أخبرنا ابن شقير، قَالَ: وقد سأله رجل حضرت المبرد عَن معنى قول الشاعر:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
فقال هذا كقول الآخر:
وقافية قيلت فلم أستطع لها دفاعا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأدفع عَن حق بحق ولم يكن ليدفع عنكم قاله الحق باطلي
قَالَ أَبُو القاسم: معني هذا الفصيل إذا لهج بالرضاع، جعلوا فِي أنفه خلالة محددة، فإذا جاء يرضع أمه نخستها تلك الخلالة فمنعته من الرضاع، فإن كف وإلا أجروه، والإجرار: إن يشق لسان الفصيل أو يقع طرفه، فيمتنع حينئذ من الرضاع ضرورة، فقال قائل البيت الأول: إن قومي لم عَن مدحهم كما يجر الفصيل عَنِ الرضاع، ففسره أَبُو العباس بالبيتين اللذين مضيا.
وللإجراء موضع آخر، وهو أن يطعن الفارس فيمكن الرمح
[ ٢٢٨ ]
فيه، ثم يتركه منهزمًا يجر الرمح، فذلك قاتل لا محالة.
ومنه قول الشاعر:
وأخر منهم أجررت رمحي وفي البجلي معبلة وقيع
وقول الآخر:
ونقي بأفضل ما لنا أحسابنا ونجر فِي الهيجا الرماح وندعي
انتهى.
وهو نص ملفق من كتاب المحاسن والأضداد للجاحظ، ومن كتاب المغربين، لأبي الحسن علي بْن مُحَمَّد المدائني، والأمثال لحمزة الأصبهاني، والروض الأنف السهيلي، وغاية السائل إلى معرفة الأوائل لإسماعيل بْن هبة اللَّه الموصلي، والأمالي الوسطى للزجاجي، والنص يتعلق بالفريعة بنت همام، المعروفة بالمتمنية أم الحجاج بْن يوسف، وكانت تهوى نصر بْن حجاج.
وقد وجدت من العسير أن أفصل نص الزجاجي من سائر النصوص
[ ٢٢٩ ]
لاتصال معنيها وسياقها، ورأيت أن فِي نقلها إطالة يمكن الاستغناء عنها بالرجوع إليها فِي الخزانة.
قَالَ البغدادي: وزعم الخطيب التبريزي فِي شرح ديوان أبي تمام، أن البيت الشاهد للعرجي المذكور آنفا، ولم يوجد فِي ديوانه، والذي رواه العلماء أنه لعمر بْن أبي ربيعة، وهو موجود فِي شعره، وسبب توهمه: أن للعرجي أبياتا على هذا النمط رواها الزجاجي فِي أماليه الوسطى، بسنده إلى إسحاق ابن سعيد بْن عمرو بْن سعيد بْن العاص، قَالَ: كان العرجي، وهو عَبْد اللَّه بْن عمر بْن عمرو بْن عثمان بْن عفان، يشبب بامرأة مُحَمَّد بْن هشام، وقال غيره: إنه يشبب بامرأته الحارثية:
عوجي علينا ربة الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي
أيسر ما قَالَ محب لدي بين حبيب قوله: عرج
[ ٢٣٠ ]
يفضي إليكم حاجة أو يقل هل لي مما بي من مخرج
من حبكم بنتم ولم ينصرم وجد فؤادي الهائم المنضج
فما استطاعت غير أن أومأت بطرف عيني شاد أدعج
تذود بالبرد لها عبرة جادت بها العين ولم تنشج
مخافة الواشين أن يفطنوا بشأنها والكاشح المزعج
أقول لما فاتني منهم ما كنت من وصلهم أرتجي
إني أتيحت لي يمانية إحدى بني الحارث من مذحج
نمكث حولا كاملا كله لا نلتقي إلا على منهج
فِي الحج إن حجت وماذا مني وأهله إن هي لم تحجج
فقال عطاء: الكثير الطيب يا خبيث.
[ ٢٣١ ]
ساق البغدادي الأبيات التالية لزيد بْن عمرو بْن نفيل:
تلك عرساي تنطقان على عمد لي اليوم قول زور وهتر
سالتاني الطلاق أن رأتا ما لي قليلا قد جئتماني بنكر
فلعلي أن يكثر المال عندي ويعرى من المغارم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ومناصيف فِي خوادم عشر
ونجر الأذيال فِي نعمة زول تقولان ضع عصاك لدهر
وي كأن لم يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر
ويحنب سر النجي ولكن أخا المال محضر كل سر
ثم قَالَ: وروي الزجاجي فِي أماليه بدل نكر: مر من المرارة ضد الحلاوة، وروي أيضا:
سالتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد. . . . . . إلخ
[ ٢٣٢ ]
وقال البغدادي أيضا: وهي لزيد بْن عمر بْن نفيل، كما فِي كتاب سيبويه وخدمته، وكذا فِي أمالي الزجاجي الوسطي، وأثبتها الجاحظ، لابنه سعيد بْن زيد، ونسبها الزبير بْن بكار، لنبيه بْن الحجاج.
ورأيت فِي أمالي الزجاجي الوسطي قَالَ:
أخبرنا الأشنانداني، عَنِ العتبي، عَن رجل من قريش، قَالَ: حضرت مجلس عَبْد الملك وعنده بطن من بني عامر بْن صعصعة، وكان رجل بينهم معه ابنتاه وذوده وهن ثلاث، فراح ذوده يوما، ففقد منها واحد فنشده، أي سأل عنه وطلبه، فلم ينشد، فأوفى على صخرة وأنشأ يَقُولُ:
أذئب القفر أم ذئب أنيس سطا بالبكر أم صرف الليالي
[ ٢٣٣ ]
وأنتم لو أراد الدهر عدوا عديد الترب من أهل ومال
ونحن ثلاثة وثلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي
ولو مولي ضباب عال فيهم لجر الدهر على حال لحال
ومولاهم أبي لا عيب فيه وفي مولاكم بعض المقال
هلم براءة والحي ضاح وإلا بالوقوف على الإل
دعا داعي القوص على ثبير ألا أين القوص بني قتال
فطلبوا له ذوده فردها عليه، وغرموا له ذودًا وقالوا: اخرج عنا، انتهى.
أورد البغدادي قول الراجز:
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتكل
ثم ساق رأي سيبويه فيه ونصه: وقد يجوز أن تقول: بمن تر أمر، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معني
[ ٢٣٤ ]
عليه وبه، وليس بجد الكلام، وفيه ضعف، ومثل ذلك قول بعض الأعراب:
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتكل
يريد: يتكل عليه، ولكنه حذف، وهذا قول الخليل.
انتهى.
قَالَ الزجاجي فِي أماليه الوسطى: زعم بعض الناس أن سيبويه غلط فيه، وتقديره عند سيبويه أن يكون يجد متعديا إلى من بعلي، وليس وجدت مما يتعدى بحرف خفض، فلهذا خالفوه، قَالَ: تقديره صحيح جيد، لأن الفعل المتعدي قد يجوز ألا يتعدى، فكأنه قصد ذلك ثم بدا له فعداه بعلي، كما قَالَ تعالى: عسى أن يكون ردف لكم وإنما جاز أن يحذف عليه لذكرها فِي أول الكلام.
انتهى.
أنشد البغدادي قول الراجز:
تضحك مني أن رأتني أحترش ولو حرشت لكشفت عَن حرش
ثم قَالَ ٢٥ ورواه الزجاجي فِي أماليه الوسطي:.
تعجب لما أن رأتني أحترش
[ ٢٣٥ ]