حدثنا أبو طالب محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير، حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، حدثنا أبو بكر محمد بن المزرَّع، يموت، من حفظه، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ".
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عمر بن عبد العزيز الهاشمي، حدثني جدِّي أبو محمد عبد العزيز محمد بن إبراهيم بن الواثق بالله، حدثنا أبو بكر يموت بن المزرَّع بن يموت بن موسى العبدي " سنة اثنين وثلاثمائة " حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، عن الحسن بن عجلان، عن الزبير بن حريث، عن عكرمة، قال: أحسبه عن ابن عباس، قال: ما صرف الله تعالى سليمان عن الهدهد أن يذبحه إلاَّ ببرِّ الهدهد بأمه.
قال يموت بن المزرَّع: قال لي سهل بن صَدَقَة يومًا، وكان بيننا مداعبة: ضربك الله باسمك. فقلت له مسرعًا: أحوجك الله إلى اسم أبيك.
قال ابن المزرَّع: حدثني من رأى قبرًا بالشَّام عليه مكتوب: " لا يغترَّن أحد بالدُّنيا، فإني ابن مَن كان يطلق الريح إذا شاء، ويحبسها إذا شاء ". وبحذائه قبر عليه مكتوب: " كذب الماصُّ بَظْرَ أمه، لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵉، إنما هو ابن حدَّاد، يجمع الريح في الزِّقِّ، ثم ينفخ بها الجمر ".
قال: فما رأيت قبلهما قبرين يتشاتمان، والله أعلم.
عن يموت بن المزرَّع، قال: أراد أبو العباس ثعلب أن يرحل إلى أبي حاتم السِّجستاني في البصرة، فبلغه أن أبا حاتم انتشر ذكره يومًا، لمَّا رأى جماعة المُردِ يكتبون في مجلسه؛ فرآه غلام منهم، فقال له: أصلحك الله، أيُّ لام هذه؟ قال: لام كي يا بُنيَّ، فلم يخرج أبو العباس إليه.
أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو بكر يموت بن المزرَّع، قال: سمعت أبا عثمان الجاحظ، يحدث: أنه رأى حجَّامًا بنسيئةٍ إلى الرَّجعة، لشدة إيمانه بها.
حدثنا يموت بن المزرَّع، قال: قال المأمون: ما هُجي إبراهيم بن المهديُّ فيما ادَّعاه، على كثرة هجائه، بأَشدَّ من قول الجاحظ فيه: هو خليفةٌ، إذا خطب رأى آخر عمله.
أخبرنا الجوهري، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنباري، قال: قال لنا يموت بن المزرَّع بن يموت بن عبدوس ابن سيار بن المزرَّع بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن ضمرة بن دلهاث يبن وديعة ابن بكر بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار:
[ ١١ ]
سمعتُ الجاحظ يقول: السكباجة من جند البلد، لا يُضرب عليها بعث؛ وقال: هي قديمة الصحبة.
وحدَّث ابن المزرَّع أيضًا عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر، المعروف بالورَّاق، وكانت تُسمى نشوى، وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف دينار، فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضًا؛ فلما مات محمود اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيتِ؟ تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة؟ قالت: أجل! إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته من المواريث، فإن سبعين دينارًا لكثيرة في ثمني فضلا عن سبعمائة. فخجل المعتصم من كلامها.
وذكر يموت بن المزرَّع، قال: وجَّه المتوكل في السنة التي قُتل فيها، أن يُحمل إليه الجاحظ من البصرة فسأله الفتح عن ذلك، فوجده لا فضل فيه، فقال لمن أراد حمله: وما تصنع بامرئ ليس بطائل، ذي شقٍّ مائل ولعابٍ سائل، وفرجٍ بائل، وعقلٍ زائلٍ، ولونٌ حائلٍ! وحدَّث يموت بن المزرَّع " وكان الجاحظ خاله " قال: دخل إلى خالي أُنساس من البصرة، من أصدقائه، في العلَّة التي مات فيها، فسألوه عن حاله، فقال " من الهزج ":
عليلٌ من مكانينِ من الأسقامِ والدَّينَ
ثم قال: أنا في هذه العلَّة التي يُتُخوَّفُ من بعضها التلف، وأعظمها نيِّف وتسعون سنة. يعني عمره.
قال يموت بن المزرَّع: كان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدَّة حرارته، والنصف الآخر لو قُرض بالمقاريض ما شعر به " من " خدره وبرده.
وحدَّث يموت بن المزرَّع عن خاله الجاحظ، قال: يجبُ للرجل أن يكون سخيًّا لا يبلغُ التبذير، شجاعًا لا يبلغ الهَوَج، محترسًا لا يبلغ الجبن، ماضيًا لا يبلغ القِحَة، قوَّالًا لا يبلغ الهَذَرَ، صموت لا يبلغ العيَّة، حليمًا لا يبلغ الذُّلَّ، منتصرًا لا يبلغ الظُّلم، وقُورًا لا يبلغ البلادة، ناقدًا لا يبلغ الطيش؛ ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي قوله: " خير الأمور أوساطها ".
فعلمنا أنه ﷺ قد أُوتي جوامع الكَلِم، وعُلِّم فصل الخطاب.
قال المزرَّع: وسمعته " الجاحظ " يقول: رأيت بالبصرة رجلًا يروح ويغدو في حوائج الناس، فقلت له: قد أتعبت بذلك بدنك، وأخلقت ثيابك، وأعجفت برذونك، وقتلت غلامك، فما لك راحةٌ ولا قرار، فلو اقتصدت بعض الاقتصاد! قال لي: قد سمعتُ تغريد الأطيار في الأسحار في أعالي الأشجار، وسمعتُ مُحسنات القيان على الأوتار، فما طربتُ طربي لنغمة شاكرٍ أوليته معروفا، أو سعيتُ له في حاجة.
حدَّثنا يموت بن المزرَّع، نا العباس بن الفرج الرياشي، نا الأصمعي، عن معاذ بن العلاء، قال: سأل رجلٌ أبا عمرو بن العلاء حاجة، فوعده بها، ثم أن الحاجة تعذرت على أبي عمرو فلقيه الرجل بعد ذلك، فقال له: أبا عمرو! وعتني وعدا فلم تنجزه! فقال أبو عمرو: ثمن أولى بالغمِّ؟ قال: أنا. قال: لا بل أنا. قال الرجل: وكيف ذلك أصلحك الله؟ قال: لأني وعدك وعدا، فأُبْتَ بفرح الوعد، وأُبتُ أنا بهمِّ الإنجاز، فبتَّ ليلتك فرحًا مسروراُ، وبتُ ليلتي مُفكرًا مهموما ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتني مُدلًا، ولقيتك محتشمًا.
حدَّثنا يموت بن المزرَّع، قال: حدثنا أبو حاتم سهل بن محمد، قال: أخبرنا العتبيُّ، عن أبيه، قال: استخلف عُتبة بن أبي سُفيان ابن أختٍ لأبي الأعور السُّلمي، على أهل مصر. وكانت له شِدَّةٌ على بعض أهل مصر، فامتنعوا عليه.
فكتب إلى عُتبة، فقدِمها، فدخل المسجد، ورقِي على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أهل مصر، قد كنتم تُعذرون ببعض المنع منكم، لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن قال فعل، فإن أبيتم درأكم بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه؛ ثم جاء في الآخر ما أدرك في الأول: إن البيعة شائعة، لنا عليكم السمع، ولكم علينا العدل، وأيُّنا غَدَر فلا ذمَّة له عند صاحبه.
فناداه المصريون من جنبات المسجد: سمعًا، سمعًا. فناداهم: عدلًا، عدلًا؛ ثم نزل.
حدث يموت بن المزرَّع، عن ابن الملاَّح، عن أبيه، عن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، عن موسى بن عبد الله بن حسن، قال:
[ ١٢ ]
خرجتُ من منازلنا بسويقة جنح ليل، وذلك قبل خروج محمد أخي، فإذا أنا بنسوة توهمتُ أنهنَّ خرجنَ من دارنا، فأدركتني الغيرة، فاتَّبعتهن لأنظر حيث يُردن حتى إذا كان بطرف الجميز، التفتت إحداهن وهي تقول " من الوافر ":
سُويقةُ بعد ساكنها يبابُ لقد أمستْ أجدَّ بها الخرابُ
فقلت لهنَّ: أمن الإنس أنتنَّ؟ فلم يراجعنني.
فخرج محمد بعد هذا، فقُتل وخُرِّبت ديارنا.
وبالإسناد عن إسماعيل " الإسناد السابق ". قال: لقيني موسى بن عبد الله، فقال: هلمَّ حتى أُريك ما صُنع بنا بسويقة، فانطلقت معه، فإذا بنخلها قد عُضد عن آخره، ومصانعها قد خُرِّبت، فخنقتني العَبْرَةُ، فقال: إليك، فنحن والله، كما قال دريد بن الصِّمَّة " من الطويل ":
تقول ألا تبكي أخاكَ وقد أرى مكان البُكا لكن جُبلتُ على الصَّبرِ
وقال سعيد بن عُقبة: نزلتُ ببطحاء سويقة، فاستوحشتُ لخرابها، إلى أن خرجت ضَبعٌ من دار عبد الله بن حسن، فقلتُ " من البسيط ":
إني مررتُ على دارٍ فأحزَنَني لمَّا مررتُ عليها منظرُ الدارِ
وحشًا خرابًا كأنْ لم تَغْنَ عامرةً بخير أهلٍ لمُعْتَرٍّ وزُوَّارِ
لا يُبعدِ الله قومًا كان يجمعهم جَنبا سُويقةَ أخيارًا لأخيارِ
الرَّافعينَ لساري الليلِ نارَهُم حتى يؤُم على ضوءٍ من النارِ
والرَّافعين عن المحتاجِ خَلَّتَهُ حتى يجوز الغنى من بعد إقتارِ
حدثنا محمد بن يحيى الصُّولي، ثنا يموت بن المزرَّع، قال: سمعت أبا حاتم السجستاني، يقول كان رجل يحبُّ الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلًا متشادقًا، لا يدري ما يقول؛ فآذى حسينًا، ثم فطن له، فكان يُعدُّ له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت.
فقال له يومًا: ما تقول " أسعدك الله " في جدٍّ يلاشي التوهيمات في عنفوان القرب من دَرْك المطالب؟ فقال له حسين: هذا من وجود فَوت الكيفوية عن غير طريق الحسُّوبيَّة، وبمثله يقع إلينا في المجانسة على غير تلاق ولا افتراق.
فقال الرجل: هذا محتاج إلى فكر واستخراج.
فقال حسين: افتكر، فإنَّا قد استرحنا.
حدثنا محمد بن إبراهيم الحكيمي، قال: أخبرنا يموت بن المزرَّع، قال: كنت آتي أبا إسحاق الزيادي، إذ مرَّت به أمة سوداء شوهاء، فقال لها: يا عُنيزة: أسمعيني:
مَرَّ بالبينِ غرابٌ فَنَعَبْ
فقالت: لا والله. أو تهب لي قطعة.
فأخرج صُريرة من جيبه فناولها قطعة، رأيتُ أن فيها ثلاث حبَّات، فوضعت الجرَّة على ظهرها، وقعدت عليها، ثم رفعت عقيرتها " من الرمل ":
مَرَّ بالبين غرابٌ فنعبْ ليتَ ذا التاعبَ بالبين كذبْ
فَلَحاك الله من طيرٍ فقد كنت لو شئتَ غنيًّا أن تُسَبْ
قال أبو بكر: فأحسنت.
قال الخرائطي: حدثنا يموت بن المزرَّع، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا محمد بن سلمة، حدثني أبي، قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجنِّ للنبيّ ﷺ بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقيًا يتغنَّى:
فما روضةٌ بالحَزْنِ طيِّبةُ الثرى يمجُّ النَّدى جثجاثُها وعرارُها
بأطيبَ من أردانِ عَزَّةَ مَوهنًا قد أوقدت بالنمدلِ الرَّطبِ نارُها
من الخَفِراتِ البيضِ لم تلقَ شِقوةً وبالحسب المكنونِ صافٍ نِجَارُها
فإن برزَتْ كانت لعينيكَ قُرَّةً وإن غبتَ عنها لم يَعُمَّكَ عارُها
فقلتُ له: أتغنّي أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك؟ فقال: أما والله لأُحمِّلنَّها ركبان نجد، فقال: فوالله ما اكترث بي، وعاد يغنّي:
فما أدماءُ خفَّاقةُ الحشا تجوبُ بظِلفيها متونَ الخمائلِ
بأحسن منها إذ تقولُ تَدَلُّلًا وأدمُعُها تذرينَ حشوَ المكاحلِ
تمتّع بذا اليومِ القصيرِ فإنَّهُ رهينٌ بأيامِ الصُّدودِ الأطاولِ
قال: فندمت على قولي، وقلتُ له: أصلحك الله أتحدثني في هذا بشيء؟ قال: نعم، حدثني أبي قال: دخلتُ على سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ وأشعب يغنِّيه:
[ ١٣ ]
مُغيِّريَّةٌ كالبدرِ سُنَّةُ وجهها مُطَهَّرةُ الثوابِ والعرضُ وافرُ
لها حسبٌ زاكٍ وعِرضٌ مُهذَّبٌ وعن كلِّ مكروهٍ من الأمرِ زاجرُ
من الخفراتِ البيضِ لم تلقَ ريبةً ولم يَسْتَمِلْها عن تُقى الله شاعرُ
فقال له سالم: زدني، فغنّاه:
ألَمَّتْ بنا والليلُ داجٍ كأنهُ جناحُ غرابٍ عنه قد نَفَضَ القطرا
فقلتُ: أعطَّارٌ ثوى في رحالنا وما احتملت ليلى سوى طيبها عِطرا
فقال له سالم: والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلتُ جائزتك، فإنك من هذا الأمر بمكان.
أنبأنا أبو محمد بن صابر، أنا سهل بن بشر، أنا علي بن بقاء الورَّاق إجازة، أنا المبارك بن سالم، أنا الحسن بن رشيق، نا يموت بن المزرَّع، نا أبو شراعة عبد الله بن شراعة القيسي، نا محمد بن القاسم بن محمد بن شراعة، عن مشيخة الحي، قال: كان عبد الله بن يزيد الأسيدي ثم التميمي يكثر التعبُّث بعبد الله بن الجارود العبدي، وكان عبد الله بن الجارود عاملًا على البصرة من قبل سليمان ابن عبد الملك، فدسَّ عبد الله بن الجارود رجالًا من عبد القيس فشهدوا على عبد الله بن يزيد بشرب الخمر، فقبض عليه وضربه الحدَّ ضرب التَّلف. فأخذ عبد الله بن يزيد يقول: ما هكذا تُقام الحدود. ثم أمر به إلى السجن، ودسَّ إليه غلامًا له فدقَّ عنقه في الحبس، وادَّعى عليه أنه مصَّ خاتمًا كان في يده تحت فصِّه سمٌّ، فأنشأ الفرزدق يقول " من البسيط ":
يالَ تميمٍ ألا لله أُمُّكُمُ لقد رُميتُم بإحدى المُصْمَئِلاَّتِ
في أبيات له، فوجَّه عبد الله بن الجارود مَن لَبَّب الفرزدق، وقاده إلى السجن، فلما أن كان على باب السجن قال: أيها المسلمون، أشهدكم أنه ليس في إصبعي خاتم! ونُمي الخبر إلى سليمان فعزل ابن الجارود وأشخصه إليه، فلما دخل عليه سلَّم بالخلافة، فقال له سليمان: لا سلَّم الله عليك، قتلتَ من كان خيرًا منك أبًا وأمًا. فقال ابن الجارود: يا أمير المؤمنين، ولَّيتمونا بلدًا، ودفعتم إلينًا سيفًا وسوطًا وأمرتمونا بإقامة الحدود، فإن تهلك نفس فمن وراء الجهد. وأما قولك يا أمير المؤمنين إنه كان خيرًا مني أبًا وأُمًا، فأما أبي فهو الجارود بن المعلَّى الذي قال له رسول الله ﷺ: أسلم يا جارود، قال: اضمن لي الجنة يا رسول الله، وهو الذي قال فيه عمر: لو أدركتُ سالمًا مولى أبي حذيفة لم يخالجني فيه الشك، ولو أدركتُ أُعيمش عبد القيس لسلَّمتها إليه، وأمَّا أُمِّي فابنة الذي أجار أباك على علي بن أبي طالب يوم الجمل. وكان جدُّه لأمه مِسمَع بن مالك أبو مالك مِسمَع، وكان أجار مروان يوم الجمل على عليّ بن أبي طالب.
أخبرنا أبو القاسم عليّ بن إبراهيم أبو الحسن عليّ بن الحسن، قالا: نا وأبو منصور بن زُريق، أنا أبو بكر الخطيب، أنا محمد بن علي بن هشام، أنا أبي قراءة عليه وأنا أسمع سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، حدثني يموت بن المزرَّع، حدثني نصر بن علي، قال: أردت الخروج إلى مكة فودعت أبي، فلما كنتُ بالمنجشانيَّة سمعتُ شحيج بغلنا فعرفته فتشوَّفت فإذا أبي.. فوثبتُ إليه. فقال: يا بُنيّ أردت إذكارك، إذا دخلت مكة سالمًا إن شاء الله فلقيتَ ابن عُيينة فسله عن حديث زياد بن سعيد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه وسله عن حديث عمرو، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ الحرب خَدعة. ذكره بفتح الخاء. فلقيتُ سفيان وتعرَّفتُ إليه فأكرمني إلى أن قال لي يومًا من أيامه: مَن مشايخ البصرة اليوم؟ قلتُ يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي اللاَّل. قال: فما فعل عبد الله بن داود الخريبي؟ قلت: حيٌّ يُرزق. قال: ذاك شيخنا القديم.
قال ابن خلكان في ترجمة يموت بن المزرَّع:
[ ١٤ ]
فمن أخباره أنه قال: أخبرني أبو الفضل الرياشيّ، قال: سمعت الأصمعيّ يقول: كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطَّلب، ﵁، في سنة ثمان وثمانين ومائة، ولقد كنتُ عند الرشيد وقد أُتي بعبد الملك يرفل في قيوده، فلما نظر الرشيد إليه قال له: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إلى شُؤوبها قد هَمَعَ، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلًا وهلًا بني هاشم، فبي والله سهلَ لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقتْ إليكم الأمور أثناء أزمَّتها، فخذوا حذاركم مني قبل حدوث داهية خَبوط باليد والرِّجل، فقال له عبد الملك: أفَذا أتكلَّم أَم توأمًا؟ فقال: بل تَوأمًا، فقال: اتَّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاَّك، راقبها في رَعَاياك التي استرعاك، فقد سَهَّلْتُ والله لك الوعور، وجمعتُ على خوفك ورجائك الصُّدور، وكنتُ كما قال أخو بني جعفر بن كلاب " من الرمل ":
ومقامٍ ضيِّقٍ فَرَّجتُه بلسانٍ وَبَيَانٍ وَجَدَلْ
لوْ يقومُ الفيلُ أو فَيَّالُهُ زَلَّ عَن مثلِ مقامي وَزَحَلْ
قال: فأراد يحيى بن خالد البرمكيّ أن يَضَعَ من مقدار عبد الملك عند الرشيد فقال له: يا عبد الملك بلَغَني أنك حقود، فقال له: أصلح الله الوزير، إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشرِّ عندي، فإنهما لباقيان في قلبي.
قال الأصمعيّ: ثم التفت الرشيد إليّ وقال: يا أصمعيُّ حرِّرها، فوالله ما احتجّ أحد للحقد بمثل ما احتجّ به عبد الملك، ثم أمَرَ به فرُدَّ إلى محبسه.
قال الأصمعيّ: فالتفت الرشيد إليَّ وقال: يا أصمعيّ والله لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عنقه مرارًا، ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
قال يموت بن المزرَّع: قال لنا الجاحظ: ما غلبني أحد قط إلا رجل وامرأة، فأما الرجل فإني كنت مجتازًا في بعض الطرق، فإذا برجل قصير بطين كبير الهامة طويل اللحية مُتَّزرٍ بمئزر وبيده مُشْطَ يسقي به شقةً ويمشطها بها، فقلت في نفسي: رجل قصير بطين ألحى فاستزريته فقلت: أيُّها الشيخ! قد قلتُ فيك شعرًا؛ فتحرك المشط من يده وقال: قل. فقلتُ:
كأنكَ صَعْوَةٌ في أصلِ حُشٍّ أصاب الحشَّ طشٌّ بعد رشٍ
فقال لي: اسمع جواب ما قلت، فقلت: هات فقال:
كأنك كُندُرٌ في ذَنْبِ كبشٍ يُدَلدَلُ هكذا والكبش يمشي
وأما المرأة فإني كنت مجتازًا ببعض الطرقات، فإذا أنا بامرأتين وكنتُ راكبًا على حمارة فضرطت الحمارة، فقالت إحداهما للأخرى: حمارة الشيخ تضرط، فغاظني قولها فأعنَنْتُ ثم قلت لها: إنَّه ما حملتني أُنثى قطٌّ إلاَّ وضرطتْ، فضربت بيدها على كتف الأخرى وقالت: كانت أُمُّ هذا منه تسعة أشهر على جهدٍ جهيدٍ.
قرأت بخط رشأ بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم، وأبو الوحش عنه، أنا الحسن ابن إسماعيل بن محمد بمصر، نا الحسن بن رشيق، نا يموت بن المزرَّع، نا أبو مسلم عبد الله بن مسلم، حدثني أبي، حدثني مشايخ من مشايخ الحي، قالوا: وجَّه مصعب بن الزبير إلى عزة المدينية مولاة بَهز، وكانت من أعقل النساء، فأتتهُ، فقال لها يا عَزَّة، قد اعتزمتُ على تزويج عائشة، يعني ابنة طلحة، وأنا أحبُّ أن تصيري إليها متأملة لخلقها، مؤدية لخبرها إليَّ، فقالت: يا جارية، عليَّ بمنقلي فلبسته، ثم صارت إلى منزل عائشة؛ فلما دخلت عليها، قالت عائشة: مرحبًا بالحبيبة، كيف نشطتِ لنا؟ قالت: جئتُ في حاجة؛ قالت: إذن تُقضى، قال: ارمِ عنك جلبابك، قالت: إذًا أفعل، ففعلت: ثم قالت لها: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، الله جارك. ثم رجعت إلى مصعب، فقال: ما الخبر يا عزة؟ قالت: رأيتُ وجهًا أحسن من العافية، ولها عينان نجلاوان هما مسكن هاروت وماروت، من تحت ذلك أنف أقنى وخدَّان أسيلان، وفم كفم الرُّمَّانة، وعنق كإبريق فضة، تحت ذلك صدرٌ فيه حُقَّا عاج، تحت ذلك بطن أقبٌّ، ولها عجز كدعص الرمل، وفخذان لفَّاوان، وساقان ريَّاوان، غير أني رأيت في رجلها كبرا، وهي تغيب عنك في وقت الحاجة. فلما توَّجها مصعب ودخل بها، دعتْ عائشة عزَّة ونسوانًا من قريش، فلما أصبن من طعامها، غنَّتهنَّ، ومصعب قائم في دهليز الدار " من المتقارب ":
[ ١٥ ]
وثغرٍ أغرّ شتيتِ البناتِ لذيذِ المقَبَّلِ والمُبْتَسَمْ
وما ذقتُهُ غَير ظني به وبالظَّنِّ يحكم فينا الحَكَمْ
فقال مصعب وهو في الدهليز: بارك الله عليك يا عزَّة، لكنّا والله قد ذقناه فوجدناه كما ذكرتِ.
أخبرني محمد بن يحيى، أخبرنا أبو ذكوان، حدثنا موسى بن سعيد بن سَلْم، قال: كان ابن الأعرابيّ يؤدِّبنا، فدخل الأصمعيّ ونحن نقرأ شعر ابن أحمر " من الوافر ":
أغَدْوًا وَاعَدَ الحيّ الزَّيالا لِوَجهٍ لا نُريدُ بهِ بدالا
إلى أن بلغنا إلى قوله:
أرى ذا شَسْبَةٍ حَمَّالَ ثِقْلٍ وَأبْيَضَ مِثْلَ صَدْرِ السيفِ نالا
فقال الأصمعيّ: " بالا " فصاح ابن الأعرابي: " نالا نْالا " بالنون، من النول فقال الأصمعي لنا: إنّ الشاعر قد فرَّع من هذا، فقال: فيهم شيخ حمَّال ثِقْل، وهو الذي ينيل ويعطي، وفيهم شابٌّ مثل صدر السيف بالا: أي حالا، وهو كالسيف في حاله وبأسه؛ وفَسَّر هذا في البيت الثاني، فقال:
بهم يسعى المُفاخِرُ حين يَسعى إذا ما عَدَّ بأسًا أو نَوالا
فأراد بالبأس: الحال التي وَصَفَ الأبيض الفتى به، وبالنون وصف به ذا الشَّيبة، أنَّه حمَّال ثِقْ. فقام ابن الأعرابيّ على نالا، وانصرف الأصمعيّ، وجاء أبي فعرّفناه الخبر، فقال: القول ما قاله الأصمعيّ، في حفظِهِ أو ذهنِهِ وروايته، فلا، قال: فأمَرَ للأصمعيّ بأربعمئة دينار، ولابن الأعرابيّ بمئتي دينار.
فحدثني يموت بن المزرَّع عن أبي أُمامة الباهليّ، وحضر المجلس: أنّ ابن الأعرابيّ افتُضح بهذا، ثم احتال، فأحضر نُسخة فيها شعر عمرو بن أحمر وقد غيَّر البيت الأوَّل منها، فجعله:
أغَدوًا وَاعَدَ الحيّ الزيالا وَشَوْقًا لا يبالي العَيْرُ بالا
ثم قال: معنى الأصمعيّ صحيح، ولكن كيف يُردِّد ابن أحمر قافيتين في قصيدة فزادت فضيحتهم، لضعف المِصراع الذي غيَّروه، وإحالة معناه.
قال محمد: وعندي بخط الغنويّ، أنّ البغداديين عملوا هذا، ليعذروا ابن الأعرابيّ، فافتضحوا.
ذكر يموت بن المزرَّع عن الجاحظ،. قال: حدَّثني ابن فرج الثعلبي، أن قومًا من بني ثعلب، أرادوا قطع الطريق على مال السُّلطان، فأتتهم المعاينة فأعلمتهم أن السلطان قد نَذَرَ بهم، فساروا ثم عزموا على الاستخفاء في دير العذارى، فصاروا إلى الدير ففُتِح إليهم، فلما استقرَّ حتى سمعوا وقع حوافر الخيل في طلبهم، فلمّا أمنوا وجاوزتهم الخيل، خلا كلُّ واحد منهم بجارية، هي عنده عذراء، فإذا القسُّ قد فرغ منهنَّ، فقال بعضهم في ذلك " من المتقارب ":
وألوَط من راهبٍ يَدَّعي بأنَّ النِّساء عليه حرامْ
يُحَرِّمُ بيضَاءَ ممكورةً ويغْنيهِ في البضعِ عنها غلامْ
إذا ما مشى غضّ من طَرْفِهِ وفي الدير بالليلِ منهُ عُرامْ
وديرُ العذارى فضوحٌ لهنّ وعندَ اللصوصِ حديثُ تمامْ
[ ١٦ ]
أخبَرَنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد الله الحميدي، قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران قال: أخبرنا أبو الحسين بن دينار، قال: أنبأنا أبو طالب عُبيد الله بن أحمد الأنباري، قال: حدثنا يموت بن المزرَّع، عن المبرد، قال: حدثني أحمد بن المعدّل البصري قال: كنت جالسًا عند عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون فجاءه بعض جلسائه فقال: أعجوبة. قال: ما هي؟ قال: خرجتُ إلى حائطي بالغابة فلمّا أن أصحرتُ وبعدتُ عن البيوت، بيوت المدينة، تعرَّض لي رجل فقال: اخلع ثيابك. فقلتُ: وما يدعوني إلى خلع ثيابي؟ قال: أنا أولى بها منك قلت: ومن أين؟ قال: لأني أخوك وأنا عُريان وأنت مكسُوٌّ، قلت: فالمواساة. قال: كلاَّ، قد لبستها بَرْهَة وأنا أريد أن ألبسها كما لبِسْتَها، قلت: فتُعرِّيني وتُبدي عورتي، قال: لا بأس بذلك. قد روينا عن مالك أنه قال: لا بأس للرجل أن يغتسل عُريانًا، قلتُ: فيلقاني الناس فيرون عورتي، قال: لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضتُ لك فيها، فقلتُ: أراك ظريفًا فدَعني حتى أمضي إلى حائطي وأنزع هذه الثياب فأُوجِّه بها إليك، قال: كلاَّ، أردتَ أن توجَّهَ إليَّ أربعة من عبيدك فيحملوني إلى السلطان فيحبسني ويُمزِّق جلدي ويطرح في رجليَّ القيد، قلتُ: كلاَّ، أحلف لك أيمانًا أنِّي أَفِي لك بما وعدتك ولا أسؤك، قال: كلاَّ، إنّا روينا عن مالك، أنَّه قال: لا تُلزَم الأيْمَان التي يُحلَف بها للصوص، قلتُ: فأحلفُ أنِّي لا أحتال في أيماني هذه، قال: هذه يمين مُركَّبة على أيْمان اللُّصوص. قلتُ: فَدَع المناظرة بيننا فوالله لأوَجِّهنَّ إليك هذه الثياب طيِّبة بها نفسي، فأطرق ثم رفع رأسه وقال: تدري فيم فكَّرت؟ قلتُ: لا قال: تصفَّحتُ أمرَ اللُّصوص من عهد رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا فلم أجد لِصًّا أخذ نَسِيئَة، وأكره أن أبتدع في الإسلام بِدعة يكون عليَّ وزرها ووزر من عَمِلَ بها بعدي إلى يوم القيامة، اخلَع ثيابك، قال: فخلعتُها ودفعتُها إليه. فأخذها وانصرف.
حدثني مهلهل بن يموت بن المزرَّع، قال: سمعتُ أبي يموت بن المزرَّع، يقول: سمعتُ خالي عمرو بن بحر الجاحظ، يقول: لمّا قَدِمَ أشعب الطمّاع من المدينة إلى بغداد في أيام المهدي، تلقّاه أصحاب الحديث، لأنه كان ذا إسناد، فقالوا له: حدِّثنا، فقال: خذوا، حدثني سالم بن عبد الله، وكان يبغضني في الله، قال: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن، وسكت، فقالوا: اذكرهما، فقال: نسيَ سالم إحداهما، ونسيت الأخرى؛ فقالوا: حدثنا عافاك الله بحديث غيره، فقال: خذوا، سمعتُ ظُلمة تقول، وكانت من عجائزنا: إذا أنا متُّ فاحرقوني بالنار، ثم اجمعوا رمادي في صُرَّة، فأتربوا به كُتُب الأحباب فإنهم يجتمعون لا محالة، وآتوا منه الخاتنات ليذرُرْنه على أحراح الصَّبيّات فإنَّهنَّ يلهجنَ بالزُّبِّ ما عشنَ. وقال ابن يسار الكواعب يُضرَب بظُلمة المثل " من المتقارب ":
بُليتُ بورهاءَ زَنَمْرَدَةٍ تَكادُ تُقَطِّرُهَا الغُلمة
تَنِمُّ وتَعْضَهُ جاراتها وأقْوَدُ بالليلِ من ظُلمة
فمن كلِّ ساعٍ لها ركلةٌ ومن كلِّ جارٍ لَها لطمة
حدثني يموت بن المزرَّع قال: كان بالشام معلم رقيع طينة مشهور بشتم الصبيان " فذهبنا إليه نلومه " فقال: اقعدوا حتى تسمعوا فإن كنت معذورًا وإلاّ فلوموا، قال: فقعدنا، فقرأ عليه صبيٌّ منهم: هم الذين يقولون لا تنفقوا إلا من عند رسول الله. فقال: كذبت يا ماصّ سلحه، أتلزم رسول الله ﷺ نفقة لا تجب عليه وهو لا يملك مالًا؟ قال: فضحك " وضحكنا ". ثم قرأ آخر: عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون. فقال: يا ابن الفاعلة هؤلاء أكراد شُهَّاد زور ليسوا ملائكة. قال: فضحك وضحكنا؛ وقلنا: ما نلومك بعد هذا.
أخبرنا أبو المعالي محمد بن يحيى بن علي القرشي، بجامع دمشق، أنا أبو الفرج سهل بن بشر بن أحمد الإسفراييني، أنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الطفَّال بمصر، أنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، أنا أبو بكر يموت بن المزرَّع البصري، ثنا رُفيعة بن سلمة دماذ، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال:
[ ١٧ ]
جاء قوم من بني سعد بن زيد مناة بت تميم إلى دعفل النسَّابة، فسلَّموا عليه وهو مولِّي ظهرة الشمس في مشرقه له، فردَّ عليهم من غير أن يلتفت إليهم، ثم قال لهم: من القوم؟ قالوا: نحن سادة مضر. قال: أنتم إذًا قريش الحرم، أهل العزِّ والقدم، والفضل والكرم، والرأي في البهم؛ قالوا: لسنا منهم، قال: لا؟ قالوا: لا. قال: فأنتم إذًا سُليم فوارس عضاضها، ومناع أعراضها؛ قالوا: لسنا بهم. قال: لا؟ قالوا: لا. قال: فأنت إذًا بنو حنظلة أكرمها جدودًا وأسهلها خدودًا وألينا جلودًا، قالوا لسنا بهم، قال: لا؟ قالوا: لا قال: فلا أراكم إِلاَّ من زمعات مضر، وأنتم تأبون إِلاَّ أن تترقَّوا في الغلاضم منهم، اذهبوا لا كثَّر الله بكم من قلة، ولا أعزَّ بكم من ذلة.
أخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدثني أبو عبد الله الحكيمي، قال: حدثني يموت بن المزرَّع، قال: حدثني أبو زينب علي بن ثابت، قال: قال الأصمعيُّ: تصرفت في الأسباب عن باب الرشيد مَؤَملًا للظفر به، والوصول إليه، حتى إذا صرتُ إلى بعض حرسه خَدِينًا، فإني في ليلة قد نثرتِ السعادة والتوفيق فيها الأَرَقَ بين أجفان الرشيد، إذ خرج خادم فقال: أبا لحضرة أحد يُنشد الشعر؟ فقلت: الله أكبر! رُبَّ قيد مضيقةٍ قد حلَّه التيسير، فقال لي الخادم: ادخل، فلعلَّها أن تكون ليلة تُعَرِّس في صباحها بالغنى، إن فُزْت بالحضوة عند أمير المؤمنين، فدخلتُ، فواجهتُ الرشيد في بهوه، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بي بحيث يسمع التسليم، فردَّ السلام، ثم قال: يا غلام، أرِحْهُ قليلًا يُفرح روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حِسًا، فدنوتُ قليلًا، ثم قلتُ: يا أمير المؤمنين، إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيَّة؛ فقال: ادْنُ، فدنوتُ، فقال: أساعر أم راوية؟ فقلتُ: راوية لكلِّ ذي جدٍ وهزلٍ، بعد أن يكون مُحسنًا. فقال: تالله ما رأيتُ ادِّعاءً أعمَّ! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين، فقال: " وقد أنصفَ القارةَ مَن راماها "؛ ثم قال: ما معنى هذه الكلمة بِدئًا؟ قلتُ: فيها قولان، القارةُ هي الحرَّةُ من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماةً للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف عسكره عسكرًا للسغدِ، فخرج فارس من السغد، وقد وضع سهمه في كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب: أنصف القارة مَن راماها، فقال لي الرشيد: أصبْتَ، ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج، والعجاج شيئًا؟ فقلتُ: هما شاهدان لك بالقوافي، وإن غُيِّبا عن بصرك بالأشخاص؛ فأخرج من ثِنْيِ فرشِهِ رقعة، ثم قال: أنشدني " من الزجر "
أرَّقني طارقُ هَمٍّ أرَقا
فمضيت فيها مضيّ الجواد في متن ميدانه، تهدر بي أشداقي، فلما صرتُ إلى مديحه لبني أُميَّة ثنيتُ لساني إلى امتداحه للمنصور في قوله:
قلتُ لِزِيرٍ لم تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
فلما رآني قد عدلتُ من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرةْ أم عن عمدٍ؟ قلت: عن عمدٍ تركتُ كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمصل هذا المجلس، فلما أتيت على آخرها، قال لي الرشيد: أتروي كلمة عديّ بن الرقاع: " من الكامل "
عَرَفَ الديارَ تَوَهُّمًا فاعْتادَها
قلتُ: نعم، قال: هات، فمضيتُ فيها حتى إذا صرتُ إلى وصفه الجمل قال لي الفضل: ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعتنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جملٍ أجْرَب، فقال الرشيد: اسكت، فالإبل هي التي أخرجتك عن دارك، واستلبتْ تاج ملكك، ثم ماتت وعُملتْ جلودها سياطًا ضُربتَ بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقب على غير ذنبٍ، والحمد لله! فقال الرشيد: أخطأتَ، الحمد لله على النِّعم، ولو قلت. وأستغفر الله لكنتَ مُصيبًا، ثم قال لي: امض في أمرك، فأنشدتُهُ حتى إذا بلغتُ إلى قوله:
تُزْجى أغَنَّ كَأَنَّ إبرةَ رَوْقِهِ
استوى جالسًا وقال: أتحفظ في هذا ذكرًا؟ قلتُ: نعم، ذكرت الرواة أنَّ الفرزدق قال: كنتُ في المجلس وجرير إلى جانبي، فلما ابتدئ عديُّ في قصيدته قلت لجرير مُسرًّا إليه: هلُمَّ نسخر من هذا الشاميّ، فلما ذُقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال:
تُزجي أغنّ كأنّ إبرةَ روقِهِ
[ ١٨ ]
وعديٍّ كالمستريح قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلًا! فقال الفرزدق: يا لُكع، إنه يقول:
قَلَمٌ أصَابَ من الدَّواةِ مِدَادَها
فقال عديّ:
قَلَمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدادَها
فقال جرير: كان سَمْعُكَ مخبوءًا في صدره! فقال لي: اسكت شغلني سَبُّكَ عن جيد الكلام فلما بلغ إلى قوله:
ولقدْ أرادَ الله إذْ ولاّكها مِنْ أُمَّةٍ إصلاحَها ورشادَها
قال الأصمعي: فقال لي: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ فقلتُ: قال: كذا أراد الله، فقال الرشيد ما كان في جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء الله! قلت: وكذا جاءت الرواية، فلما أتيتُ على آخرها قال لي: أتروي لذي الرمة شيئًا؟ قلت: الأكثر، قال: فماذا أراد بقوله:
مُمَرٌّ أمَرَّتْ مَتْنَهُ أسَدِيَّةٌ ذِراعيةٌ حَلاَّلةٌ بالمصانعِ
قلت: وصف حمار وحش، أسْمنهُ بَقْلُ روضةٍ تواشجَتْ أصوله، وتشابكتْ فروعه، على مطر سحابةٍ كانت بنَوْءِ الأسَد في الذِّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرحْ، فقد وجدناك ممتعًا، وعرفناك مُحسنًا، ثم قال: أجدُ ملالةً، ونهض، فأخذ الخادم يُصلح عَقِبَ النَّعل في رجله وكانت عربيةً، فقال الرشيد: عَقَرْتَني يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما أنها لو كانت سنديةً لما احتجتَ إلى هذه الكلفة، فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي، كم تُعارض فلا تُتْرَك من جواب مُمِضٍ! ثم قال: يا غلام؛ يؤمَرُ صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته ولا يُحجَبُ في المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمرُ فيه غيره لأمرتُ لك بمثل ما أمر لك، وقد أمرت لك به، إلاَّ ألف درهم، فَتَلَقَّ الخادم صباحًا.
قال الأصمعي: فما صليتُ من غدٍ إلاّ وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم.
٢٦
[ ١٩ ]