الحمد لله ذى العزّة والجلال، والطّول والإنعام، أحمده سبحانه على توالى مننه، حمدا يبلغ رضاه، ويوافى نعمه ويكافئ مزيده. وأصلّى وأسلّم على خير خلق الله، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى إخوانه المصطفين الأخيار، وآله الأطهار، وصحبه الأبرار، وعلى كلّ من سلك سبيله وسبيلهم إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فهذا إمام من أئمة العربية، وكتابه أصل من أصولها، لم يؤت حظّه من الدرس والتأمّل، وكاد الرجوع إليه ينحصر في دائرة تخريج الشعر وتوثيقه. ومن عجب أن يظلّ هذا الكتاب بعيدا عن ميدان الدراسات النحوية (١)، مع أنه اشتمل على جملة صالحة من أصول النحو وفروعه، بل إنه عرض لمسائل منه لا تكاد توجد فى كتب النحو المتداولة، ولعلّ الذى صرف دارسى النحو عنه ما يوحى به عنوانه من أنه خالص للأدب؛ للّذى سبق به أبو عليّ القالى، ﵀. وما أكثر العنوانات الخادعة فى مكتبتنا العربية لمن لا يحسن النظر والتأمل، ثم ما أكثر النحو المفرّق فى كتب العربية المختلفة. . . وهذا حديث طويل:
فدع عنك نهبا صيح فى حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل
وقد كان من صنع الله لى وتوفيقه إيّاى أن تقدمت بتحقيق الجزء الأول (تسعة وأربعون مجلسا) من أمالى ابن الشجرى إلى قسم النحو والصرف والعروض، بكلية دار العلوم للحصول على درجة الدكتوراه.
_________________
(١) من الدراسات الجامعية التى تناولت ابن الشجرى نحويّا دراسة بعنوان (ابن الشجرى ومنهجه فى النحو) للزميل عبد المنعم أحمد التكريتى. حصل بها على درجة الماجستير من جامعة بغداد، ونشرها ببغداد سنة ١٩٧٥ م كما أن هناك رسالة ماجستير بكلية الآداب بجامعة القاهرة سنة ١٩٧١ م بعنوان (ابن الشجرى اللغوى الأديب) للزميل العراقى على عبود السّاهى.
[ المقدمة / ٣ ]
وقد قدّمت لهذا التحقيق بدراسة أدرتها على ثلاثة أبواب:
تحدثت فى الباب الأول عن حياة ابن الشجرىّ وتقلّبه فى العالمين. ولم أسرف فى الحديث عن التحولات السياسيّة والاجتماعية التى طرأت على المجتمع البغدادىّ فى العصر الذى عاش فيه ابن الشجرىّ-وهو عصر السّلاجقة-إذ كان ذلك ممّا يلتمس من مظانّه من كتب التاريخ. ثم إنّى لم أحاول أيضا أن أتصيّد مظاهر علوّ لهذا العصر الذى عاشه ابن الشجرىّ، ذلك أن كثيرا من الدراسين يخطئون حين يسرفون فى تقسيم عصور الفكر العربى إلى عصور علوّ وعصور انحطاط. وإن المتتبّع لحركة الفكر العربى فى عصوره المختلفة يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة، فلم يكد ينتصف القرن الثانى الهجرى، وأظلّ عصر التدوين والتسجيل حتى اندفع العلماء فى التنصيف والجمع، وعمرت حلقات الدّرس بالطلاب، وزخرت المكتبات بالمصنّفات فى شتّى فروع الثقافة. وقد شمل هذا النشاط العالم الإسلامىّ كلّه، مشرقه ومغربه، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلاّ ما يكون من بعض الفروق الهيّنة التى تفرضها طبائع الزمان والمكان، أمّا حركة العقل العربىّ من حيث هى فلم تخمد جذوتها، ولم تسكن حدّتها، بتغيّر الحكّام وتبدّل الأيام، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع من كبار المفكّرين والعلماء، وأنت تعلم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرّضت له الأمة الإسلامية: الحروب الصليبية، والغزوة التّتريّة، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلا بالقضاء على هذه الأمة الإسلامية لولا دفع الله وصيانته، بما أودعه فى روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
أمّا ما تسمعه الآن من ثرثرة حول الحروب، وما تحدثه من إحباط وانكسار، فهو من التعلاّت الباطلة، والكذب على النفس، وكلّ أولئك مما يلجأ إليه الضّعفة ويحتمى به الكسالى، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم.
ودعك من الدراسات الحديثة التى تعكس وجهات نظر أصحابها، واصبر نفسك مع تلك الكتب التراثية الموسوعيّة فى فنّ التراجم-وليس كالتراجم كاشفا لتاريخنا الحضارىّ، ومسيرتنا الثقافية-مثل سير أعلام النبلاء، لأبى عبد الله الذهبىّ
[ المقدمة / ٤ ]
(٧٤٨ هـ)، والوافى بالوفيات، لصلاح الدين الصفدىّ (٧٦٤ هـ)، وطبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين السبكى (٧٧١ هـ) واقرأ على مهل وتؤدة، وأعط نفسك حظّها من التأمل والتدبّر، ولمح الأشباه، ورصد النظائر، وسترى أن مفكرينا وعلماءنا، ﵃، كانوا يعملون فى الحلّ والتّرحال، وعلى المنشط والمكره، وفى اليسر والعسر، بل إن بعضهم كان يبدع مع تزاحم العلل عليه، وتقسّم نفسه مع الأوصاب والأوجاع والصّوارف. . . وهذا أيضا حديث طويل (١).
والباب الثانى-وهو لبّ الرّسالة وعصبها-وقفته على آراء ابن الشجرىّ النحوية، وقد سلكت سبيلين فى التعرّف إلى تلك الآراء: ما ذكره هو نفسه من قوله:
وهذا ما خطر لى، أو: والقول عندى كذا، أو: والصحيح كذا، والاختيار كذا، أو: فتأمّل ما استنبطته لك. ونحو ذلك. ثم ما أورده النحاة المتأخّرون، كابن هشام والمرادىّ والسّيوطىّ والبغدادىّ، من أقوال وآراء نسبوها إلى ابن الشجرى.
وأريد أن أنبّه بادئ ذى بدء، إلى أنى وجدت فى «الأمالى» آراء كثيرة فى النحو والصرف واللغة، ساقها ابن الشجرىّ غير معزوّة إلى أحد، ولم أقطع بنسبتها إليه، لاحتمال وجودها فى كلام غيره ممّن سبقه، وقد أمكننى عون الله وتوفيقه أن أردّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها.
وقد وجدت بعضا ممّن يدرسون علما من الأعلام يحشدون آراءه حشدا، دون فصل بين ما قال وما حكى، وبعض مصنّفى الكتب القديمة لم يعنوا بعزو كلّ رأى إلى قائله، خوفا من الإملال والإطالة. هذا أمر، وأمر آخر أنّ حركة التأليف العربىّ عرفت لونا من ألوان التصنيف، تمثل فى تلك الرسائل والكتب الصغيرة التى
_________________
(١) انظر كتابى: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربى ص ٢٠ وما بعدها، ثم انظر كتابى الصغير: الموجز فى مراجع التراجم والبلدان ص ٢٤ وما بعدها، فقد ناقشت هناك باختصار فكرة العصور، وأن العصور المتأخرة فى تاريخنا الثقافى هى عصور تكرار واجترار!
[ المقدمة / ٥ ]
التقمتها الكتب الكبار، فضاعت فى غمارها، وطويت فى لجّتها، وحين جاء أصحاب الموسوعات النحوية شغل بعضهم بما انتهى إليهم من هذه الكتب الكبار، فنسبوا الآراء إلى أصحاب هذه الكتب، ثم نسج على نولهم من جاء بعدهم.
على أنّى فى ذكر آراء ابن الشجرىّ لم أحاول أن أضعه فى غير موضعه، أو أرتفع به على من سبقوه، فإن من آفات البحث العلمىّ العصبيّة الطائشة للشخصية المدروسة. فقد جاء ابن الشجرىّ وقد استوى النحو العربىّ على سوقه أو كاد، فقد فرغ النحاة الأوائل من وضع الأصول وتمهيد الفروع، ولم يكد أبو الفتح بن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التى نفذ بها إلى أسرار العربية، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التصنيف النحوى، يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذى آل إليهم: كشفا عن أسراره، ونفاذا إلى دقائقه، وتنبيها على غوامضه، واستدراكا لفائته.
ونعم كان للجيل الذى تلا ابن جنى آراء مبتكرة، والعربية فسيحة الأرجاء، متراحبة الأطراف، وقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل، ولكن يظلّ الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر-وخاصة تصانيف أبى على الفارسى -لظهر لك صدق هذا الكلام.
وابن الشجرىّ واحد من هذا النّفر الكريم الذين عرفوا للغتهم حقّها من دقّة النظر، وحسن الفقه، وكريم الرعاية. ولقد عكف على ذلك الحصاد الطيب الذى سبق به الأوائل: شارحا ومفسّرا، ومتعقّبا وناقدا، ومضيفا ومستدركا.
وقد جمعت له أربعة وستّين رأيا، ذكرتها وأوردت ما قيل حولها من آراء النحاة، استحسانا أو نقدا، وناقشته وناقشتهم فى بعضها.
وقد وقفت عند ظاهرتين غلبتا على أمالى ابن الشجرىّ، ولم يكد يخلو منهما مجلس من مجالسه، وهما ظاهرة الإعراب وظاهرة الحذوف، وقد رأيت أن أفرد كلّ ظاهرة منهما بكلمة، إذ كان جمهور مسائل النحو راجعا إليهما ومبنيّا عليهما، ثم
[ المقدمة / ٦ ]
لأن هاتين الظاهرتين قد ثار حولهما لغط كثير، وتناولهما بعض الدراسين بكثير من السهولة واليسر، دون مراجعة الأصول واستقراء النصوص.
ولمّا كان ابن الشجرى من أهم من عرضوا لمبحث الأدوات: معانيها وعملها وشواهدها، ودخول بعضها مكان بعض، فقد تكلمت عن الكتب التى عالجت هذا المبحث، وعن مكان ابن الشجرى وكتابه بين هذه الكتب.
ثم درست الشواهد عند ابن الشجرىّ (القرآن الكريم، والحديث الشريف، والأثر، والشّعر)، وقد ظهر لى أن ابن الشجرىّ لم يعرض لأصل من الأصول، أو قاعدة من القواعد إلا استشهد لها بآية أو أكثر من الكتاب العزيز، وقد استشهد بالقراءات السّبعيّة، ووجّه بعض القراءات الشاذّة.
ثم وقفت وقفة طويلة عند شواهد الشعر عند ابن الشجرىّ، وقد ظهر لى أن كتابه ضمّ قدرا ضخما من الشواهد الشعرية، فقد بلغت شواهده أكثر من مائة وألف بيت، غير المكرّر. وشواهد ابن الشجرىّ منتزعة من شعر الجاهليّين والمخضرمين والإسلاميين والمحدثين، والاستشهاد بشعر هذه الطبقة الأخيرة محلّ خلاف كبير، وقد استكثر ابن الشجرىّ من شعر هذه الطبقة، من أمثال دعبل الخزاعيّ، ومروان بن أبى حفصة، وابن المعتزّ، وأبى تمّام، والبحترىّ ومن إليهم، بل إنه احتفل احتفالا زائدا بشعر أبى الطيب المتنبى، ممّا يجعله من شرّاحه البارزين.
وقد أوردت جمعة ملاحظات حول منهج ابن الشجرىّ فى رواية الشواهد ونسبتها.
ثم تحدثت عن مصادر ابن الشجرى وموارده فى تأليف «الأمالى» مبتدئا بإمام النحاة سيبويه، ومنتهيا بالخطيب التّبريزى. وقد نقل ابن الشجرى كثيرا عن أعلام النحو واللغة المتقدّمين. وتظهر أهمية هذه النّقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة، من مثل كتاب «الأوسط» للأخفش سعيد بن مسعدة، وكتاب «الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى علىّ الفارسىّ، ثم فيما حكاه عن سيبويه والمبرد، مما ليس يوجد فى المطبوع من «الكتاب» و«المقتضب والكامل».
ولم أذكر من أعلام النحاة من نقل عنهم ابن الشجرىّ الرأى والرأيين، وإنما
[ المقدمة / ٧ ]
ذكرت من أكثر من النقل عنهم والانتصار لهم، والاستدراك عليهم، بما يجلو شخصيته النحوية، ويبرز موقفه من مصنّفات الأوائل، وهو موقف ذو ثلاث شعب كما ترى.
والحديث عن مصادر ابن الشجرىّ وموارده مفض إلى الحديث عن أثره فيمن جاء بعده من النحاة. ويمثّل ابن الشجرى ومن إليه من نحاة القرنين الخامس والسادس حلقة الوصل بين المتقدّمين من النحاة والمتأخرين، فقد كان لقرب هذا الجيل من المنابع الأولى بالتلقّى والمشافهة، وما ظهر به نحاة هذا الجيل أيضا من الكتب والمصنّفات التى عمرت بها دور العلم وخزائن المكتبات، قبل أن تعصف بها عوادى الناس والأيام، كان لذلك كلّه فضل حفظ آراء المتقدّمين، ممّا أمدّ النحاة المتأخرين بذلك الفيض الزاخر من الوجوه والآراء.
وقد تتبّعت ابن الشجرى فى مصنّفات النحويين المتأخرين، باستقراء أرجو ألاّ يكون فاتنى معه شيء، ثم أفضى تخريج شواهده من كتب العربية إلى تأثّر خفىّ من أصحاب هذه الكتب، لم يصرّحوا به، وقد ابتدأت بأبى البركات الأنبارى، وانتهيت بالمرتضى الزّبيدىّ.
وفى ختام هذا الباب أبنت عن مذهب ابن الشجرىّ النحوىّ، وانتهيت إلى أنه بصرىّ خالص، وقد قوّى حجج البصريّين، وانتصر لهم فى أكثر من موضع من الأمالى، بل إن كثيرا من حجج البصريين فى المسائل الخلافية التى أوردها الأنبارىّ فى كتابه «الإنصاف» منتزعة من كلام ابن الشجرىّ.
أمّا الباب الثالث فقد قصرته على كتاب «الأمالى» فتحدثت عن معنى الأمالى، والفرق بينها وبين المجالس، وذكرت الأمالى المصنّفة فى علوم العربية قبل أمالى ابن الشجرىّ، وبيّنت أن هذه انفردت بظاهرة لم تعرف فى الأمالى الأخرى، وهى ظاهرة التأريخ للمجالس، ثم تكلمت على منهج ابن الشجرىّ فى أماليه، وأنه مع طول الأمالى وتشعّب القول فيها يبدو متنبها لبعض الموضوعات التى عالجها من قبل، مما يدلّ على أنه احتشد للأمالى احتشادا، فليست آراء يمليها على الطلبة ثم يفرغ منها.
[ المقدمة / ٨ ]
ثم تحدثت عن علوم العربية فى الأمالى، وذكرت أن ابن الشجرى أفسح أماليه لمسائل من اللغة والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والأخبار والجغرافية والبلدان. وقد ظهر لى أن أهمّ فنّ عالجه ابن الشجرىّ بعد النحو والصرف هو فنّ اللغة، فقد عنى ابن الشجرىّ عناية فائقة باللغة: دلالة واشتقاقا، ثم عرض لقضايا وظواهر لغوية كثيرة، كالمشترك اللفظىّ، وتركّب اللغات وتداخلها، ولغة العامة ولهجات القبائل، والأصوات ومخارج الحروف، وتطوّر دلالات الألفاظ.
وفى ختام هذا الباب تحدّثت عن نسخ الأمالى المخطوطة، ثم أفردت كلمة عن النسخة التى اتخذتها أصلا، وهى نسخة مكتوبة بخطّ نسخى نفيس جدا، تمّ نسخها فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، أى بعد وفاة ابن الشجرىّ بتسع وثلاثين سنة. والنسخة مقابلة على أصلها، وبآخرها سماع لعلماء القرنين: السادس والسابع، وجاء بحواشيها تعليقات جيدة، وقد تضمنت هذه التعليقات فوائد كثيرة منها النصّ على أوهام ابن الشجرى، ونسبة بعض الأقوال إلى أصحابها، وتصحيح نسبة بعض الشواهد. وبعض هذه التعليقات لأبى اليمن الكندى، تلميذ ابن الشجرى، وبعضها لأحد تلاميذ ابن هشام.
وقد انتهيت من خلال دراستى لابن الشجرىّ وأماليه إلى هذه النتائج:
أولا: يعدّ كتاب الأمالى من كتب الدراسات القرآنية، حيث بسط ابن الشجرىّ الكلام فيه على مسائل من تفسير القرآن وإعرابه وحذوفه ومشكله.
ثانيا: يعدّ ابن الشجرىّ من شرّاح سيبويه وأبى علىّ الفارسىّ، وقد حفظ لنا نصوصا وشواهد عن سيبويه ليست فى المطبوع من «الكتاب». ومعروف عند الدراسين أنّ بين أصول «الكتاب» القديمة اختلافا فى عدّة الأبيات، وأن بعضها ربّما انفرد بشواهد أخلّ بها غيره، وقد صرّح ابن الشجرىّ نفسه بأن لكتاب سيبويه أكثر من نسخة. ثم عرض ابن الشجرىّ لشرح مسائل كثيرة من كلام سيبويه وأبى على الفارسىّ، وذكر أن الشرّاح قصّروا فى الإبانة عن مرامى أبى على.
[ المقدمة / ٩ ]
ثالثا: حفظ لنا ابن الشجرىّ نصوصا من كتب مفقودة، مثل كتاب «الأوسط». للأخفش سعيد بن مسعدة. و«الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى علىّ الفارسى.
رابعا: يعتبر كتاب الأمالى على رأس الكتب التى تحدثت عن الحذوف، وعالجت مسائل الإعراب، وتحدّثت عن الأدوات وحروف المعانى.
خامسا: يمثّل ابن الشجرىّ الخطوات الأولى للنحو التعليمىّ الذى يعنى ببسط العبارة، وكثرة التنظير، والبعد عن التكلّف والتعقيد.
سادسا: يحتلّ كتاب الأمالى مكانة طيبة فى ميدان الدراسات اللغوية: دلالة واشتقاقا.
سابعا: وسّع ابن الشجرىّ دائرة الاستشهاد بالشعر على مسائل النحو، ولم يقف كما وقف غيره عند إبراهيم بن هرمة والعصر الأموىّ.
ثامنا: احتفظت الأمالى بنصوص شعرية، ليست فى دواوين الشعراء المطبوعة، مثل الأخطل وكثيّر، وأبى دؤاد الإيادى، وأبى حيّة النّميرىّ.
تاسعا: حقّق ابن الشجرىّ الأمنيّة التى نادى بها كثير من الدراسين، وهى أن تعالج مسائل النحو من خلال النصوص الأدبية؛ خروجا من دائرة التجريد.
عاشرا: يعدّ ابن الشجرىّ من شرّاح المتنبى، وقد ذكره فى خمسة وثمانين موضعا من الأمالى، عدا المجلس الأخير الذى نبّه فيه على فضائله، وأورد فيه غررا من حكمه وشعره الذى يتمثّل به.
وقد أورد ابن الشجرى شعر المتنبى، مستشهدا به على إعراب أو قاعدة، ومتعقّبا شرّاحه، وشارحا ومعربا ما أغفله هؤلاء الشرّاح. وهذا الذى ذكره ابن الشجرى حول شعر المتنبى ينهض كتابا مستقلاّ يضمّ إلى ما كتب عن أبى الطيّب.
وبعد: فإذا كان لصاحب هذه الدراسة أن يقترح، فإنه يرى أن تجمع مسائل النحو من بطون كتب العربية المختلفة، فإن مجاز كتب العربية مجاز الكتاب
[ المقدمة / ١٠ ]
الواحد، ففى كتب التفسير وعلوم القرآن نحو كثير، وفى معاجم اللغة وكتب الأدب والبلاغة نحو كثير، بل إنك واجد فى كتب أصول الفقه والسّير والتاريخ، والمعارف العامة، من أصول النحو وفروعه ما لا تكاد تجده فى كتب النحو المتداولة، والأمثلة عندى حاضرة كثيرة، لا داعى للإطالة بذكرها، وحسبى أن أشير إلى مثالين: الأول أنى خرّجت مسألة نحويّة من كتاب «مثالب الوزيرين» لأبى حيان التوحيدى، ويا بعد ما بين كتابه وكتب النحو! والمثال الثانى طريف جدّا: وهو أن الشاهد النحوىّ المعروف «أكلونى البراغيث» لم أجده منسوبا لقائل فى كتاب من كتب النحو التى أعرفها، على حين وجدته منسوبا فى كتاب أبى عبيدة «مجاز القرآن».
والاقتراح الثانى: أن تفهرس مسائل النحو فهرسة دقيقة، تجمع الأشباه والنظائر، ثم ترتّب أبواب النحو ومسائله ترتيبا هجائيا؛ فإن كتب النحو الأولى ترتّب مسائل النحو، وتضع لها عنوانات تخالف ما ألفه الطلبة والدارسون فى أيامنا هذه، بعد ما سادت طريقة ابن مالك وشرّاحه. وبمثل هذا الجمع والفهرسة تظهر صورة النحو العربىّ على وجهها الصحيح، وتستقيم دراسته وتمضى إلى ما يراد لها من كمال.
أما تحقيق الكتاب فقد مضيت فيه وفق مناهج التوثيق والتحقيق التى ارتضاها شيوخ الصنعة، وقد حرصت على تتبّع مسائل الكتاب وشواهده فى كتب العربية المختلفة؛ للذى ذكرته من قبل، من أن مجاز هذه الكتب مجاز الكتاب الواحد، وأريد أن أنبّه إلى أننى وجدت فى حواشى بعض الكتب تحقيقات وتخريجات جيدة، أفدت منها وأحلت عليها، ولم أستبح لنفسى أن أنسبها إلى جهدى-كما يفعل كثير من الناس فى زمان السّوء هذا-ذلك لأنى لم أرد أن أتشبّع بما لم أعط فأكون كلابس ثوبى زور. وأيضا:
فإن الدرهم المضروب باسمى أحبّ إلىّ من دينار غيرى
وثالثة يقولها أبو منصور الأزهرىّ:
«ولقليل لا يخزى صاحبه خير من كثير يفضحه».
[ المقدمة / ١١ ]
ولن أدع مقامى هذا حتى أقدّم أصدق الشكر وأخلصه إلى الأستاذ الدكتور عبد الله درويش، الذى تفضل فقبل الإشراف على هذه الرسالة العلمية، ثم إلى الأستاذين الفاضلين: الدكتور حسن عون-برّد الله مضجعه، ورحمه رحمة واسعة سابغة-والدكتور محمد بدوى المختون، بارك الله فى أيامه، ومتّعه بالصحة والعافية، لتفضّلهما بقبول مناقشة الرسالة، وإخلاصهما فى النّصح والتوجيه والنقد.
ودعاء بالمغفرة والرضوان للشاعر المبدع، والمحقّق الثبت الأستاذ حسن كامل الصيرفى، هذا الرجل الذى عبر دنياه كنسمة هادئة، والذى عاش حياته كلّها محبّا ودودا، بارّا كريما، لم يسع إلى جاه، ولم يركض خلف شهرة، ووقف هادئا يرقب الناس وهم يتواثبون ويقفزون، مخلصا لفنّه الشّعرىّ، باذلا أقصى جهده فى إخراج نصوص التراث (١). ولهذا الرجل الكريم فضل علىّ سابغ، فى بداياتى العلمية، ثم فضل آخر على هذه الرسالة، فقد فتح لى قلبه ومكتبته الحافلة بنوادر كتب الأدب والشعر، أوثّق منها شواهد أمالى ابن الشجرى. ﵀ ورضى عنه.
أما شيخ العربية، أبو فهر محمود محمد شاكر، هذا الإمام الجليل: فإن له علىّ أيادى كثيرة أعدّ منها ولا أعدّدها، كما يقول صاحبه أبو الطيّب، وحسبه أنه أشعر قلبى حبّ هذا التراث والعصبيّة له، وتلقّيه بما ينبغى له من الجلال والحيطة والحذر. ثم إنه قد وقف خلفى فى هذه الرسالة، يستحثنى ويطلب عجلتى، ويتولّى عنى ما يئودني ويثقل كاهلى، بل إنه كان يفتح علىّ اتّصالا هاتفيّا مع عصر كلّ يوم (٢)؛ يرقب خطوى ويجبر نقصى. . . إلى أشياء أخرى، لا يحبّ أن أذكرها، ولا أحبّ أن أخالف عن أمره. جزاه الله خير الجزاء.
_________________
(١) من أعماله العظيمة فى مجال تحقيق النصوص: ديوان البحترى، وهو غاية فى الصبر على الجمع والتوثيق. وطيف الخيال، للشريف المرتضى. ولطائف المعارف، للثعالبى، ودواوين: عمرو بن قميئة، والمتلمّس الضبعى، والمثقّب العبدىّ، وقد جرى فى إخراج هذه الدواوين على نهج معجب فى التخريج والتحقيق.
(٢) ليس هذا من التفصيل المملّ، ولكنه تاريخ ينبغى أن يسجّل لهؤلاء الشيوخ العظام، وما يبذلونه لتلاميذهم، سخيّة نفوسهم، طيّبة قلوبهم. ولم يكن هذا صنيع الشيخ معى وحدى، بل كان هذا دأبه وديدنه مع سائر تلاميذه ومحبّيه، ولكنّ أكثر الناس يجحدون.
[ المقدمة / ١٢ ]
اللهم اغفر زلاّتى وآمن روعاتى، واجبرنى وعافنى واعف عنى، وبارك لى فى ذرّيتى، وزدنى علما، وتقبّل منى صالح عملى، وتجاوز لى عن سيّئه؛ فإن الأمر كلّه لك، بيدك الخير وأنت على كلّ شيء قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمد خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
أبو محمد
محمود محمد الطناحى
٦ شارع بشّار بن برد-المنطقة السادسة-مدينة نصر-القاهرة فى يوم: الجمعة ٢٨ من جمادى الآخرة ١٤١٢ هـ
٣ من يناير ١٩٩٢ م
[ المقدمة / ١٣ ]