أورد قول الراجز:
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
ثم قَالَ: ورواه الدينوري فِي النبات، وابن قتيبة فِي أبيات المعاني، والزجاجي وابن الشجري فِي أماليهما، وروي الزجاجي فِي أماليه قَالَ:
حدثنَا ابن دريد، قَالَ: أخبرنا أَبُو حاتم، قَالَ: أخبرنا أَبُو عبيده قَالَ: كتبت امرأة من العرب إلى طلحة الطلحات:
يأيها المائح دلوي دونكا
إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
[ ٢٣٧ ]
فلما قرأ طلحة الكتاب أحب ألا يفطن الرسول فقال: ما أيسر ما سالت، إنما سألت جنبة، ثم أمر بجنبة عظيمة فقورت وملئت دنانير، وكتب إليها:
إنا ملأناها تفيض فيضا فلن تخافي ما حييت غيضا
خذي لك الجنب وعودي أيضا.
قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي فِي أماليه:
حدثنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ رُسْتُمَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حدثنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حدثنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حدثنَا سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ، حدثنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَرَأَيْتُهُ مُطْرِقًا مُتَفَكِّرًا، فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: " إِنِّي سمعتُ بِبَلَدِكُمْ هُنَا لَحْنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيتَ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأَلْقَى لِي صَحِيفَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ، وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالاسْمُ: مَا أنبأ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أنبأ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أنبأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلا فِعْلٍ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، وَاعْلَمْ يَا أَبَا الأَسْوَدِ أَنَّ الأَسْمَاءَ
[ ٢٣٨ ]
ثَلاثَةٌ: ظَاهِرٌ، وَمُضْمَرٌ، وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، قَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَجَمَعْتُ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ حُرُوفُ النَّصْبِ، فَذَكَرْتُ مِنْهَا، إِنَّ، وَأَنَّ، وَلَيْتَ، وَلَعَلَّ، وَكَأَنَّ، وَلَمْ أَذْكُرْ لَكِنَّ، فَقَالَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهَا؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَحْسِبْهَا مِنْهَا، فَقَالَ: بَلْ هِيَ مِنْهَا، فَزِدْهَا فِيهَا "
أخبرنا أَبُو الحسن علي بْن سليمان الأخفش النحوي، حدثنَا أَبُو العباس أَحْمَد بْن يحيى ثعلب، قَالَ: حدثني سلمة، قَالَ: قَالَ الفراء: قدم سيبويه على البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما، فلما حضر تقدمت والأحمر فدخلنا، فإذا بمثال فِي صدر المجلس، فقعد عليه يحيى، ومعه إلى جانب المثال جعفر، والفضل، ومن حضر بحضورهم، فأقبل عليه الأحمر فسأله عَن مسألة فأجاب فيها سيبويه، وحضر سيبويه، فقال له: أخطأت، ثم سأل عَن ثانية فأجاب فقال له: أخطأت،
[ ٢٣٩ ]
ثم سأله عَن ثالثة فأجاب، فقال له: أخطأت، فقال له سيبويه: هذا سوء أدب! قَالَ الفراء: فأقبلت عليه فقلت: إن فِي هذا الرجل حدة وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قَالَ: هؤلاء أبون ومررت بأبين، كيف تقول مثال ذلك من وأيت وأويت؟ فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدر وأخطأ ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك قَالَ: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره.
قَالَ: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ قَالَ: لا، بل سلني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب، فقال له الكسائي: لحنت، ثم سأله عَن مسائل من هذا النحو: خرجت فإذا عَبْد اللَّه القائم، أو القائم؟ فقال سيبويه فِي ذلك كله بالرفع دون النصب، وقال له الكسائي: ليس هذا كلام العرب، العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبوبه قوله، فقال يحيى بْن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلدكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصريين، وسمع أهل الكوفة أهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، فأمر بإحضارهم فدخلوا، وفيهم أَبُو فقعس، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسئلوا عَنِ المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فتابعوا الكسائي
[ ٢٤٠ ]
وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل، فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح اللَّه الوزير، إنه قد وفد إليك من بلده مؤملا، فإن رأيت ألا ترده خائبا! فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، وأقام هناك ولم يعد إلى البصرة، ثم قَالَ السيوطي قَالَ السخاوي فِي سفر السعادة قَالَ لي شيخنا أَبُو اليمن الكندي: إن سيبويه إنما قَالَ ذلك لأن المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة، قَالَ السخاوي: لم أسمع فِي هذه المسألة أحسن من قول الكندي ولا أبلغ!
أخبرنا أَبُو عَبْد اللَّه بْن اليزيدي، يرفعه إلى عمه، عَن جده أبي مُحَمَّد اليزيدي واسمه يحيى المبارك، قَالَ: كنا فِي مجلس أبي عمرو العلاء، فجاءه عيسى بْن عمر الثقفي فقال:
[ ٢٤١ ]
يا أبا عمرو، ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قَالَ: وما هو؟ قَالَ: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، فقال له أَبُو عمرو: هيهات، نمت وأدلج الناس! ليس فِي الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا فِي الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ثم قَالَ لي أَبُو عمرو: تعال أنت يا يحيى، وقال لخلف الأحمر: تعال أنت يا خلف، امضيا إلى أبي مهدية فلقناه الرفع، فإنه يأبى، وامضيا إلى المنتجع بْن نبهان التميمي، فلقناه النصب فإنه يأبى، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فمضينا إلى أبي مهدية فوجدناه قائما يصلي، فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: ما خطبكما؟ فقلت: جئناك لنسألك عَن شيء من كلام العرب، قَالَ: هاتياه، فقلنا: كيف تقول ليس الطيب إلا المسك؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبر سني، فأين الزعفران، وأين الجادي، وأين بنة الأبل الصادرة؟ فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، قَالَ: فما تصنع سودان هجر، ما لهم غير هذا التمر، فلما رأيت ذلك قلت له: كيف تقول: ليس ملاك الأمر إلا طاعة اللَّه والعمل بها؟ فقال: هذا كلام لا دخل
[ ٢٤٢ ]
فيه، ليس ملاك الأمر إلا طاعة اللَّه والعمل بها، فنصب فلقناه الرفع فأبى، فكتبنا ما سمعناه منه.
ثم جئنا إلى المنتجع فقلنا له: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟ ونصبنا فقال: ليس الطيب إلا المسك، فرفع، وجهدنا به أن ينصب، فلم ينصب.
فرجعنا إلى أبي عمرو، وعنده عيسى بْن عمر لم يبرح بعد، فأخبرناه بما سمعنا، فأخرج عيسى خاتمه من يده، فدفعه إلى أبي عمرو، وقال: بهذا سدت الناس يا أبا عمرو
حضرت أبا إسحاق الزجاج يوم الجمعة، فِي مجلسه بالجامع الغربي، بمدينة السلام، بعد الصلاة، وقد دس إليه أَبُو موسى الحامض رجلا غريبا بمسائل، منها: كيف تجمع هبي وهبية جمع التكسير؟ فقال أَبُو إسحاق: أقول: هباي كما ترى، فأدغم، وأصل الياء الأولى عندي السكون، ولولا ذلك لأظهرتها، فقال له الرجل: فلم تصرفه إذا كان أصله عندك السكون كما تصرف حمارا؟ فقال: لأن حمارا غير مكسر، وإنما هو واحد، فلذلك صرفته ولم أصرف هباي، قَالَ: وما أنكرت من أن يكونوا أعلوا العين فِي هذا الباب وصححوا اللام، فشبهوا الياء التي ههنا هي لام بعين المعتل، ثم أعلوا العين بمثل رأيته؟ فقال: هذا مذهب، وهو عندي جائز،
[ ٢٤٣ ]
ثم قَالَ أَبُو إسحاق: أراك تسأل سؤال فهم فكيف تصغر هبي؟ فقال أنا مستفهم والجواب منك أحسن، فقال أَبُو إسحاق: يقال فِي تصغيره هبيي، فتصحح الياء الثانية فِي الأصل وتدغم فيها الياء الأولى التي هي لام الفعل، وتأتي بياء التصغير ساكنة فلا يلزم حذف شيء.
والهبي والهبية: الصبي قَالَ له الرجل: كيف تبني من قضيت مثل جحمرش؟ وهي العجوز، قَالَ أَبُو إسحاق: أما على مذهب المازني فيقال فيه قضي، لأن اللام الأولى بمنزلة غير المعتل لسكون ما قبلها، فأشبهت ياء ظبي، فكأن ليس فِي الكلام إلا ياءان، فصحت الأولى من الأخريين، وأعلت الآخرة.
هذا مذهب أبي عثمان.
والأخفش يَقُولُ فيها قضيا، قَالَ: وأقلب الوسطى ألفا أحذف الآخرة لانفتاح من قبلها.
قَالَ له الرجل: فكيف تقول منها من قرأت؟ فقال له أَبُو إسحاق: يقال قرآء مثل قرقاع، وأصله قرأئئ وزنه قرقيع، فاجتمعت ثلاث همزات فقلبت الوسطى منهن ياء لاجتماع الهمزات، ثم قلبتها ألفا لاجتماع ما قبلها.
فقال له: فما وزن كينونة عندك؟ قَالَ: فيعلولة، وأصلها كيونونة، ثم قلبت الواو ياء لسبق الياء لها ساكنة، وأدغمت الأولى فِي الثانية فصار كينونة، ثم خففت فقيل كينونة؟ كما قيل فِي ميت وهين وطيب: ميت وهين وطيب.
قَالَ: ما الدليل على هذه الدعوى والفراء يزعم أنها فعلولة؟
[ ٢٤٤ ]
قَالَ: الدليل عل ذلك ثبات الياء، لأنه لو كان أصلا لزمه الاعتلال، لأنه لا محالة من الكون، فكان يجب أن يقال كونونة، إن كان أصلها فعلولة بإسكان العين، وإن كان أصلها فعلولة بتحريك العين فواجب أن يقال كانونة.
فقال له الرجل: فما تقول فِي امرأة سميت أريس، ثم خففت الهمزة، كيف تصغرها؟ قَالَ: أريس ولا أزيد الهاء.
فقال له: ولم وقد صار ثلاثة أحرف، ألست تقول فِي تصغير هند هنيدة، وعين عيينة، فقال الزجاج: هذا مخالف لذلك، فغني لو خففت الهمزة فإنها مقدرة فِي الأصل، والتخفيف بعد التحقيق.
قَالَ: فلم لا تلحقه بتصغير سماء إذا قلت سمية، أليس الأصل مقدرا؟ فقال: هذا لا يشبه تصغير سماء، لأن التخفيف فِي أرؤس عارض، والتحقيق فيه جائز، وأنت فِي تحقير سماء تكره الجمع بين ثلاث ياءات، وأنت لا تكره التحقيق فِي أرؤس، فلو حققته صار على أربعة أحرف وهو الأصل، وسماء الحذف لها لازم، فصار كأنه على ثلاثة أحرف، فلحقتها الهاء فِي التصغير.
قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي: ونظير كينونة فِي الوزن القيدودة، وهو الطول، والهيعوعة، وهو مصدر هاع، إذا جبن هيعوعة، الطيرورة من الطيران، كل هذا أصله عند البصريين فيعلولة، ثم لحقته ما ذكرته لك، وكان فِي
[ ٢٤٥ ]
المجلس المشوق، فأخذ بياضا، وكتب من وقته:
صبرا أبا إسحاق عَن قدرة فذو النهي يمتثل الصبرا
واعجب من الدهر وأوغاده فإنهم قد فضحوا الدهرا
لا ذنب للدهر ولكنهم يستحسنون الغدر المكرا
نبئت بالجامع كلبا لهم ينبح منك الشمس والبدرا
والعلم والحلم ومحض الحجا وشامخ الأطواد والبحرا
والديمة الوطفاء فِي سحها إذا الربى أضحت به خضر
فتلك أوصافك بين الورى يأبين والتيه لك الكبرا
يظن جهلا والذي دسه أن يلمسوا العيون والغفرا
فأرسلوا النزر إلى غامر وغمرنا يستوعب النزار
فاله أبا إسحاق عَن خامل ولا تضق منك به صدرا
وعن خشار عور فِي الورى خطيبهم من فمه يخرا
قَالَ أَبُو إسحاق: فعقب هذا المجلي سألني مُحَمَّد بْن يزيد المبرد يوما، فقال: كيف تقول فِي تصغير أموي؟ فقلت له: أقول أمي، فقال لي: لم طرحت ياء التصغير من أموي وأثبتها فِي هذا؟ فقلت: تلك لغيره، تلك للجنس هذا
[ ٢٤٦ ]
له فِي نفسه، فلا يطرح له ما فِي نفسه حملا على ما كان للجنس، فقال: أجدت يا أبا إسحاق.
أخبرني بعض أصحابنا، قَالَ: حضرت مجلس أبي بكر بْن دريد وقد سأله بعض الناس عَن معني قول الشاعر:
هجرتك لا قلى مني ولكن رأيت بقاء ودك فِي الصدود
كهجر الحائمات الورد لما رأت أن النية فِي الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشي حماما فهي تنظر من بعيد
قَالَ: الحائم: الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه، يقال: حام يحوم حياما.
معني الشعر أن الأيائل، تأكل الأفاعي فِي الصيف، فتحمي وتلهب لحرارتها، فتطلب الماء، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله تتنسمه، لأنها إن شربته فِي تلك الحال وصادف الماء السم الذي فِي أجوافها
[ ٢٤٧ ]
تلفت، فلا تزال تدافع شرب الماء حتى يطول الزمان، فيسكن فوران السم، ثم تشربه فلا يضرها.
فيقول هذا الشاعر: فأنا فِي تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه إبقاء على ودك، بمنزلة هذه الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها
أخبرنا أَبُو بكر بْن شقير، قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد، عَن عَبْد اللَّه بْن بكر بْن حبيب السهمي، عَن أبيه، قَالَ: دخلت على عيسى بْن جعفر بْن المنصور، وهو أمير البصرة، أعزيه عَن طفل له مات، فبينا أنا عنده دخل عليه شبيب بْن شيبه المنقري، فقال: أبشر أيها الأمير، فإن الطفل لا يزال محنبظئا، بباب الجنة يَقُولُ: لا أدخل حتى يدخل
[ ٢٤٨ ]
والدي! فقلت: يا أبا المعمر، دع عنك الظاء والزم الطاء.
قَالَ: أولي تقول هذا وما بين لابتيها أفصح مني! فقلت: له هذا خطأ ثان، ومن أين للبصرة لابة، إنما البصرة الحجارة البيض الرخوة، واللابة: الحجارة السود.
يقال لابة ولاب، ولوبة ولوب، ونوبة ونوب، لمعني واحد، فكان كلما انتعش انتكس
قَالَ ثعلب فِي أماليه، ووكيع فِي الغرر:
حدثني أَبُو سعيد عَبْد اللَّه بْن شبيب، حدثني هارون بْن أبي بكر أخو الزبير، حدثني مُحَمَّد بْن إبراهيم الليثي، حدثني مُحَمَّد بْن معن الغفاري، قَالَ: أقحمت السنة المدينة ناسا من الأعراب، فحل المزاد، منهم صرم من بني كلاب، فأبرقوا ليلة فِي النجد، وغدوت عليهم، فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما، ضيعة ومرضا وضمانة حب، وإذا هو رافع عقيرته بأبيات قالها من الليل:
[ ٢٤٩ ]
ألا يا سنا برق على قلل الحمى لهنك من برق علي كريم
لمعت اقتذاء الطير والقوم هجع فهيجت أسقاما وأنت سليم
فبت بجد المرفقين أشيمه كأني لبرق بالستار حميم
فهل من معين طرف عين خلية فإنسان طرف العامري كليم
رمي قلبه الرق الملألئ رمية بذكر الحمي وهنا فبات يهيم
فقلت له: فِي دون ما بك ما يفحم عَنِ الشعر! فقال: صدقت ولكن البرق أنطقني.
قَالَ: ثم والله ما لبث يومه حتى مات قبل الليل، ما يتهم عليه غير الوجد أخرجه الزجاجي فِي أماليه من وجه آخر، عَن محمد بن معن به نحوه
[ ٢٥٠ ]