عائد على «المطففين».
ويدلك على بطلان هذا القول عدم تصوير الألف بعد الواو فى ﴿كالُوهُمْ﴾ و﴿وَزَنُوهُمْ﴾، ولو كان المراد ما ذهب إليه هذا المتأول، لم يكن بدّ من إثبات ألف بعد الواو، على ما اتفقت عليه خطوط المصاحف كلها، فى نحو ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ و﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ وإذا ثبت بهذا فساد قوله، فالضمير الذى هو «هم» منصوب بوصول الفعل إليه، بعد حذف اللام، وهو عائد على ﴿النّاسِ﴾
_________________
(١) المجلس الحادى والثلاثون.
(٢) المجلس الثالث والأربعون.
[ المقدمة / ٧٥ ]
فى قوله تعالى: ﴿إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ وهذا أيضا دليل على فساد قوله: إن الضمير مرفوع، ألا ترى أن المعنى: إذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوا للناس أو وزنوا للناس يخسرون».
فابن الشجرى فى هذا النص يقوّى ما ذهب إليه بعامل صناعى، وهو رسم المصاحف، وعامل معنوىّ، وهو صحة المعنى وسلامته.
٨ - حكى ابن الشجرى (١) إعراب الزجاج والسيرافى «للمستخف» من قول الأخطل:
إن العرارة والنّبوح لدارم والمستخفّ أخوهم الأثقالا
ثم قال: وأسهل من هذا عندى أن ترفع «المستخف» بتقدير: وهم المستخف أخوهم الأثقالا، والمضمر المقدر عائد على «دارم» و«هم» من «أخوهم» عائد على الألف واللام، لأنهما بمعنى الذين، فكأنك قلت: وهم الذين يستخف أخوهم الأثقالا.
٩ - تعقب ابن الشجرى (٢) شرّاح المتنبى: ابن جنى وأبا العلاء المعرى والربعى، فى إعرابهم بيت المتنبى:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
فقال عن إعراب ابن جنى: إنه قول من لم ينعم النظر، وقنع بأول لمحة، ووصف قول المعرى بأن فيه إسهابا وتكلفا شاقا، وقول الرّبعى بأنه بعيد من حصول فائدة، ثم قال بعد حكاية أقوالهم: «والأوجه المذكورة عمن عزوتها إليهم، ليس فيها وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الربعى فى النصب، وهو قول لا تصحبه فائدة، فأبو الفتح والربعى قدّرا فعلا لرفع «دهر»، والمعرى قدّر مبتدأ لرفع «أهل»، وقدّر المعرى أيضا لنصب «دهر» ما حكيت لك لفظه الشاقّ.
_________________
(١) المجلس التاسع والعشرون.
(٢) المجلس الثلاثون.
[ المقدمة / ٧٦ ]
قال: ويتجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدم، كما لم يذهبوا إلى عطف «دهر»، على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع «الفخر» بإسناد «كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة فتجعلها معدّية متعلقة بالفخر، وتجر «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» بتقدير المبتدأ الذى تقدم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم به، وبزمانه عن الفخر بغيرهما».
١٠ - ذكر ابن الشجرى (١) من شواهد إعمال «لا» عمل «ليس» قول النابغة الجعدى:
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ سواها ولا عن حبها متراخيا
ثم قال: «فمبتغ خبرها، وكان حقه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء فى موضع النصب، كما أسكنها الآخر فى قوله:
*كفى بالنأى من أسماء كافى*
وكان حقه «كافيا» لأنه حال بمنزلة المنصوب فى قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾.
قال: ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالى فى كتاب عتيق، يتضمن المختار من شعر الجعدىّ: «لا أنا باغيا سواها». فهذه الرواية تكفيك تكلّف الكلام على مبتغ».
وهذه العبارة الأخيرة صريحة الدلالة على أن ابن الشجرى يميل فيما يعالج من إعراب إلى إيثار السهولة وطرح التكلف وعدم التعلق بالضرورة.
١١ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن «محمدا» فى قول العباس بن مرداس:
_________________
(١) المجلس الخامس والثلاثون.
(٢) المجلس السابع عشر.
[ المقدمة / ٧٧ ]
ومن قبل آمنّا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدا
منصوب على نزع الخافض. قال: «نصب «محمد» بآمنا، والأصل:
بمحمد». وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن ابن الشجرى قد خالف المعربين قبله، فقد ذكروا أن «محمدا» منصوب على المفعولية لآمنا المضمن معنى صدّقنا. هذا وقد حكى السخاوى (١) الوجهين، ثم استحسن النصب على إسقاط الخافض.
١٢ - قال ابن الشجرى (٢) فى بيت الشماخ:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة أمره وهو ضامز
«وفى البيت فصل بالظرف الأجنبى بين المصدر ومنصوبه، لأن قوله:
«بضاحى عذاة» متعلق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبى من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر، كأنه لما قال: «ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة» أضمر «يقضى» فنصب به أمره».
وقد حكى ابن هشام عن النحويين أن الباء فى قوله: «بضاحى» متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا بينتظرن، لئلا يفصل بين «قضائه» و«أمره» بالأجنبى. ثم قال: «ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجرى وغيره «أمره» معمولا لقضى محذوفا، لوجود ما يعمل».
هذا كلام ابن هشام فى المغنى (٣)، ولكنه نقضه فى كتابه شرح بانت سعاد (٤)، حيث قال بعد أن أنشد البيت: «وأمره منتصب بقضائه محذوفا، مبدلا من «قضائه» المذكور، ولا ينتصب بالمذكور، لأن الباء ومجرورها متعلقان بينتظرن، ولا يفصل المصدر من معموله». انتهى كلامه، وواضح أنه يرجع إلى كلام ابن الشجرى، والفرق الوحيد بينهما أن ابن الشجرى يقدر المحذوف أو المضمر «يقضى». وابن هشام يقدره «قضاء».
_________________
(١) فى سر السعادة ص ٧١٩، وحكاه السيوطى فى الأشباه والنظائر ٣/ ١٨٣.
(٢) المجلس التاسع والعشرون.
(٣) ص ٥٩٥.
(٤) ص ٩٤.
[ المقدمة / ٧٨ ]
١٣ - ذهب ابن الشجرى (١) إلى أن الضمير يقوم مقام الواو المحذوفة فى ربط الجملة الاسمية الحالية، قال: «ولو حذفت الواو اكتفاء بالضمير، فقلت:
خرج أخوك يده على وجهه، جاز، كما قال المسيب بن علس:
نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب ما يدرى
أى ما يدرى ما حاله».
وقد تعقبه البغدادى (٢)، فقال: «والعجب من كلام ابن الشجرى فى «أماليه» فإنه جعل الجملة حالا من «النهار» المرفوع، وقال: «الرابط الضمير»، وهذا لا يصح، فإن الضمير ليس للنهار». وكان البغدادى قد قدر الضمير فى «غامره» عائدا على الغوّاص. وابن هشام (٣) قدّر الرابط فى البيت الواو المحذوفة.
١٤ - سئل ابن الشجرى (٤) عن إعراب «فضلا» ومعناه، فى قول الشاعر:
ووحشيّة لسنا نرى من يصدّها عن الفتك فضلا أن نرى من يصيدها
فأجاب بأنه ينتصب على المصدر، قال: «والتقدير: فضل انتفاء أن نرى إنسانا يصدها عن الفتك بنا فضلا عن رؤيتنا إنسانا يصيدها لنا، ففضل هاهنا مصدر فضل من الشىء كذا: إذا بقيت منه بقية، كقولك: أنفقت أكثر دراهمك، والذى فضل منها ثلاثة، وكقولك لإنسان خلص من أمر عظيم ولحقه منه بعض الضرّ: معك فضل كثير، وكذلك وجود إنسان يصيد هذه الوحشية، وانتفاء من يكفها عن الفتك بينهما فضل كبير، فإذا كان من يكفها عن الفتك معدوما، فكيف من يقدر على صيدها موجودا».
_________________
(١) المجلس الحادى والسبعون.
(٢) الخزانة ٣/ ٢٣٤.
(٣) المغنى ص ٥٥٩،٧٠٧.
(٤) المجلس الرابع والسبعون.
[ المقدمة / ٧٩ ]
وتعبير «فضلا» مما شغل به اللغويون والنحاة المتأخرون، وقد ذكر الفيومى فى مادة (فضل) من المصباح المنير؛ ذكر إعراب «فضلا» ومعناه بمثل ما ذكره ابن الشجرى، ثم حكى عن قطب الدين الشيرازى فى شرح المفتاح، قال: «وقال شيخنا أبو حيان الأندلسى نزيل مصر المحروسة، أبقاه الله تعالى: ولم أظفر بنص على أن مثل هذا التركيب من كلام العرب».
ولابن هشام رأى فى إعراب «فضلا»، حكاه عنه السيوطى (١).
١٥ - ومما يتصل بإعراب التعبيرات النحوية، ما ذكره ابن الشجرى (٢) من إعراب قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما»، وقولهم: «شربى السّويق ملتوتا»، وهما من التعبيرات النحوية الشائعة، وقد أطال ابن الشجرى فى إعراب التعبير الأول، ثم قال فى آخر كلامه: «فتأمل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها وكشفت لك مخبوءها».
١٦ - تعقب ابن الشجرى شيخه التبريزى فى إعراب «مواهبا» من قول المتنبى:
ومحل قائمة يسيل مواهبا لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
فقال: «قال يحيى بن على التبريزى: مواهبا منصوبة، لأنها مفعول.
فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا، لأن «يسيل» لا يتعدى إلى مفعول به، بدلالة أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى الرجال، وسالت الطرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب النكرة خاصة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميز لا يكون إلا نكرة، ثبت أن قوله: «مواهبا» مميز، ويوضح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النقل على سال، تعدى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل النقل بالهمزة يتعدى إلى مفعول، لتعدى بعد النقل إلى مفعولين.
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر ٣/ ١٨٧.
(٢) المجلس السابع والثلاثون.
[ المقدمة / ٨٠ ]
فإن قيل: إن المميز من شأنه أن يكون واحدا.
قلنا: لعمرى، إن هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ وكقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾.
انتهى كلام ابن الشجرى، وقد حكاه شارح ديوان المتنبى (١)، وأفاد أن إعراب «مواهبا» مفعولا به، هو قول ابن جنى أيضا.
وبعد: فهذه أبرز آراء ابن الشجرى الإعرابية، استخرجتها لتدلّ على غيرها، مما زخرت به الأمالى، ومما ينبغى التنبه له والإشارة إليه أن الهدف التعليمىّ الذى أخذ به ابن الشجرى نفسه، وصرف إليه همته، قد حمله على إجالة النظر وتقليب الفكر، فيما تمثل فى هذه الأوجه (٢) الإعرابية الكثيرة التى أوردها فى الكلمة الواحدة، مما يدل على تمكنه وتبحره فى فقه العربية، ومما يدل أيضا على أن ظاهرة التوسّع الإعرابى (٣) ليست من صنيع النحاة المتأخرين، كما يظنّ بعض الدراسين.
_________________
(١) شرح ديوان المتنبى المنسوب إلى العكبرى ٣/ ٢٣٧.
(٢) انظر مثلا: المجالس: العشرين، والثامن والعشرين، والحادى والثلاثين، والثانى والثلاثين والحادى والأربعين.
(٣) بل هى أقدم من ابن الشجرى، فيما تراه عند أبى على الفارسى. راجع مقدمتى لكتاب الشعر ص ٣٢.
[ المقدمة / ٨١ ]