لا أعرف كتابا نحويّا قبل كتاب ابن الشجرى، ضمّ هذا القدر الضخم من الشواهد الشعرية، فقد بلغت شواهده أكثر من مائة وألف (١) بيت (١١٠٠)، ولم أدخل فى هذا العدد ما أورده ابن الشجرى فى المجلس الأخير، من أبيات كثيرة للمتنبى، مما يتمثّل به، ولم أعتبر فى هذا العدد أيضا الشواهد المكررة، فكثير من الشواهد قد تكرر مرتين، وبعضها تكرر ثلاثة وأربع مرات، وبعض ثالث تكرر خمس مرات، كقول القائل:
إذا نهى السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف
ونعم ليست هذه الشواهد كلّها خالصة للنحو والصرف، ففيها من شواهد اللغة والأدب والبلاغة والعروض والقوافى، أبيات ذوات عدد، لكن يبقى القدر الأكبر خالصا للنحو والصرف.
وشواهد ابن الشجرى منتزعة من شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين والمحدّثين، والاستشهاد بشعر هذه الطبقة الأخيرة محل خلاف، تكلم عليه البغدادى (٢)، وأفاد أن الطبقتين الأوليين يستشهد بشعرهما إجماعا، وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا، وقيل: يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشرى.
وقد استكثر ابن الشجرى من شعر الشعراء المحدثين، أمثال دعبل الخزاعى، ومروان بن أبى حفصة (٣) -ونص على أنهما من المحدثين-وابن المعتز وأبى تمام والبحترى وابن نباتة، ومن إليهم.
_________________
(١) بلغت شواهد سيبويه-فيما أحصاه أستاذنا أحمد راتب النفاخ-سبعة وأربعين بيتا وألف بيت (١٠٤٧) فهرس شواهد سيبويه ص ٩.
(٢) الخزانة ١/ ٦.
(٣) المجالس: التاسع، والحادى والثلاثون، والثانى والثلاثون.
[ المقدمة / ١٠٢ ]
وكأنما أحسّ ابن الشجرى حرجا أو نقدا، فى إيراده لشعر هؤلاء المحدثين والاحتجاج به، فقال فى مبحث النداء، عند ما استشهد ببيت للشريف الرضى (١): «ومن وصف الليل بالقصر، لما نال واصفه فيه من السرور، وأحسن ما شاء، قول الشريف أبى الحسن الرضى، ﵁ وأرضاه، وإن كان متأخرا، فإنما نسج المتأخّرون على منوال المتقدمين:
يا ليلة كاد من تقاصرها يعثر فيها العشاء بالسّحر
ولابن الشجرى عناية خاصة بالشريف الرضى، فقد أنشد له واستشهد به فى بعض مجالسه، ثم أفرد المجلس الثانى والستين لشرح قصيدته النونية التى مطلعها:
ما زلت أطرف المنازل بالنّوى حتى نزلت منازل النعمان
وقد أتى فى هذا الشرح على مسائل جياد من النحو واللغة والأدب.
ويقف أبو الطيب المتنبى على رأس الشعراء المحدثين الذين استشهد بشعرهم ابن الشجرى، فقد ذكر شعره فى خمسة وثمانين موضعا من الأمالى، عدا المجلس الأخير الذى قصره على التنبيه على فضائله، وأورد فيه غررا من حكمه وشعره الذى يتمثل به.
وقد أورد ابن الشجرى شعر المتنبى، مستشهدا به على إعراب أو قاعدة، ومتعقبا شرّاحه: ابن جنى وأبا العلاء المعرى وابن فورجة، والتبريزى، ومن إليهم، وشارحا ومعربا ما أهمله هؤلاء الشراح. قال فى إعراب بيت المتنبى:
أىّ يوم سررتنى بوصال لم ترعنى ثلاثة بصدود
«(٢) وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسّروه، فأنبه على معنى أو إعراب أغفلوه، وهذا البيت لبعده من التكلف، وخلوّه من التعسّف، وسرعة انصبابه إلى السمع وتولّجه فى القلب، أهملوا تأمله فخفى عنهم ما فيه».
_________________
(١) المجلس الخامس والثلاثون وانظر عن الاستشهاد بشعر المحدثين، تقدمتى لكتاب الشعر ص ٧٣.
(٢) المجلس الثانى عشر.
[ المقدمة / ١٠٣ ]
وقال فى قوله:
جرّبت من نار الهوى ما تنطفى نار الغضا وتكلّ عما تحرق
«(١) وهذا البيت أيضا مما أمرّوه على أسماعهم إمرارا، فلم يعطوه حصّة من التفكّر، ولم يولوه طرفا من التأمل».
وابن الشجرى بهذه المثابة يعدّ من شرّاح المتنبى، فما أورده من شعره والكلام عليه ينهض كتابا مستقلا، يضمّ إلى ما كتب عن أبى الطيب، ولعل الله ييسّر لى صنع هذا الكتاب الذى يعين على فهم شعر المتنبى والإبانة عنه.
ولندع حديث أبى الطيب، وشعر المحدثين، ولنفرغ إلى منهج ابن الشجرى فى شواهده الشعرية، فأقول: إن اشتغال ابن الشجرى برواية الأدب وجمع الشعر قد أعاناه على اختيار شواهده الشعرية من أوثق النصوص وأبعدها عن الشكّ والوضع، وحين عرض لبعض الشواهد الموضوعة لغاية تعليمية، نصّ على أنها مصنوعة، فقال فى قول الراجز (٢):
إنّ هند الكريمة الحسناء وأى من أضمرت لوأى وفاء
«وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال تداولها ألسن الممتحنين».
ويتنبه ابن الشجرى لمظنّة صنع الشاهد، ويدفعها بإنشاد بيت قبله وبيت بعده، ليدلّ على أن الشاهد منتزع من قصيدة، فقد استشهد على مجىء اسم «لا» العاملة عمل «ليس» معرفة، فقال (٣): «ومرّ بى بيت للنابغة الجعدى، فيه مرفوع «لا» معرفة، وهو:
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ سواها ولا عن حبّها متراخيا
_________________
(١) المجلس الثانى عشر، وأنبه هنا إلى أن شرح ابن الشجرى للمتنبى كان مددا وعونا لبعض شراحه، مما يأتى بسط الكلام عليه فى (أثر ابن الشجرى فى الدراسات النحوية) إن شاء الله.
(٢) المجلس الثامن والثلاثون.
(٣) المجلس الخامس والثلاثون.
[ المقدمة / ١٠٤ ]
وقبله:
دنت فعل ذى حبّ فلما تبعتها تولّت وردّت حاجتى فى فؤاديا
وبعده:
وقد طال عهدى بالشباب وظلّه ولاقيت أياما تشيب النواصيا
وإنما ذكرت هذين البيتين، مستدلا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهم متوهم أن البيت فرد مصنوع، لأن إسكان الياء فى قوله: «متراخيا» ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطويل الثالث، مثل:
أقيموا بنى النعمان عنا صدوركم وإلاّ تقيموا صاغرين الرءوسا
وابن الشجرى حريص على الدقة فى رواية الشعر، والاحتياط لأمن اللّبس، وسلامة القواعد، فيقول فى بيت ابن أحمر (١):
على حيين فى عامين شتا فقد عنّا طلابهما وطالا
«ومعنى «شتا» افترقا، ولا يجوز أن تكتب «شتا» هاهنا بالياء، كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾، لأن ألف «شتّا» فى البيت ضمير، و«شتى» فى الآية اسم على فعلى، جمع شتيت، كقتيل وقتلى، وإنما ذكرت هذا، لأنى وجدته فى نسخة بالياء».
وقال فى قوله من القصيدة نفسها:
وجرد يعله الداعى إليها متى ركب الفوارس أو متالا
«(٢) ومتى هاهنا شرط، وجوابه محذوف للدلالة عليه، فالتقدير: متى ركب الفوارس أو متى لم يركبوا، عله الداعى إليها. . . وينبغى أن تكتب «متالا» الثانية بالألف، لأن ألفها ردف، وإذا صوّرتها ياء كان ذلك داعيا إلى جواز إمالتها، وإمالتها تقربها من الياء، وإذا كانت الألف ردفا، انفردت بالقصيدة أو المقطوعة.
_________________
(١) المجلس الحادى والعشرون.
(٢) المجلس الثانى والعشرون.
[ المقدمة / ١٠٥ ]
ويظهر إجلال ابن الشجرى للشعر القديم، والاحتجاج به، فيما تعقب (١) به أبا العباس المبرد، فى طعنه على قصيدة يزيد بن الحكم الثقفى، وقوله: «إن فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا عن القياس، فلا معرّج على هذا البيت» (٢).
فقال ابن الشجرى: إن الحرف الشاذ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء فى شعر لأعرابى:
*لولاك هذا العام لم أحجج*
ولا يقف ابن الشجرى فى إيراد الشاهد عند حدود الغرض النحوى الذى سيق له، بل يستطرد إلى شرح غريبه وتفسير معناه، مازجا النحو باللغة والأدب، فإذا وجد خطأ لبعض الشراح نبّه عليه، ومن ذلك بيت الحطيئة، وأورده شاهدا على إضافة المصدر إلى المفعول:
أمن رسم دار مربع ومصيف لعينيك من ماء الشئون وكيف
قال (٣): الرسم هاهنا مصدر رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر الربيع، والمصيف: مطر الصيف، ومن فسّر شعر الحطيئة من اللغويين فسّروا الرسم بالأثر، وفسروا المربع بأنه المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتصل عجز البيت بصدره على هذا التقدير، وتكون «من» فى هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر دار منزل فى الربيع، وهى فى قول بعض النحويين بمعنى لام العلة، مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى
_________________
(١) المجلس السابع والعشرون.
(٢) يريد قوله: وكم موطن لولاى طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوى وهو شاهد على وقوع الضمير المتصل بعد «لولا»، وقد منعه المبرد.
(٣) المجلس الثانى والأربعون.
[ المقدمة / ١٠٦ ]
لإملاق، وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك، والصحيح ما ذهب إليه النحويون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثّر فى دار مطر ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف من ماء الشئون؟