قال أطال الله بقاءه (٣): إنما وجب بناء ما قبل ياء المتكلّم على الكسرة؛ لأنهم لو أعربوه لم تسلم الياء مع الضم والفتح، إذ الضمّ يقتضى قلبها إلى الواو، والفتح يقتضى قلبها ألفا.
فإن قيل: قد فعلوا ذلك فى نحو يا غلاما.
_________________
(١) عمر بن محمد بن معمّر-بتشديد الميم-بن طبرزد. محدّث مشهور، سمع وحدّث كثيرا، مولده سنة ٥١٦، وتوفى ببغداد سنة ٦٠٧. وفيات الأعيان ٣/ ١٢٤، والعبر ٥/ ٢٤. وطبرزد، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الزاى، فارسى، وهو نوع من السّكّر. وفيات الأعيان، والمعرّب للجواليقى ص ٢٢٨.
(٢) لم يرد هذا الإسناد فى الأصل، وأثبتّه من هـ.
(٣) فى هـ: ﵁.
[ ١ / ٢١٩ ]
قيل: إنما فعلوا ذلك فى النداء؛ لأنه باب تغيير وتخفيف لكثرة استعماله، وجاء ذلك فيه قليلا، والأكثر: يا غلامى، فلما تعذّر رفع الحرف المتصل بهذه/الياء ونصبه، كسروه ليسلم.
حكم أبو الفتح عثمان بن جنّى فى كتابه الذى سماه (كتاب الخصائص) (١) على الكسرة فى غلامى ونحوه بأنها لا حركة إعراب ولا حركة بناء، وإنما حكم بذلك لأن الاسم الذى اتصلت به الياء لم يشبه الحرف، ولا تضمن معناه.
وأقول (٢): إن هذه الحركة (٣) حركة بناء كحركة التقاء الساكنين فى نحو لم يخرج القوم، و﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ (٤) وإن كانت فى كلمة معربة. وأقول: إن كلّ حركة لم تحدث (٥) عن عامل حركة بناء، كما حكم أبو علىّ فى الباب الثانى من الجزء الثانى (٦) من كتاب الإيضاح، بأن حركة التقاء الساكنين حركة بناء، وذلك فى قوله:
«وحركات البناء التى تتعاقب على أواخر هذه المبنية نحو حركة التقاء الساكنين فى اردد القوم».
ألا ترى أن أبا الفتح قد نصّ على ما قلته فى قوله: الإعراب ضد البناء فى المعنى ومثله فى اللفظ، والفرق بينهما زوال الإعراب لتغيّر العامل، وانتقاله (٧)، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته.
أراد أن البناء حدوثه عن علّة لا عن عامل، فالعلّة التى أوجبت الكسرة فى لم يخرج القوم التقاء الساكنين، والعلة التى أوجبت الكسرة فى غلامى ونحوه انقلاب الياء واوا لو ضمّ ما قبلها، وانقلابها ألفا لو فتح ما قبلها.
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٣٥٦ (باب فى الحكم يقف بين الحكمين)، وينظر أيضا ٣/ ٥٧، وشرح المفصل ٣/ ٣٢، والتبيين للعكبرى ص ١٥٠، وحواشيه.
(٢) فى هـ: فأقول.
(٣) فى الأصل: «إن هذه الحركة التقاء الساكنين» وأثبتّ ما فى هـ.
(٤) سورة آل عمران ٢٨.
(٥) فى هـ: من.
(٦) وهو التكملة ص ٥.
(٧) فى هـ: وانتفائه.
[ ١ / ٤ ]
(مسألة) قال حرس الله نعمته (١): استدلوا على أن الظرف إذا وقع خبرا تضمن ضميرا منتقلا إليه (٢) من الخبر الأصلىّ المرفوض استعماله، وهو مستقر أو كائن، أو نحو ذلك بقول كثيّر (٣):
/فإن يك جثمانى بأرض سواكم فإنّ فؤادى عندك الدّهر أجمع
إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها فظلّت لها نفسى تتوق وتنزع
ووجه هذا الاستدلال أن قوله: «أجمع» لا بد أن يكون تابعا لمرفوع، وليس فى قوله: «فإن فؤادى عندك الدهر» مرفوع ظاهر، فلم يبق إلا أن يكون تابعا للضمير المستكن فى قوله: «عندك».
(مسألة) قال كبت الله أعداءه (٤): حذف الضمير العائد من الصلة أقيس من حذف العائد من الصفة، لأن الصلة تلزم الموصول، ولا تلزم الصفة الموصوف، فتنزّل الموصول (٥) والصلة منزلة اسم واحد، فحسن الحذف (٦) لما جرت أربعة أشياء مجرى شيء واحد، وهى الموصول والفعل والفاعل والمفعول، وإنما شبّهوا الصفة بالصلة من حيث كانت موضّحة للموصوف، كما توضّح الصلة الموصول، ومن حيث كانت الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما لا تعمل الصلة فى الموصول، فحذفوا العائد من الجملة الوصفية، كما حذفوه من الجملة الموصول بها فى نحو: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ (٧)، وذلك نحو قول الحارث بن كلدة (٨) الثقفىّ:
_________________
(١) فى هـ: ﵁.
(٢) فى الأصل: عن.
(٣) ديوانه ص ٤٠٤، والبيتان ينسبان أيضا إلى جميل، ديوانه ص ١١٨، وانظر معجم شواهد العربية ص ٢١٧، وقد أنشد ابن الشجرى البيت الأول مرة أخرى فى المجلس المتمّ الأربعين، منسوبا لكثيّر أيضا.
(٤) فى هـ: تغمّده الله برضوانه.
(٥) فى الأصل «الصلة والموصول»، وأثبتّ ما فى هـ، وسيأتى نظيره فى المجلس المتم الأربعين.
(٦) أعاده ابن الشجرى فى المجلس المذكور، وهو مأخوذ من كلام أبى العباس المبرد، فى كتابه المقتضب ١/ ١٩. وانظر ما يأتى فى المجلسين الرابع عشر، والأربعين.
(٧) سورة الفرقان ٤١، وانظر البرهان ٣/ ١٦٠،١٦١، فقد نقل الزركشى كلام ابن الشجرى هذا فى الحذف.
(٨) فى هـ: «حلزة» وهو خطأ، وسيأتى الكلام عليه قريبا مع بقية الأبيات.
[ ١ / ٥ ]
فما أدرى أغيّرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا
وقول جرير (١):
أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
التقدير: أصابوه، وحميته.
وقد حذفوا العائد المجرور مع الجارّ كقول كثيّر (٢):
/من اليوم زوراها خليلىّ إنها سيأتى عليها حقبة لا نزورها
التقدير: لا نزورها فيها، ومثله فى التنزيل: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣) التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٤) وكذلك تقدّر فى الجمل المعطوفة على الأولى، لأن حكمهنّ حكمها، فالتقدير ولا تقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه.
واختلف النحويون فى هذا الحرف، فقال الكسائى: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا الهاء، أراد أن الجارّ حذف أولا، ثم حذف العائد ثانيا.
وقال نحويّ آخر: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا «فيه».
وقال أكثر أهل العربية، منهم سيبويه، والأخفش: يجوز الأمران (٥).
_________________
(١) ديوانه ص ٨٩، وقد أنشده المصنف أيضا فى المجلسين الثانى عشر، والأربعين، وانظر الشعر ٣٨٨، وحواشيه، ومعجم الشواهد ص ٨٨، والجمل المنسوب للخليل ص ٣٦.
(٢) ليس فى ديوانه كثير المطبوع بتحقيق الدكتور إحسان عباس، ولم أجده فى كتب النحو والتفسير واللغة التى بين يدىّ.
(٣) سورة البقرة ٤٨،١٢٣.
(٤) سورة البقرة ٢٨١.
(٥) تفصيل هذه المسألة تجده فى الكتاب ١/ ٣٨٦، ومعانى القرآن للفراء ١/ ٣٢، وللأخفش ص ٨٨، ومجالس ثعلب ص ٤٠٣، والشعر ص ٢٣٤، والعسكريات ص ١٩١، وتفسير الطبرى ٢/ ٢٧، وشرح الحماسة ص ٣٣، والبحر المحيط ١/ ١٨٩، ومغنى اللبيب ص ٥٥٧ (الباب الرابع) و٦٨٢ (الباب الخامس)، ولسان العرب (جزى). -
[ ١ / ٦ ]
والأقيس عندى: أن يكون (١) حرف الظرف حذف أولا، فجعل الظرف مفعولا [به] (٢) على السّعة، كما قال (٣):
ويوم شهدناه سليما وعامرا قليل سوى الطّعن النّهال نوافله
وكقول الآخر:
فى ساعة يحبّها الطّعام (٤)
أراد شهدنا فيه، ويحبّ فيها، ثم حذف الجارّين توسّعا، والأصل:
لا تجزى فيه، ثم لا تجزيه، ثم لا تجزى، وإنما (٥) جاز حذف الجارّ من ضمير الظرف كما جاز حذفه من مظهره، إذ كنت تقول: قمت فى اليوم، وقمت اليوم،
_________________
(١) = والذى نسبه ابن الشجرى إلى سيبويه من تجويزه الأمرين، لم أجده فى الكتاب المطبوع، والذى وجدته حذف «فيه» فقط، وهذه عبارته فى الموضع الذى ذكرته: «كما قال سبحانه: يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ أضمر فيه». وقد نص ابن هشام على هذا، فقال فى الموضع الثانى من المغنى: «وعن سيبويه أنهما حذفا دفعة». وقد تعقّب ابن هشام ابن الشجرىّ، فيما حكاه فى المسألة، فقال فى الموضع الأول: «وهو مخالف لما نقل غيره»، وقال فى الموضع الثانى: «وهو نقل غريب».
(٢) هذا اختيار لرأى الكسائىّ السابق، وقد نصّ عليه ابن هشام فى الموضع الثانى.
(٣) ليس فى هـ.
(٤) هو رجل من بنى عامر، كما فى الكتاب ١/ ١٧٨، والبيت من غير نسبة فى المقتضب ٣/ ١٠٥، والكامل ١/ ٣٣، والشعر ص ٤٥، وشرح الحماسة ص ٨٨، والمقرب ١/ ١٤٧، والتبصرة ص ٣٠٨، ٥٢٩، ومجمع الأمثال ١/ ١٢، وشرح ديوان المتنبى المنسوب خطأ إلى العكبرى ١/ ٢٩٩، وإعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ص ٤٥٠، والمغنى ص ٥٠٣، وشرح أبياته ٧/ ٨٤، واللسان (جزى). وفى حواشى المقتضب تخريجات أخرى. وأعاده ابن الشجرى فى المجلسين الثامن والعشرين، والثالث والثمانين.
(٥) معانى القرآن ١/ ٣٢، والكامل ١/ ٣٤، وتفسير الطبرى ٢/ ٢٦، والأضداد لأبى الطيب ص ٧٣٢، ومعجم الشواهد ص ٥٣٦، وأعاده المصنف فى المجلسين المذكورين قبل. وجاء بهامش الأصل: «قال شيخنا ابن هشام، أبقاه الله سبحانه: لا دليل فى هذا البيت ولا فى الذى قبله على مدّعاه، وهو الجار [هكذا، ولعله: وهو الحذف] على التدريج، غاية ما فيه أنه حذف حرف الجرّ منهما وأبقى مجروره، ومدّعاه إذا حذفهما على التدريج. من خط تلميذ المولى ابن هشام».
(٦) فى هـ: فإنما.
[ ١ / ٧ ]
كذلك قلت: اليوم قمت فيه، واليوم قمته، ولولا تقدير العوائد من هذه الجمل لأضيف اليوم إلى لا تجزى، فقيل: واتقوا يوم لا تجزى نفس، لأن إضافته إلى الجملة تخرج الجملة عن أن تكون وصفا، وإذا خرجت عن/أن تكون وصفا بطل الاحتياج إلى عائد منها لفظا وتقديرا.
وحذف العائد من الصلة إنما يقع بالمنصوب المتصل غالبا نحو: قام الذى أكرمت و﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (١) فإن كان مجرورا منصوبا فى المعنى جاز حذفه، كقولك: هذا الذى زيد ضارب، وعجبت مما أنت صانع، ومثله:
﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ (٢) التقدير: ضاربه وصانعه وقاضيه، فإن اتصل العائد بحرف جر، نحو قام الذى مررت به، فحذفه قليل جدا، فمما جاء من ذلك فى الشعر القديم قول القائل (٣):
وقد كنت تخفى حبّ سمراء حقبة فبح لان منها بالذى أنت بائح
الأصل: بائح به، ثم بائحه، ثم بائح، ومثله فى التنزيل: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ﴾ (٤) الأصل: يبشّر به، ثم يبشّره، ثم يبشّر.
فإن كان العائد متصلا مرفوعا فى المعنى لم يجز حذفه كقولك: قام الذى أعجب ضربه زيدا، لا يجوز الذى أعجب ضرب زيدا، لأن الهاء فاعل المصدر، وإنما جاز حمل المجرور على المنصوب لاتفاقهما فى كونهما فضلتين، وقد شبّهوا العائد من جملة الخبر إلى المخبر عنه، بالعائد من جملة الصفة إلى الموصوف فحذفوه، وحذفه ضعيف، لا يحسن استعماله فى حال السّعة، وإنما قبح ذلك لأن الفعل إذا وقع خبرا وكان متعدّيا فحذفت الضمير الذى تعدّى إليه، تسلّط الفعل على المبتدأ
_________________
(١) سورة الإسراء ٦٢، وقد جاءت تلاوة الآية خطأ فى الأصل، هـ هكذا «أهذا الذى كرمت علىّ».
(٢) سورة طه ٧٦.
(٣) عترة العبسى، ديوانه ص ٤٢، والخصائص ٣/ ٩٠، وشرح ابن عقيل على الألفية ١/ ١٥١، واللسان (أين)، ومعجم الشواهد ص ٨٤.
(٤) سورة الشورى ٢٣.
[ ١ / ٨ ]
فنصبه، كقولك فى زيد ضربته: زيدا ضربت، فهذا وجه الكلام.
فإن قلت: زيد ضربت، على إرادة الهاء لم يجز ذلك إلا فى الشعر، على أن الروايات قد تظاهرت عن ابن عامر بأنه قرأ «وكلّ» ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ (١) فى سورة الحديد خاصّة، وكذلك جاءت/الرواية بالرفع فى قول الراجز (٢):
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
رووه بالرفع لمّا تقدّم على الفعل، وحجز حرف النفى بينهما، وإن كان ذلك لا يمنع من تسلط الفعل عليه (٣)، فلما كان الضمير متى حذفته من جملة الخبر تسلط الفعل على المبتدأ، ومتى حذفته من جملة الصفة لم يتسلّط الفعل على الموصوف، لأن الصفة كبعض الموصوف، كما أن الصلة كبعض الموصول: جاز حذف العائد من جملة الصفة، وقبح حذفه من جملة الخبر.
_________________
(١) سورة النساء ٩٥، والحديد ١٠، وآية الحديد هى المرادة كما نصّ المصنف، وجاء بحاشية الأصل: «إنما قرأ ابن عامر بالرفع فى سورة الحديد خاصة؛ لأنه شغل الخبر بهاء مضمرة، وليس قبل هذه الجملة جملة فعلية يختار لأجلها النصب، فرفع بالابتداء، وأما الذى فى سورة النساء وَكُلًاّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى فإنما اختار فيه النصب؛ لأن فيه جملة فعلية، وهى قوله: فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى. وانظر توجيه قراءة ابن عامر، فى الكشف عن وجوه القراءات، لمكى ٢/ ٣٠٧، ومشكل إعراب القرآن، له ٢/ ٣٥٧، والبحر المحيط ٨/ ٢١٩ والتبيان فى إعراب القرآن للعكبرى ص ٣٨٣، فى آية سورة النساء.
(٢) أبو النجم العجلى. ديوانه ص ١٣٢، والكتاب ١/ ٨٥،١٢٧،١٣٧، والخزانة ١/ ٣٥٩، ٣/ ٢٠، واستقصيت تخريجه فى كتاب الشعر ص ٥٠٤، والبيتان أعادهما ابن الشجرى فى المجلسين الرابع عشر، والمتمّ الأربعين.
(٣) بحاشية الأصل: «بل يمتنع تسلّط الفعل عليه من وجه آخر، وهو أن «كلاّ» إذا أضيفت إلى المضمر لا تستعمل إلاّ تاكيدا أو مبتدأ، وليس فى الكلام ما تجرى عليه تأكيدا، فتعيّن الابتداء، وامتنع تسلّط الفعل عليه. والله أعلم».
[ ١ / ٩ ]
والبيت المنسوب إلى الحارث بن كلدة (١) من مقطوعة متضمّنة ألطف عتاب وأحسنه، قالها وقد خرج إلى الشام، فكتب إلى بنى عمّه فلم يجيبوه، وهى:
ألا أبلغ معاتبتى وقولى بنى عمّى فقد حسن العتاب (٢)
وسل هل كان لى ذنب إليهم هم منه فأعتبهم غضاب
كتبت إليهم كتبا مرارا فلم يرجع إلىّ لها جواب
فما أدرى أغيّرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا
فمن يك لا يدوم له وصال وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدى دائم لهم وودّي على حال إذا شهدوا وغابوا
وإنما قال: «أم مال أصابوا» لأن الغنى فى أكثر الناس يغيّر الإخوان على إخوانهم. فمن ذلك ما روى أنّ أبا الهول (٣) الشاعر كان له صديق ضرب فى البلاد فأيسر، فاحتاج أبو الهول إليه فلم يجده بحيث يحبّ، فكتب إليه:
/لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر (٤)
لقد كشف الإثراء منك خلائقا من اللّؤم كانت تحت ثوب من الفقر
_________________
(١) الحارث بن كلدة-بفتح الكاف واللام-عرف بطبيب العرب، من ثقيف، وهو من أهل الطائف، رحل إلى فارس، وأخذ الطبّ فى مدرسة جنديسابور، ثم عاد إلى بلاده، وتوفى نحو سنة ١٣، واختلف فى إسلامه. طبقات الأطباء والحكماء ص ٥٤، وتاريخ الحكماء ص ١٦١، وأسد الغابة ١/ ٤١٣، والمؤتلف والمختلف ص ٢٦١.
(٢) الأبيات فى الحماسة الشجرية ١/ ٢٦٠، والبيت الشاهد-وهو الرابع-أعاده المصنف فى المجلسين، المتمّ الأربعين، والسابع والسبعين، وهو فى الكتاب ١/ ٨٨،١٣٠، والأزهية ص ١٤٦، والتبصرة ص ٣٢٨،٣٣١، وشرح المفصل ٦/ ٨٩، وشرح ابن عقيل ٢/ ١٥٦، والبحر المحيط ١/ ١٩٠،٢١٩، ومعجم الشواهد ص ٤٨.
(٣) أبو الهول الحميرىّ، اسمه عامر بن عبد الرحمن، شاعر مقلّ، من شعراء الدولة العباسية. انظر حواشى البيان والتبيين ٣/ ٣٥١، وطبقات الشعراء لابن المعتزّ ص ١٥٣.
(٤) البيتان لأبى الهول فى الحماسة الشجرية ١/ ٢٨٩، والحماسة البصرية ٢/ ٢٦٧، فى هجاء طلحة بن معمر التيمىّ، ومن غير نسبة فى كتاب الآداب لجعفر بن شمس الخلافة ص ١١٦، وشرح شواهد الكشاف ٤/ ٣٢٧. وفى زهر الآداب ص ٨٢٨ أن محمد بن الحسن بن سهل كتب البيتين لصديق له رأى منه-
[ ١ / ١٠ ]
ومن جيّد الشعر فى العتاب أبيات أنس بن زنيم الهذلى (١)، وقد وفد على عمر بن عبيد الله (٢) بن معمر التّيمىّ، فى جماعة من الشعراء، فصدّه الحاجب عن الدخول لخماشة (٣) كانت بينهما، وأذن لغيره، فلمّا طال حجابه كتب إليه (٤):
لقد كنت أسعى فى هواك وأبتغى رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
حفاظا وإمساكا لما كان بيننا لتجزينى يوما فما كنت جازيا
أرانى إذا ما شمت منك سحابة لتمطرنى عادت عجاجا وسافيا (٥)
إذا قلت نالتنى سماؤك يا منت شآبيبها أو أثجمت عن شماليا (٦)
وأدليت دلوى فى دلاء كثيرة فأبن ملاء غير دلوى كما هيا
_________________
(١) = نبوة وتغيّرا. ونسبهما ابن خلكان لإبراهيم بن العباس الصولىّ، قالهما فى محمد بن عبد الملك الزيات. وفيات الأعيان ٤/ ١٨٥، وهما فى ديوان الصولى (الطرائف الأدبية) ص ١٥٨، وانظر حواشى الحماسة الشجرية.
(٢) هكذا يذكر ابن الشجرى هنا، وفى حماسته ١/ ٢٧٩ أن أنس بن زنيم هذلى، ولم يذكر أحد ممن ترجمه أنه هذلى، وكلهم أجمعوا على أنه دؤلىّ، من بنى الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وأنس هذا من الشعراء الصحابة. انظر ترجمته فى أسد الغابة ١/ ١٤٧، وجمهرة الأنساب لابن حزم ص ١٨٤، والحيوان ٥/ ٢٥٥، وخزانة الأدب ٢/ ١٢١، والمؤتلف والمختلف ص ٧٠، والشعر والشعراء ص ٧٣٧. ويبقى بعد ذلك أنى لم أجد له ذكرا ولا شعرا فى شرح أشعار الهذليين.
(٣) فى الأصل، والموضع السابق من الحماسة الشجرية «عبد الله» وأثبتّ ما فى هـ، ومثله فى المحبر ص ٦٦،١٥١، والمعارف ص ٢٣٤ - وانظر فهارسه-والعقد الفريد ٤/ ٤٧، والمردفات من قريش (نوادر المخطوطات ١/ ٧١).
(٤) الخماشة-بضم الخاء المعجمة-هى من الجنايات: كل ما كان دون القتل والدية، من قطع أو جرح أو ضرب أو نهب، ونحو ذلك من أنواع الأذى.
(٥) الأبيات فى الموضع السابق من الحماسة الشجرية، والحماسة البصرية ٢/ ٢٤، لأنس بن زنيم، ونسبها صاحب الأغانى ١٣/ ٨٤ للمغيرة بن حبناء، وهى فى طبقات ابن المعتز ص ١٥٦ لنصيب الأصغر، أبى الحجناء، وأورد ابن المعتز فيها هذا البيت السّيّار: كلانا غنىّ عن أخيه حيائه ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا وانظر له شرح شواهد المغنى ص ١٨٩، وشرح أبياته ٤/ ٢٧٠.
(٦) شام السحابة: نظر إليها أين تمطر. والعجاج: الغبار. والسّافى: الريح التى تسفى التراب، أو هو التراب نفسه.
(٧) بحاشية الأصل: «ويروى: واثعنجرت» وسيأتى فى شرح المصنف.
[ ١ / ١١ ]
أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ومن ليس يغنى عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنّف حاجبه، وأذن له وقال: ويحك ما الذى دهاك؟ قال: / فعل حاجبك وطول مقامى ببابك، وأنت تعطى من أقبل وأدبر، ولا تلتفت إلىّ، فقال له: يا هذا أشهدت معى مودّأة هجر (١)؟ قال: لا، قال: فهل كنت معى يوم الخوارج (٢) بدولاب الأهواز؟ قال: لا، قال: فهل لك علىّ من يد تستحقّ بها ما طلبت؟ قال: نعم كنت أجلس بين يديك فأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوى مساويه، قال: إنّ فى هذا لما يشكر، كم أقمت بالباب؟ قال: أربعين يوما، فأمر له بأربعين ألفا.
الشّؤبوب: الدّفعة من المطر، ويقال: أثجم المطر: إذا دام، والاثعنجار:
الهطلان.
_________________
(١) فى الأمالى، والحماسة الشجرية «موادة» بألف غير مهموزة بعد الدال، وصوابه بالهمز؛ لأنه من (ودأ). وقد ضبطت ميم «الموداة» فى أصل الأمالى بالضم. والأرض المودأة: هى المهلكة. وهجر: بالبحرين. وراجع هذه الموقعة فى تاريخ الطبرى ٦/ ١٩٣.
(٢) فى الأصل: «الخزرج» وأثبت ما فى هـ، ومثله فى الحماسة الشجرية، وانظر عن يوم الخوارج بدولاب الأهواز: تاريخ الطبرى ٦/ ١٢٠، والكامل للمبرد ٣/ ٢٩٧، وحواشى الحماسة الشجرية ١/ ٢٢١.
[ ١ / ١٢ ]