(١٨٠ هـ)
ابن الشجرى موصول النسب النحوى بسيبويه، قال أبو البركات الأنبارى فى ترجمة ابن الشجرى (١): «وعنه أخذت علم العربية، وأخبرنى أنه أخذه عن ابن طباطبا، وأخذه ابن طباطبا عن على بن عيسى الرّبعى، وأخذه الربعى عن أبى على الفارسى، وأخذه أبو على الفارسى عن أبى بكر بن السراج، وأخذه ابن السراج عن أبى العباس المبرد، وأخذه المبرد عن أبى عثمان المازنى وأبى عمر الجرمى، وأخذاه عن أبى الحسن الأخفش، وأخذه الأخفش عن سيبويه وغيره. . . . .».
وسيبويه إمام النحاة، وكتابه العظيم قرآن النحو، لا يخلو كتاب نحويّ من الأخذ عنه والنقل منه، وقد استكثر ابن الشجرى من حكاية أقواله والاحتجاج بكلامه، ثم نصب نفسه لشرحه والانتصار له، وتصحيح ما ذهب إليه. وقد تبعه ابن الشجرى فى مسائل كثيرة، تراها على امتداد «الأمالى»، غير أنى رأيته يتابع آراءه دون أن يصرح، فمن ذلك ما ذكره ابن الشجرى (٢) من أن «حسّانا» فى قول الشاعر:
_________________
(١) نزهة الألباء ص ٤٠٦، وترجمة ابن الشجرى آخر تراجم الكتاب.
(٢) المجلس السادس.
[ المقدمة / ١١٣ ]
قتلنا منهم كلّ فتى أبيض حسّانا
منصوب على الوصف لكل، ثم ذكر البغدادى أن ابن الشجرى تبع سيبويه فى ذلك (١).
ومن ذلك ما ظهر لى من كلام ابن الشجرى فى تأويل قول الراجز:
*أطربا وأنت قنّسرىّ*
قال (٢): «خاطب نفسه مستفهما، وهو مثبت، أى قد طربت، ولا يجوز: هل طربا» فقد رأيت مشابه بين هذا الكلام وقول سيبويه (٣): «ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة هل، أنك تقول للرجل: أطربا؟ وأنت تعلم أنه قد طرب، لتوبخه وتقرره ولا تقول هذا بعد هل».
وقد لا يكون ابن الشجرى أخذ هذا الكلام من سيبويه، فإن ذلك مما يعدّ قدرا مشتركا بين الكتب، ولكنه كلام من نظر فى كتاب سيبويه، بلا ريب.
وهذه مثل أجتزئ بها مما أورده ابن الشجرى، شرحا لكلام سيبويه واحتجاجا لأقواله، وردّا على من خالفه:
١ - نقل ابن الشجرى (٤) عن سيبويه: «وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يفعل ذاك إلا زيدا. هذا وجه الكلام، وإن حملته على الإضمار الذى فى الفعل فقلت: إلا زيد، فرفعت، فعربى، قال الشاعر:
فى ليلة لا نرى بها أحدا يحكى علينا إلا كواكبها
وكذلك: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن رفعت فجائز حسن، وإنما اختير النصب هاهنا، لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، ولا يكون
_________________
(١) الخزانة ٢/ ٤٠٧، والأمر على ما قال البغدادى، فى كتاب سيبويه ٢/ ١١١.
(٢) المجلس الرابع والثلاثون.
(٣) الكتاب ٣/ ١٧٦.
(٤) المجلس الحادى عشر.
[ المقدمة / ١١٤ ]
بدلا إلا من منفى، لأن المبدل منه منصوب منفى، ومضمره مرفوع، فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا من «أحد»، لأنه هو المنفى، وجعلوا «يقول ذاك» وصفا للمنفى، وقد تكلموا بالآخر، لأن معناه معنى المنفى، إذ كان وصفا لمنفى. انتهى كلامه. قال ابن الشجرى: «ومعنى قوله: «تكلموا بالآخر» أى تكلموا بالرفع فى المستثنى» ثم استطرد فى شرح هذه المسألة.
٢ - تكلم سيبويه على حذف الفعل مع «أمّا» من قولهم: «أما أنت منطلقا انطلقت معك»، قال: فإنما هى «أن» ضمت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة واليمانى».
ويتناول ابن الشجرى هذا الكلام الموجز بالشرح والبسط (١).
٣ - رجّح ابن الشجرى (٢) مذهب سيبويه على مذهب الأخفش، فى كون «أنّ» تسدّ مسدّ مفعولين، فى باب ظن وأخواتها.
٤ - حكى ابن الشجرى (٣) مذهب سيبويه فى أن «ما» المصدرية لا تحتاج إلى عائد، وذكر أن أبا الحسن الأخفش كان يخالفه فى ذلك، ويضمر لها عائدا، فهى على قوله اسم، وعلى قول سيبويه حرف.
وقد أبطل ابن الشجرى مذهب الأخفش بقوله: «ومما يبطل قول الأخفش أننا نقول: عجبت مما ضحكت، ومما نام زيد، فنجد «ضحك ونام» خاليين من ضمير عائد على «ما» ظاهر ومقدر، ونجد أبدا عائدا إلى «ما» الخبرية، ظاهرا فى نحو: عجبت مما أخذته، ومما جلبه زيد، ومقدرا فى نحو ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ فإن احتج للأخفش بأن الفعل الذى لا يتعدى إلى مفعول به يتعدى إلى مصدره، كما يتعدى الفعل المتعدى إلى المفعول به إلى مصدره، والفعل إذا ذكر دل بلفظه على مصدره، فنقدر إذن ضميرا يعود على الضحك، فى قولنا: عجبت مما ضحكت،
_________________
(١) المجلس الثانى والأربعون.
(٢) المجلس السابع.
(٣) المجلس الثامن والستون.
[ المقدمة / ١١٥ ]
وضميرا يعود على النوم، فى قولنا: عجبت مما نام زيد، ويجوز أن نبرز هذا الضمير فنقول: عجبت مما ضحكته، ومما نامه زيد، فهذا قد أفسده النحويون بقول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فى قراءة من ضم ياءه وشدّد ذاله، وقالوا: لا يخلو الضمير المحذوف من قوله ﴿يَكْذِبُونَ﴾ أن يعود على القرآن، أو على النبى، أو على المصدر الذى هو التكذيب، فإن أعدناه إلى القرآن أو النبى، فقد استحقوا بذلك العذاب، وإن أعدناه إلى التكذيب لم يستحقوا العذاب، لأنهم إذا كذبوا التكذيب بالقرآن وبالنبى كانوا بذلك مؤمنين، فكيف يكون لهم عذاب أليم بتكذيب التكذيب»؟.
وقد تعقب ابن هشام ابن الشجرى فيما حكاه من إفساد قول الأخفش، قال (١): «وقال ابن الشجرى: أفسد النحويون تقدير الأخفش بقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فقالوا: إن كان الضمير المحذوف للنبى ﵇ أو للقرآن، صحّ المعنى وخلت الصلة عن عائد، أو للتكذيب فسد المعنى، لأنهم إذا كذّبوا التكذيب بالقرآن أو النبى كانوا مؤمنين اه وهذا سهو منه ومنهم، لأن كذبوا ليس واقعا على التكذيب، بل مؤكد به، لأنه مفعول مطلق، لا مفعول به، والمفعول به محذوف أيضا، أى بما كانوا يكذبون النبى أو القرآن تكذيبا، ونظيره: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾.
وقد انتصر ابن الشجرى لسيبويه فى المسألة الزنبوريّة الشهيرة التى جرت بينه وبين الكسائى، ثم انتصر له أيضا فى مواضع أخرى من الأمالى (٢).
وكما نسب ابن الشجرى إلى سيبويه إنشاد شاهد من الشواهد، لم أجده فى المطبوع من الكتاب-ورجعت هذا إلى اختلاف نسخ كتاب سيبويه-كذلك حكى عنه أقوالا لم أجدها فى الكتاب، فمن ذلك: ما حكاه فى معنى «أو»، قال (٣): واختلفوا فى قوله: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فقال بعض
_________________
(١) المغنى ص ٣٣٨.
(٢) انظر المجلسين السابع والعشرين، والحادى والثلاثين، والفقرتين السابعة عشرة والثانية والعشرين من آراء ابن الشجرى، ثم ما كتبته عن الحذوف.
(٣) المجلس الخامس والسبعون، وانظر أيضا المجلس الأول فى الكلام على حذف العائد.
[ المقدمة / ١١٦ ]
الكوفيين: «أو» بمعنى الواو، وقال آخرون منهم: المعنى بل يزيدون، وهذا القول ليس بشىء عند البصريين، وللبصريين فى «أو» هذه ثلاثة أقوال: أحدها قول سيبويه، وهو أن «أو» هاهنا للتخيير، والمعنى أنه إذا رآهم الرائى يخيّر فى أن يقول: هم مائة ألف، وأن يقول: أو يزيدون».
وقد فتّشت فى كتاب سيبويه، فلم أجد فيه شيئا مما حكاه عنه ابن الشجرى، ثم رأيت ابن هشام يشكك فى هذا الذى حكاه ابن الشجرى، قال بعد ذكر هذا الوجه (١): «نقله ابن الشجرى عن سيبويه، وفى ثبوته عنه نظر، ولا يصح التخيير بين شيئين الواقع أحدهما».