(٢٨٥ هـ)
ابن الشجرىّ موصول النسب (٢) النحوى بأبى العباس المبرّد، وقد نقل ابن الشجرى آراءه، مستشهدا وشارحا وناقدا.
وحكاية ابن الشجرى لأقوال المبرد كثيرة فى «الأمالى»، ولا سبيل إلى إيرادها كلّها، والذى يعنينى ذكر المواضع التى تعقّب فيها ابن الشجرى أبا العباس المبرد، وهذه مثل منها:
١ - فى حديث ابن الشجرى عن «أما»، قال (٣): «واعلم أن «أما» لما نزلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أما اليوم فإنى منطلق، وأما عندك فإنى جالس، وتعلق
_________________
(١) المجلس الخامس والأربعون.
(٢) راجع ما نقلته عن أبى البركات الأنبارى فى حديث سيبويه.
(٣) المجلس السادس والثلاثون، وأعاده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين.
[ المقدمة / ١٢٥ ]
بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أما فى الدار فزيد نائم، وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على: «أمّا على أثر ذلك فإنى جمعت»، ومثله قولك: أما فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأما نفسها فى قول سيبويه وجميع النحويين، إلا أبا العباس المبرد، فإنه زعم أن الجار متعلق برغبت، وهو قول مباين للصحة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إن» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا:
زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إنّ جعفرا ضارب، فإن قلت: أما زيدا فإنى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، لما ذكرته لك من أن «أما» لا تنصب المفعول الصريح، وأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس جائز، وفساده واضح».
هذا وقد أفاد السيوطى (١) أن المبرد قد رجع عن رأيه هذا.
٢ - حكى ابن الشجرى (٢) تضعيف أبى على الفارسى لما ذهب إليه المبرد من أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ دعاء عليهم، على طريقة ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ و﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ قال ابن الشجرى: ودفع ذلك أبو على وغيره بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، قالوا:
لا يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم.
٣ - حكى ابن الشجرى (٣) أقوال العلماء فى تأويل وإعراب قوله تعالى:
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، ثم قال: وقال أبو العباس محمد بن يزيد:
«يدعو فى موضع الحال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إياه، وقوله: ﴿لَمَنْ﴾، مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، و﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ خبره».
_________________
(١) الهمع ٢/ ٦٨، ونقلت عبارته فى حواشى التحقيق.
(٢) المجلس الرابع والأربعون، وأعاده فى المجلس الحادى والسبعين.
(٣) المجلس الحادى والستون. وانظر أمثلة أخرى لموقف ابن الشجرى من المبرد، شارحا وناقدا، فى المجالس: التاسع عشر، والخامس والخمسين، والسادس والخمسين، والسابع والخمسين.
[ المقدمة / ١٢٦ ]
قال ابن الشجرى: وهذا الذى قاله يستقيم لو كان فى موضع ﴿يَدْعُوا﴾ يدعى، فيكون تقديره: ذلك هو الضلال البعيد مدعوّا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعوّ، يبعده عن الصواب.
هذا وقد نسب ابن الشجرى إلى المبرد ما لم يقل به، حين حكى اختلاف النحويين فى إعراب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿تُجاهِدُونَ﴾ من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قال (١): «فذهب أبو العباس المبرد إلى أن قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿تُجاهِدُونَ﴾ معناه آمنوا وجاهدوا. . . وقال غير أبى العباس: تؤمنون وتجاهدون، عطف بيان على ما قبله.
وقد ظهر لى أن المبرد لم يذهب هذا المذهب، إنما جعل «تؤمنون» بيانا للتجارة، وهو الوجه الذى عزاه ابن الشجرى لغير المبرد، وظهر لى أيضا أن نسبة الوجه الأول إلى المبرد، قديمة، فقد نسبه إليه أبو جعفر النحاس (٢).
ثم رأيت ابن الشجرى ينقل كلاما عن المبرد، لم أجده فى كتابيه المقتضب والكامل. قال ابن الشجرى فى أوجه النداء (٣): «وقال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسا لزيد، جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
يا بؤس للحرب التى وضعت أراهط فاستراحوا
كأنه دعا على الحرب، وأراد يا بؤس الحرب، فزاد اللام».
ولم أجد من هذا الكلام كله عند المبرد إلا قوله: «أراد يا بؤس الحرب، فأقحم اللام توكيدا، لأنها توجب الإضافة». وهذا وجدته فى الكامل ٣/ ٢١٧، وقد ذكره ابن الشجرى فى المجلس الرابع والخمسين.
_________________
(١) المجلس الثالث والثلاثون.
(٢) راجع المقتضب ٢/ ٨٢،١٣٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢٣.
(٣) المجلس الخامس والثلاثون.
[ المقدمة / ١٢٧ ]
وقد وجدت ابن الشجرى يغير على كلام المبرد، دون عزو إليه، فقد قال فى المجلس الأول: «حذف الضمير العائد من الصلة أقيس من حذف العائد من الصفة، لأن الصلة تلزم الموصول، ولا تلزم الصفة الموصوف، فتنزل الموصول والصلة منزلة اسم واحد، فحسن الحذف لما جرت أربعة أشياء مجرى شيء واحد، وهى الموصول والفعل والفاعل والمفعول».
فهذا من كلام المبرد فى المقتضب ١/ ١٩، وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس الأربعين.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن الشجرى من شواهد حذف خبر «إن» فى قول الأخطل:
سوى أن حيّا من قريش تفضّلوا على الناس أو أن الأكارم نهشلا
آل ابن الشجرى (١): «أراد: أو أن الأكارم نهشلا تفضّلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة».
وهذه الجملة الأخيرة من كلام المبرد فى المقتضب أيضا ٤/ ١٣١.