لعلّ هذا الفنّ أهمّ الفنون التى عالجها ابن الشجرى بعد النحو والصرف، فقد احتفل احتفالا زائدا باللغة: دلالة واشتقاقا، فلم يدع لفظا غريبا أو دون الغريب، فى شاهد من الشواهد إلا عرض له بالشرح والبيان، ناقلا عن أئمة اللغة، كأبى زيد والأصمعى وابن السكيت (١) وابن قتيبة وابن دريد وابن فارس، ومن إليهم.
ولم يقف ابن الشجرى عند حدود الحكاية والنقل، بل صحح بعض اللغات وقوّاها، ووفّق بين آراء اللغويين فيما يبدو متعارضا (٢)، وفرّق بين ما يبدو مترادفا (٣)، وتعقب بعض علماء اللغة (٤).
وقد عرض ابن الشجرى لقضايا وظواهر لغوية كثيرة، كالمشترك اللفظى (٥)، وتركّب اللغات وتداخلها (٦)، ولغة العامة (٧)، ولهجات القبائل (٨)، والأصوات ومخارج الحروف (٩)، وتطور دلالات الألفاظ (١٠).
_________________
(١) رأيت ابن الشجرى يعوّل كثيرا على ابن السكيت، ثم رأيته ينقل كلامه دون أن يصرح، وقد أشرت إلى ذلك فى الحديث عن مصادر ابن الشجرى، وانظر أيضا المجلس الثامن والثلاثين، فى التفرقة بين زريت عليه وأزريت به.
(٢) فمن ذلك التوفيق بين ابن دريد وابن فارس فى شرح التقويض، فى المجلس الرابع والستين.
(٣) كتفرقته بين السماع والاستماع، فى المجلس التاسع والأربعين.
(٤) كتعقبه ابن فارس فى اشتقاق «نياط المفازة» فى المجلس الثانى والعشرين.
(٥) راجع المجلس التاسع والعشرين، فى شرح «العرارة»، والمجلس الثامن والثلاثين، فى تفسير «الشمال».
(٦) المجلس الحادى والعشرون.
(٧) المجلس الثانى والأربعون، والخامس والأربعون، والتاسع والأربعون.
(٨) المجلس السابع عشر، والسادس والعشرون، والخامس والثلاثون، والحادى والخمسون.
(٩) المجلس الرابع عشر، والخامس والثلاثون، والثالث والستون، والسادس والستون.
(١٠) المجلس الثامن.
[ المقدمة / ١٩٧ ]
وقد غلبت على ابن الشجرى طبيعة المعلم، فى ذلك الحشد الضخم من الشروح والتفسيرات اللغوية للمفردات والتراكيب، ثم فى محاولة النظم التعليمى، فيقول (١): الفدوكس: الشديد، فى قول ثعلب، وقال أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلا يشذّ عن الحفظ، وهو:
فدوكس عن ثعلب شديد وعن أبى زيد غليظ جافى
ولم يسلم ابن الشجرى من بعض الهنات اللغوية، فمن ذلك أنه روى «مغيون» بالغين المعجمة، من قول العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا وإخال أنك سيد مغيون
وقال (٢): «مغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه: أى غطى عليه، وفى الحديث: «إنه ليغان على قلبى»، ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه».
وقد انفرد ابن الشجرى برواية الغين المعجمة، ثم وجدت بهامش أصل الأمالى فى المجلس الحادى والثلاثين حاشية، نصها: «هذا البيت يروى بالعين المهملة بإجماع الرواة إلا الشريف، ألفيته ﵀ قد رواه بالغين المعجمة أيضا، وكنت أسمع قديما ببغداد أنه أنكر عليه تصحيفه».
ومن أوهامه اللغوية ما أورده فى تفسير «العلّ والنّهل»، قال (٣): «والعل:
الشرب الأول، والنهل: الشرب الثانى». هذا كلامه، والذى فى كتب اللغة عكس هذا، ومن أقوالهم: سقاه عللا بعد نهل.
ومن ذلك أيضا-وسبقه إليه الشريف المرتضى فى أماليه-شرحه لقول الشاعر (٤):
_________________
(١) المجلس السادس والخمسون.
(٢) المجلسان: السابع عشر، والحادى والثلاثون.
(٣) المجلس التاسع والأربعون.
(٤) المجلس نفسه.
[ المقدمة / ١٩٨ ]
*لا يكتنون غداة العلّ والنّهل*
قال: «وقال بعض أهل العلم باللغة فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم:
كتنت يده تكتن: إذا خشنت من العمل».
وقد جاء بهامش أصل الأمالى حاشية تعليقا على هذا التأويل: «كأن هذا سهو، لأن خشونة اليد وصلابتها من العمل، يقال له: «الكنب» بالنون والباء، كنبت يده وأكنبت، فأما «كتنت» بالتاء والنون، فمعناه الوسخ والدرن، يتلطخ به الشىء، وهو أثر الدخان».
هذا وقد غمز ابن الشجرى فى معرفته باللغة، حكى الذهبى فى ترجمته (١)، قال: «قال أبو الفضل بن شافع» (٢) فى «تاريخه»: «وكان نحويا حسن الشرح والإيراد والمحفوظ، وقد صنف أمالى قرئت عليه، فيها أغاليط، لأن اللغة لم يكن مضطلعا بها».