(٢٠٧ هـ)
نقل عنه ابن الشجرى رأيه فى أن «غدوة» معرفة بغير دخول الألف واللام (٤).
وحكى عنه تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ بمعنى لا تنصرف عيناك عنهم (٥).
_________________
(١) المجلس الثانى والثلاثون.
(٢) المجلس الثامن.
(٣) المجلس التاسع والسبعون.
(٤) المجلس الثانى والعشرون.
(٥) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ١١٨ ]
وقد تعقّبه ابن الشجرى فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فقال بعد أن حكى تأويل الزجاج والفارسى (١): «وقال الفراء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإن هذا كهذا، فلم يفصح بحقيقة المعنى».
وتعقّبه أيضا فى إعرابه «خيرا» من قوله تعالى: ﴿اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ فقال (٢): «والثانى أن «خيرا» صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول الفراء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه «انتهوا» لأن «انتهوا» يدل على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء».
وقد ذكرت فى تحقيقى أن الفراء لم يقل هذا الرأى صراحة، ولكنّ محقّق كتابه «معانى القرآن» قد أوّل كلامه تأويلا ينتهى إلى ما ذكره عنه ابن الشجرى، وذكرت أيضا أن الأخفش الصغير سبق ابن الشجرى فى هذا التعقب (٣).
هذا وقد ساق ابن الشجرى بعض الآراء، غير معزوّة، وظهر لى بالتتبّع والمراجعة أنها من كلام الفراء، فمن ذلك:
١ - أنشد ابن الشجرى شاهدا على الإضمار لغير مذكور قول القطامىّ (٤):
هم الملوك وأبناء الملوك لهم والآخذون به والسّاسة الأول
قال: أراد الآخذون بالملك.
وقد ذكر البغدادى أن ابن الشجرى أخذ هذا من الفراء، ولم يعزه إليه (٥).
٢ - حكى ابن الشجرى ثلاثة أقوال، فى ضم الضاد وتشديد الراء ورفعها،
_________________
(١) المجلس الثالث والعشرون.
(٢) المجلس الحادى والأربعون، وانظر مثالا آخر لتعقب الفراء فى المجلس الخمسين.
(٣) معانى القرآن للفراء ١/ ٢٩٥، وتفسير القرطبى ٦/ ٢٥.
(٤) المجلس العاشر.
(٥) الخزانة ٢/ ٣٨٤، وراجع معانى القرآن للفراء ١/ ١٠٤.
[ المقدمة / ١١٩ ]
من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ وقال فى الوجه الثالث (١): «أن يكون ضم الراء إتباعا لضمة الضاد، كقولك: لم يردّكم، والأصل: يضرركم ويرددكم، فألقيت ضمة المثل الأول على الساكن قبله، وحرك الثانى بالضم إتباعا للضمة قبله، فلما حرك الثانى وقد سكن الأول وجب الإدغام. وتحريك الثانى فى هذا النحو بالفتح هو الوجه، لخفة الفتحة مع التضعيف، وبه قرأ فى هذا الحرف المفضل الضبى، عن عاصم بن أبى النّجود».
ووجه الفتح هذا هو اختيار الفراء، كما فى معانى القرآن ١/ ٢٣٢.
٣ - أشار ابن الشجرى إلى ما قيل فى اتصال قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ بما قبله وبما بعده، ثم قال (٢): «وأوجه ما قيل فيه أن موضع الكاف رفع خبر مبتدأ محذوف. . . . أى اقبلوا ما أمركم الله ورسوله به فى الغنائم وغيرها، ثم قال: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ والتقدير: كراهيتهم لما فعلت فى الغنائم كإخراجك من بيتك على كره منهم، ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾.
وهذا الوجه الذى اختاره ابن الشجرى هو من تقدير الفرّاء، وذكره فى معانى القرآن ١/ ٤٠٣، وحكاه ابن الشجرى بألفاظه فى المجلس الحادى والثمانين، ونسبه أبو جعفر الطبرى إلى بعض نحويّى الكوفة (٣).
٤ - تكلّم ابن الشجرى على دخول «إلا» فى قول ابن أحمر: «أبت عيناك إلا أن تلجّا»، فقال (٤): «دخلت «إلا» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلا أن يقوم، فقد أوجبت بإلاّ قيامه، لأن المعنى: لم يرد إلا أن يقوم. وفى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أى لا يريد الله إلا إتمام نوره».
_________________
(١) المجلس الثانى عشر.
(٢) المجلس الثالث عشر.
(٣) تفسير الطبرى ١٣/ ٣٩٢.
(٤) المجلس الحادى والعشرون.
[ المقدمة / ١٢٠ ]
وكلام ابن الشجرى هذا منتزع من كلام الفراء، فى معانى القرآن ١/ ٤٣٣، مع اختلاف العبارة، ومع وضع المصطلح البصرى موضع المصطلح الكوفى، وأعنى كلمة «النفى» عند ابن الشجرى مكان «الجحد» عند الفراء.
٥ - استشهد ابن الشجرى على جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ملتبسا به، بقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾، قال (١):
«أخبر بخاضعين عن المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: «خاضعة، أو خضّعا أو خواضع، وإنما حسن ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم».
وهذا الذى استحسنه ابن الشجرى هو اختيار الفراء، فى معانى القرآن ٢/ ٢٧٧.
٦ - أورد ابن الشجرى (٢) أقوالا كثيرة فى تقدير جواب القسم المحذوف لقوله تعالى: ﴿ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وذكر من هذه الأقوال أن الجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾، وعلّق على هذا التقدير فقال: «وهذا قول ضعيف جدا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأن الإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ متوجهة إلى ما يكون من التلاوم والتخاصم بين أهل النار يوم القيامة، وذكر تلاومهم متأخر عن القسم».
وقد سبق الفرّاء إلى تضعيف هذا التقدير، فقال (٣): «وذلك كلام قد تأخّر تأخّرا كثيرا عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾، وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا نجد ذلك مستقيما فى العربية».
٧ - ذكر ابن الشجرى فى إعراب ﴿فِئَتَيْنِ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قال (٤): «انتصاب فئتين على الحال، لأن المعنى: ما لكم
_________________
(١) المجلس الرابع والعشرون.
(٢) المجلس الثانى والأربعون.
(٣) معانى القرآن ٢/ ٣٩٧.
(٤) المجلس الحادى والسبعون.
[ المقدمة / ١٢١ ]
منقسمين فى شأنهم فرقتين، فرقة تمدحهم وفرقة تذمّهم. وحقيقة القول عندى أن ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فى معنى مختلفين، فحرف الجر الذى هو «فى» متعلق بهذا المعنى، أى ما لكم مختلفين فى أمرهم، فانتصابه كانتصاب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ فى قوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾.
وتفسير ﴿فِئَتَيْنِ﴾ بمختلفين، هو من قول الفراء (١)، ولابن الشجرى فضل التنظير بالآية الأخرى.
هذه مآخذ ابن الشجرى من الفراء، وقد لا يكون صاحبنا أخذ هذه الآراء نصّا، ولكنه كلام من نظر فى كتاب الفراء، كما قلت من قبل فى مآخذ ابن الشجرى من سيبويه.