الاستشهاد بالحديث النبوىّ، واعتباره مصدرا من مصادر الاحتجاج فى قضايا النحو والصرف، أمر كثر الجدل حوله بين مؤيّد ومعارض، وقد أشبع العلامة البغدادى الكلام فيه (١).
وقد قلّ استشهاد ابن الشجرى بالحديث فى «أماليه» قلّة ظاهرة، بالقياس إلى شواهد القرآن الكريم، وشواهد الشعر القديم والمحدث.
ولم أجد له استشهادا بالحديث على قضايا النحو إلا فى موضعين اثنين من «الأمالى» أولهما ما أورده شاهدا على حذف خبر «إن» فيما رواه (٢) عن أبى عبيد القاسم بن سلام: «أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا وفعلوا بنا وفعلوا، فقال: ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذلك». قوله: «فإن ذلك» معناه: فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم. وهذا كحديثه الآخر: «من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا»، فقوله ﵇: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى.
والموضع الثانى ما ذكره فى الكلام على لام الأمر، قال (٣): إن الأصل فى أمر المواجه أن يستعمل بلام الأمر مع تاء الخطاب، فقد روى عن النبى ﵇ أنه قال فى بعض مغازيه: «لتأخذوا مصافّكم»، وفى قراءة أبىّ: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
_________________
(١) الخزانة ١/ ٩ - ١٥، وينظر أيضا البحث الذى كتبه الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين، عن الاستشهاد بالحديث، فى مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٣/ ١٩٩. ومن الدراسات الحديثة التى عنيت بهذا الموضوع: الحديث النبوى الشريف وأثره فى الدراسات اللغوية والنحوية. للدكتور محمد ضارى حمادى. بغداد ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م. وموقف النحاة من الاحتجاج بالحديث. للدكتورة خديجة الحديثى. بغداد ١٤٠١ هـ-١٩٨١ م. والحديث النبوى فى النحو العربى. للدكتور محمود فجّال. نادى أبها الأدبى. المملكة العربية السعودية ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م. ثم انظر تقدمتى لكتاب الشعر ص ٧١.
(٢) المجلس التاسع والثلاثون.
(٣) المجلس السادس والستون.
[ المقدمة / ٩٧ ]
وقد استشهد ابن الشجرى بالحديث الشريف على مسائل اللغة وتفسيرها، فقال (١) فى شرح الضبع، وهو السنة الشديدة: «ومنه الحديث عن النبى ﵌: «أن رجلا جاءه، فقال: يا رسول الله، أكلتنا الضبع وتقطعت عنا الخنف» قال: عنى بالخنف جمع خنيف، وهو ثوب من كتان رديء».
وذكر فى تفسير «الخير» من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ (٢):
«والخير هاهنا هو الخيل (٣)، وتسميتها بالخير مطابق لقوله ﵇: الخيل معقود فى نواصيها الخير».
وقال (٤) فى شرح «مغيون» من قول الشاعر:
*وإخال أنك سيد مغيون*
مغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه: أى غطّى عليه، وفى الحديث:
«إنه ليغان على قلبى».
واستشهد على تخفيف «هينة» بقوله ﷺ (٥): «المؤمن هين لين».
وقال فى شرح الوكاء، وهو السير الذى يشدّ به رأس القربة (٦): «وشبه رسول الله ﵌، العينين فى اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». قال: «السّه والاست بمعنى» أراد أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ما فى الوعاء، فإذا نام انحل الشداد».
_________________
(١) المجلس الخامس.
(٢) المجلس التاسع.
(٣) المجلس الخامس.
(٤) المجلس السابع عشر.
(٥) المجلسان الخامس والثلاثون، والخامس والأربعون.
(٦) المجلس التاسع والأربعون.
[ المقدمة / ٩٨ ]
وذكر فى المحذوف اللام: «دد»، قال (١): «وقولهم: دد، أصله ددن، وهو اللهو واللعب، وجاء فى الحديث عنه ﵌: «ما أنا من دد ولا الدّد منى» وقال عدىّ بن زيد العبادىّ:
أيها القلب تعلّل بددن إنّ همّى فى سماع وأذن
الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا: إذا استمع، وفى المأثور عنه ﵇: ما أذن الله لشيء كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن».
ثم استشهد ابن الشجرى بالحديث على قضايا من علم البلاغة، فى أربعة مواضع من الأمالى:
الأول: ما أورده (٢) فى مبحث الاستعارة، قال: «ومن ذلك استعارة النبى ﷺ للغيرة أنفا، وقد رأى عليا وفاطمة ﵉، فى بيت، فردّ الباب عليهما وقال: جدع الحلال أنف الغيرة».
قلت: لم أجد هذا الحديث فيما بين يدى من كتب السنة، ولا فى كتب غريب الحديث التى أعرفها، وكذلك لم أجده فى المظان الأخرى، مثل المجازات النبوية للشريف الرضى، ونهج البلاغة-اعتمادا على فهارسه-ثم وجدت الثعالبى (٣) يقول عند كلامه على «أنف الكرم»: قد تصرف الناس فى استعارة الأنف، بين الإصابة والمقاربة، وأحسن وأبلغ ما سمعت فيها قول النبى ﷺ:
«جدع الحلال أنف الغيرة».
وذكره الميدانى (٤)، ثم قال: «قاله ﷺ، ليلة زفّت فاطمة إلى على رضى الله تعالى عنهما، وهذا حديث يروى عن الحجاج بن منهال، يرفعه».
والثانى (٥): ما استشهد به على خروج الخبر إلى الأمر، من قوله ﷺ:
_________________
(١) المجلس التاسع والأربعون.
(٢) المجلس الحادى والثلاثون.
(٣) ثمار القلوب ص ٣٣٠.
(٤) مجمع الأمثال ١/ ١٦٣. وذكره أيضا أبو هلال، فى ديوان المعانى ١/ ١٠١،٢/ ٩٥.
(٥) المجلس الثالث والثلاثون.
[ المقدمة / ٩٩ ]
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، قال: أى اقرءوا فى الصلوات الفاتحة.
والثالث (١): ما ذكره من شواهد خروج صيغة الأمر إلى الندب والاستحباب، من قوله ﷺ: «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل».
والرابع (٢): ما أورده من شواهد النهى، وقوله ﷺ: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا».
وفى هذا الموضع استشهد بحديث شريف، على خروج النهى إلى معنى التنزيه، قال: وقد ترد هذه الصيغة، والمراد بها التنزيه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أى لا تتركوه، وليس ذلك بحتم، وكقول النبى ﵌: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلا بدليل.