وروي الزجاجي فِي أماليه الصغرى قَالَ: ورد يزيد بْن الحكم الثقفي من الطائف، علي الحجاج بْن يوسف بالعراق، وكان شريفا شاعرا، فولاه الحجاج فارس، فلما جاء لأخذ عهده، قَالَ له: يا يزيد، أنشدنا من شعرك، يريد أنشدنا ينشده مديحا له، فأنشده:
من يك سائلا عني فأني أنا ابن الصيد من سلفي ثقيف
وفي وسط البطاح محل بيتي محل الليث من وسط الغريف
وفي كعب، ومن كالحي كعب حللت ذؤابه الجبل المنيف
حويت فحارها غورا ونجدا وذلك منتهى شرف الشريف
نماني كل أصيد ولا ضعيف بحمل المعضلات ولا عنيف
فوجم الحجاج وأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله، أحمده وأشكره، إذ لم يأت علينا زمان إلا فينا أشعر العرب، ثم قَالَ: أنشدنا يا يزيد، فأنشأ يَقُولُ:
وأبي الذي فتح البلاد بسيفه فأذلها لبني الزمان الغابر
وأبي الذي سلب ابن كسرى راية فِي الملك تخفق كالعقاب الكاسر
وإذا فخرت فخرت غير مكذب فخرا أدق به فخار الفاخر
[ ٢١٩ ]
فقام الحجاج مغضبا، ودخل القصر، وانصرف يزيد والعهد فِي يده، فقال الحجاج لخادمه: اتبعه وقل له: اردد علينا عهدنا، فإذا أخذته فقل له: هل ورثك أبوك مثل هذا العهد؟ ففعل الخادم وأبلغه الرسالة، فرد عليه العهد فقال: قل للحجاج: أورثني أبي مجده وفعاله، وأورثك أبوك أعنزا ترعاها! ثم سار تحت الليل فلحق بسليمان وهو ولي عهد الوليد، فضمه إليه وجعله فِي خاصته، ومدحه بقصائد، فقال له سليمان: كم كان أجري لك فِي عمالة فارس؟ قَالَ: عشرين ألفا، قَالَ: هي لك علي ما دمت حيا، والسليم: اللديغ، قَالَ الزجاجي فِي أماليه الصغرى: سمت العرب الملسوع سليما تفاؤلا، كما سموا المهلكة مفازة، من قولهم: فوز الرجل، إذا مات، كأنهما لفظتان لمعنى، وكان ينشد قول الشاعر:
كأني من تذكر آل ليلى إذا ما أظلم الليل البهيم
سليم بان عنه أقربوه وأسلمه المداوي والحميم
ولو كان على ما ذهب إليه، في السليم لقيل لكل من به علة صعبة:
[ ٢٢٠ ]
سليم، مثل المبرسم، والمجنون، والمفلوج، بل كان يلزم أن يقال للميت سليم.
قَالَ البغدادي: وفيه أنشدنا المنقول عنه، أنه هو وابن الأعرابي، قالا: إن بني أسد تقول: إنما سمي السليم سليما لأنه أسلم لما به، على أنشدنا العلة لا يجب اطرادها، فتأمل، ثم أورد السيد جملا من أحواله، إلى أن أورد هذه الحكاية وأوردها الزجاجي فِي أماليه الصغرى، بسندها إلى سعيد بْن خالد الجدلي، أنه قَالَ: لما قدم عَبْد الملك بْن مروان الكوفة بعد قتل مصعب بْن الزبير، دعا الناس إلى فرائضهم، فأتيناه فقال: ممن القوم؟ فقلنا من بني جديلة، فقال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فتمثل عَبْد الملك:
عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض
بغي بعضهم بعضا فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادات والموفون بالقرض
ثم أقبل على رجل كنا قدمناه أمامنا، جسيم وسيم، فقال: أيكم يَقُولُ هذا الشعر؟ فقال: لا أدري، فقلت من خلفه: يقوله ذو الإصبع، فتركني
[ ٢٢١ ]
وأقبل على ذلك الجسيم فقال: وما كان اسم ذي الإصبع؟ فقال: لا أدري.
فقلت أنا من خلفه: اسمه حرثان، فأقبل عليه وتركني فقال: لم سمي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري فقلت أنا من خلفه: نهشته حية على أصبعه، فأقبل علي وتركني فقال: من أيكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه: من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال: كم عطاؤك؟ فقال: سبعمائة درهم، فقال لكاتبه: حط من عطاءك هذا ثلثمائة وزدها فِي عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة، وعطاؤه أربعمائة.
قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي في أماليه الوسطى والصغرى:
أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْيَزِيدِيُّ، قَالَ: أخبرنا أَبُو الْفَضْلِ الرِّيَاشِيُّ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُؤْبَةَ الْعَجَّاجِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " أَنْشَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَصِيدَتِي الَّتِي أَوَّلُهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَقَلَّتْ،
[ ٢٢٢ ]
حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، فَقَالَ: أَشْهَدُ إِنَّكَ لَمُؤْمِنٌ "، انتهى
وقد أورد أَبُو القاسم الزجاجي هذه الأبيات الثلاثة، فِي أماليه الصغرى والوسطى، وقال فيها: أما عصام فحاجب النعمان، يَقُولُ: لا ألومك إن منعتني من الوصل إليه، ولكن عرفني خبره، وكان الملك إذا مرض يجعل فِي سرير ويحمل على أكتاف الرجال، يعلل بذلك، ويقولون: هو أرفه له، وأما قوله: ونأخذ بعده، فيجوز فيه الرفع والنصب والجزم، أما الجزم فعلي العطف على قوله: يهلك ربيع الناس، والرفع على القطع والابتداء، وانصب بالصرف على إضمار أن، وكذلك كل معطوف بعد جواب الجزاء من الأفعال المستقبلة، تجوز فيه هذه الأوجه الثلاثة، وقوله: أجب الظهر يعني مقطوع الظهر، وهذا تشبيه تمثيل، ويروي: أجب الظهر بخفضهما
[ ٢٢٣ ]
جميعا على إضافة أجب إلى الظهر، ويروي: أجب الظهر بفتح أجب ونصب أن يكون موضع أجب خفضا ولكن لا ينصرف، وينصب الظهر على التشبيه بالمفعول به ويضمر في أجب الفاعل، كأنه قَالَ: أجب الظهر بالتنوين، ثم منعه التنوين لأنه لا ينصرف، وهو فِي تقدير قولك: مررت برجل حسن الوجه، وكثير المال، وطيب العيش، ويروي: أجب الظهر أنه فِي موضع خفض ورفع الظهر به، كأنه قَالَ: أجب ظهره، فأهل الكوفة يجعلون الألف واللام عقيب الإضافة، وأهل البصرة يضمرون ما يعلق الذكر بالأول، وتقديره عندهم: أجب الظهر منه، انتهى، قَالَ البغدادي: وعذرهم فِي تقديم الجواب أن هذا البيت، ساقط فِي أكثر الروايات، وقد ذكره الزجاجي فِي أماليه الصغرى والكبرى فِي جملة أبيات ثمانية، رواها عَنِ المبرد، من قصيدة لأمرئ القيس، ورأينا أن نقتصر عليها، وهي:
بعثت إليها والنجوم خواضع حذارا عليها آن تقوم فتسمعا
[ ٢٢٤ ]
فجاءت قطوف المشي هائبة السرى يدافع ركناها كواعب أربعا
يزجينها مشي النزيف وقد جرى صباب الكرى فِي مخها فتقطعا
تقول وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
إذن لرددناه ولو طال مكثه لدينا ولكن بحبك ولعا
فبتنا نصد الوحش عنا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت بمنكب مقدام على الهول أروعا
[ ٢٢٥ ]
وفي أمالي الزجاجي الصغرى:
أخبرنا أَبُو جعفر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن رستم الطبري، قَالَ: أخبرنا أَبُو عثمان المازني، قَالَ: قرأ مُحَمَّد بْن سليمان الهاشمي، وهو أمير البصرة على المنبر «إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي» بالرفع، فعلم أنه قد لحن، فبعث إلى النحويين وقال لهم: خرجوا لها وجها، فقالوا: نعطف به على موضع أن، لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، فأحسن صلتهم، ولم يرجع عنها لئلا يقال لحن الأمير
وأخبرنا أَبُو إسحاق الزجاج، قَالَ: أخبرنا أَبُو العباس المبرد، عَنِ المازني، قَالَ: حدثني الأخفش قَالَ: كان أمير فِي البصرة يقرأ على المنبر: «إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي» بالرفع، فصرت إليه ناصحا ومنبها، فتهددني وأوعدني وقال: تلحنون أمراءكم، ثم عزل وتقلد مُحَمَّد بْن سليمان الهاشمي، فكأنه تلقنها من فِي المعزول، فقلت: هذا هاشمي نصيحته واجبة، فجبنت عنه وخشيت أن يتلقاني بمثل ما تلقاني به الأول، ثم حملت على نفسي فأتيته، فإذا هو فِي غرفة
[ ٢٢٦ ]
له، وعنده أخوه، والغلمان على رأسه، فقلت: هذا، وأومأت إلى أخيه، فنهض أخوه وتفرق الغلمان، فقلت أصلح اللَّه الأمير، أنتم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة والفصاحة، وتقرأ: إن اللَّه وملائكته، بالرفع، وهو لحن لا وجه له؟ فقال: جزاك اللَّه خيرا، قد نبهت ونصحت! فانصرف مشكورا.
فانصرفت، فلما صرت فِي نصف الدرجة إذا قائل يَقُولُ لي: قف، فوقفت وخفت أن يكون أخوه أغراه بي، فإذا بغلة سفواء، وغلام، وبدرة، وتخت ثياب، وقائل يَقُولُ: هذا لك، قد أنر به الأمير، فانصرفت مغتبطا.
انتهى كلامه
[ ٢٢٧ ]