لا ريب أن ابن الشجرى قد نظر فى الأمالى التى سبق بها الأوائل، وقد ثبت أنه كان يقرئ أمالى ثعلب، كما ثبت أنه استنسخ بخطه نسخة من أمالى المرتضى (١).
والناظر فى أمالى ابن الشجرى يرى مشابه واضحة بينها وبين أمالى المرتضى، فى الشكل العام، من حيث تقسيم الأمالى إلى مجالس، وتفريع المجالس إلى مسائل وفصول، ثم تعدّى تأثّر ابن الشجرى الشريف المرتضى فى الشكل العام للأمالى، إلى أن نقل شيئا من كلامه وشواهده، مصرحا وغير مصرح، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن الشريف المرتضى.
وقد جرى ابن الشجرى فى «أماليه» على أن يستفتح مجلسه بذكر مسألة من مسائل النحو أو الصرف، أو آية قرآنية، أو بيت من الشعر، ثم يدلف من ذلك إلى مباحث أخرى يدعو إليها الاستطراد والتداعى (٢).
ومسائل الأمالى ذات ثلاث شعب: مسائل يلقيها ابن الشجرى من ذات نفسه، ومسائل أخرى يجيب بها تلامذته، والثالثة ما يردّ به على المسائل التى ترد عليه من البلدان كالموصل وغيرها (٣).
ومع طول الأمالى وتشعّب الأقوال فيها، يبدو ابن الشجرى متنبّها لبعض الموضوعات التى عالجها من قبل، وهذا يدلّ على أنه احتشد للأمالى احتشادا، فليست آراء يمليها على الطلبة ثم يفرغ منها، فمن ذلك أنه حينما تكلم على «أما» فى المجلس الثامن والسبعين، قال: «وقد ذكرتها فى موضعين». ومن ذلك أيضا قوله فى المجلس الثامن والخمسين: «قد تكرر قولنا إن الكسر هو الأصل فى التقاء الساكنين»، وقال فى المجلس التاسع والستين: «وقد بسطت الكلام على «مع» فى الجزء الثانى من هذه الأمالى».
_________________
(١) أشرت إلى ذلك فى حديثى عن الشريف المرتضى، وعن موقف ابن الشجرى من الكوفيين.
(٢) من أمثلة الاستطراد ما تراه فى المجالس: الرابع عشر والسابع عشر والثامن عشر.
(٣) انظر أمثلة لذلك فى المجلسين: الرابع، والحادى والثلاثين.
[ المقدمة / ١٩١ ]
وظاهرة التكرير واضحة فى «الأمالى» فقد تكلم ابن الشجرى على بعض المسائل فى أكثر من مجلس، فمن ذلك: مجىء الحال من المضاف إليه، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وحذف الضمير العائد من الصلة ومن الصفة، وإعادة الضمير إلى مصدر مقدر، دل السياق عليه (١).
وهذا التكرار قد أوقع ابن الشجرى فى شيء من الاختلاف لم يتنبه له، فمن ذلك أنه وجّه قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ على أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ثم عاد فى موضع آخر ووجّهه على حذف المفعول، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن شواهد القرآن الكريم عند ابن الشجرى، ثم فى الحديث عن الزركشىّ.
_________________
(١) اقتضانى ذلك أن أفهرس لمسائل الكتاب وشواهده قبل تحقيقه، فسهل علىّ بذلك ربط الكتاب بعضه بالبعض الآخر. وهذا حتم واجب على كلّ من يتصدّى لتحقيق النصوص.
[ المقدمة / ١٩٢ ]