(٣٧٧ هـ)
وأبو على ركن من العلم باذخ، وقد أوى إليه ابن الشجرى كثيرا فى «أماليه»، وطوّف به: مستشهدا وشارحا وناقدا.
وابن الشجرى موصول النسب النحوى بأبى (٢) على، ويبدو إجلاله له واحتفاله بمصنفاته فى هذا الحشد الهائل من النقول التى حكاها عنه ابن الشجرى، وملأ بها كتابه، ثم فى تصدّيه لشراحه، وردّه كتبه بعضها إلى بعض، وأظن ظنا أن قدرا كبيرا من الآراء التى ساقها ابن الشجرى غير معزوة، إنما ترجع إلى مصنفات أبى على (٣)، فقد رأيت ابن الشجرى كثير الإعظام له والتعويل عليه، ثم ظهر لى فى تحقيق الجزء الأول من الأمالى ثمانية مواضع، أورد فيها ابن الشجرى آراء لأبى على، لم يعزها إليه، وساقها كأنها من عند نفسه (٤)، ولا سبيل إلى ذكر كل المواضع التى
_________________
(١) المجلس الخامس والسبعون.
(٢) راجع كلامى عن سيبويه.
(٣) هذا ما قلته منذ إحدى عشرة سنة عند إعداد هذه الرسالة. وقد رأيت تصديقه، حين اتصلت بأبى علىّ، وخبرت منهجه، فى أثناء تحقيقى لكتابه (الشعر) وذكرت ذلك فى مقدمة تحقيقى له ص ٩٠ - ٩٢.
(٤) انظرها فى المجالس: الرابع والحادى عشر، والثانى والعشرين والسابع والعشرين، والحادى والثلاثين والخامس والثلاثين والسابع والثلاثين (مرتين). وانظر «أبو على الفارسى» ص ٦٥٠ وما بعدها.
[ المقدمة / ١٣٢ ]
أفاد فيها ابن الشجرى من أبى على، فهى إلى الكثرة ما هى. وحسبى أن أذكر أمثلة من شرح ابن الشجرى له، واستدراكه عليه، ومخالفته عن آرائه:
١ - حكى ابن الشجرى عن أبى على قوله فى باب تخفيف الهمزة:
«ولا تخفّف الهمزة إلا فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده الهمزة المخففة الألف، نحو هباءة».
قال ابن الشجرى (١): قلت: «قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسّرى (٢) كتابه الذى وسمه بالإيضاح، تفسير هذا الكلام. . . .» ثم أورد كلاما طويلا فى شرح قول أبى على المذكور.
٢ - نقل ابن الشجرى أقوال النحاة فى تفسير «عمرك الله» ثم ساق تأويل أبى على، وعرض له بالشرح، قائلا (٣): «ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى على». وهذه العبارة تؤذن بأن هذا الشّرح ممّا ظهر لابن الشجرىّ، من دون سائر الشّرّاح.
٣ - تكلّم ابن الشجرى على قولهم: «ويلمّه» وحذف إحدى اللامين منه، إذ كان الأصل: ويل لأمه. ثم حكى كلام أبى على، وأورد عليه شرحا جيدا، خلص منه إلى مسائل من الإدغام (٤).
٤ - حكى ابن الشجرى الخلاف الشهير فى وزن «أشياء» والمحذوف منها، ونقل كلام أبى على، ثم عرض له بالشرح والبيان (٥).
٥ - استفتح ابن الشجرى المجلس الخمسين بذكر الحذف من قولهم:
«فوك وذو مال» ثم قال: «ولأبى على كلام فى «فىّ» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام يبرزه وتفسير يوضحه. . . .» ثم حكى كلامه، وشرحه.
_________________
(١) المجلس التاسع والثلاثون.
(٢) أنظر أيضا مثالا لتعقب ابن الشجرى شراح أبى على، فى المجلس السابع والثلاثين.
(٣) المجلس الثانى والأربعون.
(٤) المجلس السادس والأربعون.
(٥) المجلس الثامن والأربعون.
[ المقدمة / ١٣٣ ]
٦ - صحّح ابن الشجرى خطأ لأبى على، أورده فى كتابه «العوامل»، فقد استشهد أبو علىّ على استعمال الظن بمعنى التهمة، فقال: «وعلى هذا قوله:
أو ظنين فى ولاء».
قال ابن الشجرى (١): «والصواب: «أو ظنينا» هكذا هو منصوب، عطف على مستثنى موجب، فى رسالة عمر رضوان الله عليه، إلى أبى موسى، وذلك قوله: «المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا فى حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب».
والأمر على ما قال ابن الشجرى فى الكامل للمبرد ١/ ١٣، وهو من أوثق المصادر التى ذكرت هذه الرسالة.
٧ - خالف ابن الشجرى أبا على، فى إعراب «خضبن» من قول النابغة الجعدى (٢):
كأنّ حواميه مدبرا خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة كسين طلاء من الطّحلب
فقوله: «خضبن» عند أبى على، فى موضع نصب بأنه حال من «الحوامى» والعامل فيه ما فى «كأن» من معنى الفعل، ولم يجعل أبو على «خضبن» خبر «كأن» لأنه جعل خبرها قوله: «حجارة غيل»، ولم يجز أن يكونا خبرين لكأن، على حدّ قولهم: هذا حلو حامض، أى قد جمع الطعمين، قال: لأنك لا تجد فيما أخبروا عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفردا، والآخر جملة، لا تقول: زيد خرج عاقل.
قال ابن الشجرى: «والقول عندى أن يكون موضع» خضبن» رفعا بأنه خبر «كأن» وقوله: «حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه محذوفة. . . . ومثله فى حذف حرف التشبيه فى التنزيل: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، أى مثل أمهاتهم فى تحريمهن عليهم والتزامهم تعظيمهن».
_________________
(١) المجلس الثالث والعشرون.
(٢) المجلس الرابع والعشرون.
[ المقدمة / ١٣٤ ]
قلت: وإعراب ابن الشجرى أولى من إعراب أبى على، لأن إعراب هذا يؤول إلى التطويل بذكر الخبر، وذكر حالين متواليين قبل استيفاء الخبر.
٨ - ذكر أبو على أقوالا فى «مخضّب» من قول الأعشى (١):
أرى رجلا منكم أسيفا كأنما يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا
ومن هذه الأقوال أن يكون صفة لرجل، لأنك تقول: رجل مخضوب، إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع، إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل مخضب، إذا أخضبت يده، قال: وإن شئت جعلته حالا من الضمير المرفوع فى «يضم» أو المجرور فى قوله: «كشحيه»، لأنهما فى المعنى لرجل المذكور.
قال ابن الشجرى: وأقول: إنك إذا جعلته حالا من المضمر فى «يضم» كان أمثل من أن تجعله حالا من المضاف إليه، إلا أن ذلك جاز لالتباس الكشحين بما أضيفتا إليه، وأما إجازته أن يكون وصفا لرجل، ففاسد فى المعنى، وهو محمول على ترك إنعام نظره فيه، لأنك إذا فعلت ذلك، أخرجته من حيز التشبيه والمجاز، فصار وصفا حقيقيا، والشاعر لم يرد ذلك، لأن الرجل الذى عناه لم يكن مخضبا على الحقيقة، وإنما شبهه بمن قطعت يده، وضمها إليه مخضبة بالدم.
هذا كلام ابن الشجرى، وهو يرجع إلى رأيه فى أن التوجيه الإعرابى مرتبط بصحة المعنى وسلامته، كما ذكرت من قبل فى الظاهرة الإعرابية عند ابن الشجرى.
٩ - ذكر ابن الشجرى فى قول أبى الصلت:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا فى رأس غمدان دارا منك محلالا
قال (٢): وأما قوله: «دارا» فحال من «رأس غمدان»، وأجاز أبو على أن يكون حالا من «غمدان». قال: لأن الحال قد جاءت من المضاف إليه، نحو ما أنشده أبو زيد:
عوذ وبهثة حاشدون عليهم حلق الحديد مضاعفا يتلهّب
_________________
(١) المجلس الرابع والعشرون.
(٢) المجلس الخامس والعشرون، وأيضا المجلس السادس والسبعون.
[ المقدمة / ١٣٥ ]
قال ابن الشجرى: وليس فى هذا البيت شاهد قاطع بأن «مضاعفا» حال من «الحديد» بل الوجه أن يكون حالا من «الحلق» لأمرين: أحدهما ضعف مجىء الحال من المضاف إليه (١)، والآخر أن وصف الحلق بالمضاف أشبه من وصف الحديد به، كما قال أبو الطيب:
أقبلت تبسم والجياد عوابس يخببن فى الحلق المضاعف والقنا
ويتوجه ضعف ما قاله من جهة أخرى، وذلك أنه لا عامل له فى هذه الحال، إذا كانت من «الحديد» إلا ما قدره فى الكلام من معنى الفعل بالإضافة، وذلك قوله: «ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من».
قال ابن الشجرى: وأقول إن «مضاعفا» فى الحقيقة إنما هو حال من الذكر المستكن فى «عليهم» إن رفعت «الحلق» بالابتداء، وإن رفعته بالظرف، على قول الأخفش والكوفيين، فالحال منه، لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر.
١٠ - خالف ابن الشجرى أبا على فى تقدير الجواب من قوله تعالى (٢):
﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ فأبو علىّ يرى أن الفاء جواب «إن»، وابن الشجرى يذهب إلى أن الفاء جواب «أمّا». ولم يصرح ابن الشجرى بهذه المخالفة، وإنما ظهرت لى من كلام أبى حيان (٣).
١١ - استبعد ابن الشجرىّ ما ذهب إليه أبو على فى تأويل قوله تعالى:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾.
قال (٤): «قال أبو على فى كتابه الذى سماه «التذكرة»: «قيل لنا: علام عطف قول الله سبحانه تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ من قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾؟ فقلنا: المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله
_________________
(١) راجع الفقرة الثانية من آراء ابن الشجرى النحوية.
(٢) المجلس الثانى والأربعون. وانظر أيضا المجلس الحادى والثلاثين، وكتاب الشعر لأبى على ص ٦٤.
(٣) البحر المحيط ٨/ ٢١٦، وانظر المقتضب ٢/ ٧٠، وحواشيه.
(٤) المجلس السادس والسبعون، وانظر أيضا المجلس الثالث والعشرين.
[ المقدمة / ١٣٦ ]
فقوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على قوله: فاكرهوا، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه، كقوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ أى فضرب فانفجرت، وقوله:
﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء، لما فى الكلام من معنى الجواب، لأن قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ كأنهم قالوا فى جوابه:
لا، فقال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، أى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، فهو جواب لما يدلّ عليه الكلام، من قولهم: «لا»، فالفاء هاهنا بمنزلتها فى الجزاء، والمعنى على:
فكما كرهتموه، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن قولهم: ما تأتينى فتحدثنى، المعنى: ما تأتينى فكيف تحدثنى، وإن لم تكن «كيف» مذكورة، وإنما هى مقدرة».
قال ابن الشجرى: والقول عندى أن الذى قدّره أبو على هاهنا بعيد، لأنه قدّر المحذوف موصولا، وهو «ما» المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر المحذوف مبتدأ، كان جيدا، لأن حذف المبتدأ كثير فى القرآن والتقدير عندى: فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة المحذوفة مبتدئية، لا أمرية، كما قدّرها، فكأنه قيل: فهذا كرهتموه، والغيبة مثله، وإنما قدّرها أمريّة ليعطف عليها الجملة الأمرية، التى هى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾، ولا حاجة بالكلام إلى تقدير جملة أمرية لتعطف عليها الجملة الأمرية، لأن قوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على الجملة النهيية التى هى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وعطف الجملة على جملة مذكورة أولى من عطفها على جملة مقدرة، والإشارة فى المبتدأ الذى قدرته، وهو «هذا» موجهة إلى الأكل الذى وصفه الله، كأنه لما قدّر أنهم قالوا: لا، فى جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ قيل: فهذا كرهتموه، أى: فأكل لحم الأخ الميت كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل ما ذكرته تجده أصوب الكلامين.
وقد ذكر أبو على هذه المسألة فى «الحجة» أيضا». انتهى كلام ابن الشجرى، وقد حكاه الزركشىّ (١). ثم حكى ابن هشام كلا التقديرين وقال (٢):
«وبعد فعندى أن ابن الشجرى لم يتأمل كلام الفارسىّ، فإنه قال: «كأنهم قالوا فى الجواب: «لا» فقيل لهم: فكرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله، فاتقوا عطف على
_________________
(١) البرهان ٣/ ١٩٦.
(٢) المغنى ص ١٨١.
[ المقدمة / ١٣٧ ]
فاكرهوا، وإن لم يذكر، كما فى: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾، والمعنى:
فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن «ما تأتينا فتحدثنا» معناه: فكيف تحدثنا؟ وإن لم تكن «كيف» مذكورة اه. وهذا يقتضى أن «كما» ليست محذوفة، بل إن المعنى يعطيها، فهو تفسير معنى، لا تفسير إعراب.