لم يعرض ابن الشجرى لأصل من الأصول أو قاعدة من القواعد إلا استشهد لها بآية أو أكثر من الكتاب العزيز. وقد استكثر ابن الشجرى من شواهد القرآن الكريم، فيما عرض له من مسائل الإعراب والحذوف والأدوات، ثم عقد أبوابا وفصولا خاصة لبعض آى الذكر الحكيم: تفسيرا وإعرابا (١)، بل إنه قصر المجلسين الحادى والثمانين والذى بعده، على ذكر زلات مكى بن أبى طالب المغربى، فى كتابه مشكل إعراب القرآن الكريم.
ولعل خير ما يكشف عن منهج ابن الشجرى فى تناوله لتفسير وإعراب القرآن الكريم هذان المثلان، مما ذكره فى المجلس العاشر.
قال: سألنى سائل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فقال: ما معنى تستجيبون بحمده؟ وبم تتعلق الباء؟ فقد زعم بعض المفسرين أن معنى بحمده: بأمره.
وقال فى الموضع الآخر: سألنى سائل مكاتبة عن قوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ الآية، فقال: ما معنى الاصطفاء، وما أصله الذى اشتق منه، وما حقيقة معنى المقتصد، وإلى أى شيء هذا السبق، وما معنى الخيرات هاهنا، وكيف دخل الظالم لنفسه فى الذين اصطفاهم الله، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ وإلى أى شيء تتوجه الإشارة فى قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾؟
وقد أجاب ابن الشجرى عن السؤالين إجابة العالم المتمكن.
ولم يخل ابن الشجرى «أماليه» من مسائل الصرف فى آى القرآن الكريم، وقد ذكر من هذه المسائل الكثير على امتداد مجالسه، ثم أفرد فى المجلس الرابع
_________________
(١) أمثلة ذلك فى المجالس: السابع والثامن والتاسع، والثانى والعشرين والثالث والعشرين، والحادى والثلاثين، والحادى والستين، والثالث والستين، والرابع والستين، والسادس والسبعين.
[ المقدمة / ٩٢ ]
والستين مسألة للكلام على «ترين». قال: سئلت عن (ترينّ) فى قول الله سبحانه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ وذكر السائل لى أن الواعظ المعروف بالشعرى امتحن الناس بهذه اللفظة على الكرسى، فقال: ما المحذوف منها، وما وزنها؟ فرأيت أن أقدم أسّا يبنى الكلام فيها عليه.
ثم أجاب ابن الشجرى بكلام طويل، تضمن فوائد صرفية جيدة، وقال فى آخر إجابته: «فأحسن تأمل ما ذكرته، فقد بالغت فى إيضاح المسئول عنه بتوفيق الله».
ومسألة «ترينّ» مما أكثر الصرفيّون الكلام فيه، ولم أجد أحدا من السابقين على ابن الشجرى-فيما بين يدىّ من كتبهم المطبوعة-أشبع الكلام فيها على هذا النحو.
وقد انتزع ابن الشجرى شواهد كثيرة من الكتاب الحكيم لما عرض له من مسائل علم البلاغة، فقد استشهد للاستعارة والتكرير والترصيع والخبر والاستفهام والأمر والنهى (١)، ثم كانت له مع المفسرين وقفات، ردّ عليهم فى بعضها، وزاد على أقوالهم فى بعضها الآخر (٢).
وقد عرض ابن الشجرى لبعض الآيات المشكلة التى يشكك بها الملاحدة، قال فى المجلس الثامن: «تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ هذه الآية من الآى المشكلة التى تعلقت بها الملحدة، وأنا إن شاء الله أكشف لك غموضها وأبرز مكنونها. . . .» إلى آخر ما ذكر.
وابن الشجرى فيما استخرجه من شواهد القرآن الكريم-نحوا وصرفا ولغة ومعانى-يحرص كثيرا على ضمّ النظير إلى نظيره، وربط آى القرآن بعضها ببعض، وذلك (٣) «لأن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة» قالوا: والذى يدل
_________________
(١) المجالس: الحادى والثلاثون، والثانى والثلاثون، والرابع والثلاثون.
(٢) المجالس: الثانى والخمسون، والثالث والستون، والخامس والسبعون.
(٣) المجلسان: الرابع والأربعون، والسابع والستون.
[ المقدمة / ٩٣ ]
على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله:
﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ جاء جوابه فى سورة أخرى:
﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
وأمام هذا الحشد الهائل من شواهد الكتاب العزيز التى زخرت بها «الأمالى» وقع ابن الشجرى فى بعض الاختلاف والاضطراب والأخطاء، فقد استشهد على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بشواهد كثيرة، ذكر منها قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ ذكر ذلك فى المجلس الثامن عشر، ثم أعاد الآية الكريمة فى المجلسين التاسع والثلاثين والأربعين، شاهدا على حذف المفعول، وقد تعقّبه الزركشى (١)، فقال فى أثناء كلامه على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: «وجعل منه ابن الشجرى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وقد سبق أنه على حذف المفعول، فلا التفات». هذا كلام الزركشى، وقد خفى عنه الموضع الثانى الذى ذكر فيه ابن الشجرى أنه على حذف المفعول.
وأخطأ ابن الشجرى فى بعض تلاوات القرآن الكريم، وقد نبهت عليه فى حواشى التحقيق (٢). وما ينبغى أن تحمل مثل هذه الأخطاء على أوهام النّسّاخ، فالخطأ ثابت فى كلتا النسختين المخطوطتين من الأمالى، وأيضا فإن بعض هذه الأخطاء ثابت فى خزانة الأدب للبغدادى فيما حكاه عن ابن الشجرى.
_________________
(١) البرهان ٣/ ٣١٩.
(٢) المجالس: الرابع والثلاثون، والتاسع والثلاثون، والثالث والأربعون، والثامن والأربعون.
[ المقدمة / ٩٤ ]