ابن الشجرى من ذرية جعفر بن الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب، ﵃، فهو حسنى علوى، وقد عدّه مؤرخو (١) الشيعة من مشايخ الإمامية وأكابر علمائهم. وقد تولى ابن الشجرى نقابة الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده (٢) الطاهر، وهو منصب دينى رفيع، يكون لمن يتولاه رعاية شئون أتباعه وتفقد أحوالهم، وتقسيم الأموال عليهم، وإليه معرفة أنسابهم وحفظها.
ومع انتماء ابن الشجرى للعلويّة، وكونه من أكابر علماء الإمامية، لم يؤثر عنه أنه ألّف أو كتب شيئا عن عقيدة القوم وأصول مذهبهم، بل دارت تصانيفه فى فلك النحو واللغة والأدب، ولم يظهر فى شيء من تصانيفه-وبخاصة الأمالى وهى أعظم تصانيفه-شيء من عقائد الشيعة أو أصول الإمامية، إلا ما كان من حكاية أقوال سيدنا على بن أبى طالب (٣) ﵁، وكلامه كرم الله وجهه فى الذروة من الفصاحة والبلاغة، إذ كان مشتملا على كريم الألفاظ وشريف المعانى، والاستشهاد بكلام الإمام على، ليس وقفا على الشيعة، فأنت تراه فى كتبهم وكتب مخالفيهم، من علماء اللغة والأدب والبلاغة.
على أن استشهاد ابن الشجرى بكلام الإمام لم يأت مفتعلا متكلّفا، بل جاء فى حاقّ موضعه من الاستشهاد على مسائل النحو واللغة، ثم إن ابن الشجرى قد استشهد أيضا بكلام سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، على خروج النداء إلى الاستغاثة (٤)، ثم ترضّى عليه، وعلى سيدنا أبى بكر الصديق، وسيدنا عثمان بن عفان، ﵃ أجمعين (٥).
_________________
(١) راجع الدرجات الرفيعة، وأعيان الشيعة، الموضع المذكور فى صدر الترجمة.
(٢) جاء فى بعض مصادر ترجمة ابن الشجرى: «نيابة عن ولد الطاهر» وفى بعضها: «نيابة عن الطاهر» وقد صحح العلامة الشيخ محمد بهجة الأثرى أن الصواب: «والده الطاهر» كما فى وفيات الأعيان وغيره. راجع الموضع المذكور من الخريدة فى صدر الترجمة.
(٣) راجع الأمالى-المجلس الخامس والثلاثين، والثانى والستين (فى موضعين).
(٤) المجلس الخامس والثلاثون من الأمالى.
(٥) المجلس السادس والعشرون.
[ المقدمة / ٢٨ ]
وليس من التشيع أيضا استشهاده بشعر الشريف الرضى (١)، وشرحه المستفيض لقصيدة من قصائده الجياد، فالشريف الرضى من فحول شعراء العربية، وتأمل شعره وشرحه حقّ على كل ذى بيان.
ثم ليس من التشيع الخالص أخيرا ما حكاه ابن الشجرى من قول الإمام الحسن البصرى، فى وصف سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه، قال (٢):
«وقال رجل للحسن البصرى: يا أبا سعيد إن العامة تزعم أنك تبغض عليا، فأكب يبكى طويلا، ثم رفع رأسه، وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى الله على أعدائه، ربّانىّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسو الله ﵌ قريبة، لم يكن بالنّومة عن حق الله، ولا بالغافل عن أمر الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه فى ماله وعليه، فأشرف منها على رياض مؤنقة وأعلام بيّنة، ذلك على بن أبى طالب يا لكع».
فلو لم يكن فى هذا الكلام إلا ما تراه من حلاوة اللفظ وكمال المعنى، لكان ذلك من أقوى الأسباب إلى نشره وإذاعته.
_________________
(١) انظر ما يأتى عن الاستشهاد عند ابن الشجرى.
(٢) المجلس السابع والخمسون، وساقه ابن الشجرى شاهدا على استعمال «يا لكع» فى النداء.
[ المقدمة / ٢٩ ]