ومما يتّصل بأبى البقاء العكبرىّ شرح ديوان المتنبى، الذى ظل ينسب إليه دهرا طويلا، حتى جاء الدكتور مصطفى جواد ﵀، وأثبت أن هذا الشرح ليس للعكبرى (٢)، وأنه لابن عدلان، وهو عفيف الدين أبو الحسن على بن عدلان ابن حماد الربعى الموصلى النحوى المتوفى بالقاهرة سنة ٦٦٦ هـ.
وقد يقوّى رأى الدكتور مصطفى جواد أن أبا البقاء العكبرى لم يذكر ابن الشجرى فى أىّ من كتبه المطبوعة التى رأيتها، على حين نرى شارح ديوان المتنبى كثير النقل عن ابن الشجرى والتصريح باسمه، فلو كان العكبرىّ هو شارح ديوان المتنبى لما اختلف حاله بين شرح الديوان وسائر كتبه.
ومهما يكن من أمر فقد أفاد شارح ديوان المتنبى هذا من ابن الشجرى، وحكى كلامه مصرّحا وغير مصرح، ولست بسبيل ذكر كلّ المواضع التى صرّح فيها الشارح بابن الشجرى، فهى بالغة الكثرة (٣)، ولكنى أدلّ على المواطن التى أغار فيها على كلام ابن الشجرى، من غير تصريح بالنقل عنه:
١ - أورد الشارح إعراب ابن الشجرى لبيت الشماخ (٤):
_________________
(١) مسائل خلافية فى النحو، للعكبرى، تحقيق الدكتور الحلوانى ص ٤٢، وراجع ما سبق فى الفقرة الثالثة والثلاثين من آراء ابن الشجرى النحوية.
(٢) مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق-المجلد الثانى والعشرون ص ٣٧،١١٠ - دمشق ١٣٦٦ هـ -١٩٤٧ م. وانظر ما كتبه الأخ الدكتور عبد الرحمن العثيمين فى مقدمة تحقيق التبيين ص ٤٩.
(٣) انظر مثلا شرح الديوان ١/ ٢٧،٣٧٩،٢/ ٢٣٩،٣٣٩،٣/ ١٦٢،١٦٣،١٩٠، ٤/ ٣٦،١٢٩،١٩٢، وفى بعض هذه المواضع يصرح هذا الشارح بأنه نقل بخطه من أمالى ابن الشجرى، وذلك بعض ما اعتمد عليه الدكتور مصطفى جواد فى ردّ نسبة الشرح إلى العكبرى، إذ كان هذا ضريرا، أضرّ فى صباه بالجدرى.
(٤) شرح الديوان ٢/ ١٧٤ - والأمالى-المجلس الرابع.
[ المقدمة / ١٥٩ ]
إذا الأرطى توسّد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين
٢ - نقل الشارح إعراب ابن الشجرى بحروفه لقول المتنبى (١):
جربت من نار الهوى ما تنطفى نار الغضا وتكلّ عما تحرق
٣ - وحكى توجيهه لقول المتنبى (٢):
كبّرت حول ديارهم لما بدت منها الشموس وليس فيها المشرق
٤ - ونقل تأويله لقول المتنبى (٣):
حشاى على جمر ذكىّ من الهوى وعيناى فى روض من الحسن ترتع
٥ - وذكر إعرابه لقول المتنبى (٤):
يعطى فلا مطله يكدّرها بها ولا منّه ينكّدها
٦ - ولخّص كلامه على قول المتنبى (٥):
ما لمن ينصب الحبائل فى الأر ض ومرجاه أن يصيد الهلالا
٧ - واستاق شرحه لقول المتنبى (٦):
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت فى عين من لا يجرّب
٨ - وفى قول المتنبى (٧):
لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
أخذ الشارح تفسير وإعراب ابن الشجرى بألفاظه، ثم أورد ما أنشده ابن الشجرى من شعر أبى نصر بن نباتة وأبى الفرج بن الببّغاء، على معنى بيت المتنبى.
_________________
(١) شرح الديوان ٢/ ٣٣٣ - والأمالى-المجلس الثانى عشر.
(٢) شرح الديوان ٢/ ٣٣٧، والأمالى-المجلس نفسه.
(٣) شرح الديوان ٢/ ٢٣٥، والأمالى-المجلس الثامن عشر.
(٤) شرح الديوان ١/ ٣٠٤، والأمالى-المجلس التاسع والعشرون.
(٥) شرح الديوان ٣/ ١٤٤، والأمالى-المجلس الحادى والثلاثون.
(٦) شرح الديوان ١/ ١٨٠، والأمالى-المجلس الرابع والسبعون.
(٧) شرح الديوان ٣/ ٢٤٤، والأمالى-المجلس نفسه.
[ المقدمة / ١٦٠ ]
٩ - وسلخ إعراب ابن الشجرى لقول المتنبى (١):
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا تحت الدجى نار الفريق حلولا
ثم أنشد شواهده على مجىء الحال من المضاف إليه، ونقل حكايته عن أبى على الفارسى، فى «المسائل الشيرازيات»، كلّ ذلك فعل، دون أن يصرح بابن الشجرى.
١٠ - وساق كلامه كلّه فى علّة منع الابتداء بالنكرة، والكلام على قول المتنبى (٢):
منّى كنّ لى أن البياض خضاب فيخفى بتبييض القرون شباب
١١ - أفسد الشارح كلام الرّبعىّ بما أفسده به ابن الشجرى، وساق الكلام كأنه من عند نفسه، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن الربعى.
ومن قبل كلّ ذلك ومن بعده، أخذ شارح ديوان المتنبى ما أفرده ابن الشجرى فى المجلس الأخير من «أماليه» لإعجاز أبيات أبى الطيب التى يتمثّل بها، ثم الأبيات التى تعدّ من بدائعه (٣).