وإذا فرغت من بيان آراء ابن الشجرى، والكشف عن مصادره وموارده، وأثره فيمن جاء بعده من النحاة، يأتى السؤال التقليديّ: أين يقف ابن الشجرى من المدارس النحوية: بصرية وكوفية وبغدادية؟
وقد كفانا ابن الشجرى مئونة البحث والاستنتاج، حين نسب نفسه صراحة إلى البصريين، وذلك قوله فى سرد حجج البصريين فى فعلية «أفعل التعجب»:
«لأصحابنا» وقوله: «ومن أدلّة مذهبنا» (١).
ثم إن ابن الشجرى موصول النّسب النحوىّ بالبصرية، فإن سلسلة شيوخه كلها من نحاة البصرة، وقد ذكرتها نقلا عن تلميذه أبى البركات الأنبارى، فى أثناء حديثى عن سيبويه. وتبدو بصرية ابن الشجرى على امتداد كتابه «الأمالى» ودلائلها كثيرة، لعل من أبرزها موقفه من الخلاف بين سيبويه والكسائى، فى المسألة الزنبورية، وانتصاره لسيبويه، ثم من الخلاف بين البصريين والكوفيين، فى «نعم وبئس» و«أفعل التعجب»، واختياره جانب البصريين-وقد أشرت إلى ذلك من قبل-ثم ما وراء ذلك من استعمال المصطلحات البصرية.
وقد أعمل ابن الشجرى القياس، وأجرى العلّة، واعتبر العامل، لفظيّا ومعنويّا، كلّ ذلك فعل، فى مسائل النحو والصرف واللغة، وفق المنهج البصرى (٢).
وقد صحّح ابن الشجرى آراء البصريين فى مواضع من الأمالى، منها رأيهم فى
_________________
(١) المجلس التاسع والخمسون.
(٢) أكثر الدارسون، قديما وحديثا، من الكلام على القياس والعلة والعامل، مما يجعل التعرض لذلك ضربا من اللغو والهذر، وتسويد الصفحات بما لا طائل تحته ولا غناء فيه. وبحسبى أن أشير إلى بعض المواضع التى عالج فيها ابن الشجرى القياس والعلة والعامل، وتراها فى المجالس: الأول والسابع والثامن، والثالث والعشرين والخامس والعشرين، والحادى والثلاثين والثانى والثلاثين، والثانى والأربعين والرابع والأربعين، والثامن والخمسين، والثالث والستين، والسبعين.
[ المقدمة / ١٨٠ ]
عدم الجمع بين حرف النداء والميم فى «اللهم» (١)، ومنها قولهم فى أن الفتحة فى نحو «لا رجل فى الدار» بناء يشبه الإعراب (٢).
هذا وقد جرت قواعد البصريين على لسان ابن الشجرى، من غير أن يصرّح بنسبتها إليهم، وهو مما ظهر لى فى أثناء تحقيق الجزء الأول من الأمالى، فمن ذلك:
١ - تعليل استعمال الجمع مكان المثنى، فى نحو «ما أحسن وجوه الرجلين» ذكره ابن الشجرى، وحكاه عنه البغدادى، ثم قال (٣): «وهذا علّة البصريين».
٢ - ذكر ابن الشجرى أن الضّعف والضّعف، بفتح الضاد وضمها، لغتان، كالزّعم والزّعم، والفقر والفقر، قال: وزعم قوم أن الضّعف بالضم، فى الجسم، والضّعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد عليه، لأن القرّاء قد ضمّوا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾.
هذا كلام ابن الشجرى (٤)، وهو راجع إلى رأى أهل البصرة، كما جاء فى اللسان، مادة (ضعف).
٣ - قال ابن الشجرى فى قول الأعشى:
*يقولون أصبح ليل والليل عاتم*
أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صح أن يكون المنادى صفة لأىّ، قليل، لشذوذه عن القياس (٥).
وقد أفاد الشيخ خالد الأزهرى أن هذا رأى البصريين (٦).
_________________
(١) المجلس السادس والخمسون.
(٢) المجلس السابع والستون.
(٣) الخزانة ٣/ ٣٧٠، والأمالى-المجلس الثانى.
(٤) المجلس الحادى والثلاثون.
(٥) المجلس الخامس والثلاثون.
(٦) التصريح على التوضيح ٢/ ١٦٥.
[ المقدمة / ١٨١ ]
٤ - ذكر ابن الشجرى أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له- خبرا أو وصفا-لزمك إبراز ضمير المتكلم والمخاطب والغائب (١). وهذا هو رأى البصريين، وقد عقد له أبو البركات الأنبارى مسألة فى الإنصاف (٢).
٥ - حكى ابن الشجرى عن المبرد-وهو من أئمة البصريين-أن المراد فى قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: ولدار الساعة الآخرة، على تقدير حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه (٣).
وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الكوفيين يجعلون هذا ونحوه من باب إضافة الشىء إلى نفسه، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى.
٦ - ذكر ابن الشجرى أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ (٤). وهذا مذهب البصريين، وأشهر شواهده قوله تعالى:
﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾.
٧ - ذكر ابن الشجرى (٥) من حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، أى: وقد اتبعك الأرذلون، أى:
أنؤمن لك فى هذه الحال. قال: وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا، لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدرة.
وهذا قول البصريين، كما ذكر الأنبارىّ (٦).
ومع ولاء ابن الشجرى للمدرسة البصرية، ونزوعه إلى آرائها، فإنه قد خالف عن أقوالها، فيما تعقّب به المبرد ومن إليه من أعلام هذه المدرسة، وقد عرضت لذلك فى حديثى عن مصادره.
_________________
(١) المجلس التاسع والثلاثون.
(٢) الإنصاف (المسألة الثامنة) ص ٥٧.
(٣) المجلس التاسع والثلاثون.
(٤) المجلس الحادى والأربعون.
(٥) المجلس الرابع والأربعون.
(٦) الإنصاف (المسألة الثانية والثلاثون) ص ٢٥٢.
[ المقدمة / ١٨٢ ]
ثم رأيته قد خالف البصرية فى توجيه الباء فى قوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فهو يرى أن الباء هنا بمعنى «عن»، وأن المراد: فاسأل عنه خبيرا (١).
وأهل البصرة على غير هذا. قال ابن هشام (٢): وتأول البصريون ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ على أن الباء للسببيّة، وزعموا أنها لا تكون بمعنى «عن» أصلا، وفيه بعد، لأنه لا يقتضى قولك: سألت بسببه، أن المجرور هو المسئول عنه.
_________________
(١) المجلس السبعون.
(٢) المغنى ص ١١٠، وراجع دراسات لأسلوب القرآن الكريم ٢/ ١٧.
[ المقدمة / ١٨٣ ]