وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، رحمه الله تعالى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: وصف أعرابي نساء، فقَالَ: يلتثمن عَلَى السبائك، ويتشحن عَلَى النيازك، ويأتزرن عَلَى العوانك، ويرتفقن عَلَى الأرائك، ويتهادين عَلَى الدرانك، ابتسامهن وميض
، عَنْ وليع كالاغريض، وهن إِلَى الصبا صور، وعَنِ الخنا نور قَالَ أَبُو زيد: اللثام عَلَى الفم.
واللفام عَلَى طرف الأنف، يُقَال: تلثمت المرأة تلغمت المرأة.
والسبائك ههنا: الأسنان، شبهها لبياضها بالسبائك.
والنيازك، وأحدها نيزك، وهو الرمح القصير.
والعوانك، وأحدها عانك، وهو رمل منعقد يشق فِيهِ البعير لا يقدر عَلَى السير، فيقَالَ حينئذ: قد اعتنك.
والأرائك: السرر، وأحدها أريكة، وقَالَ قوم: الفرش.
ويتهادين: يمشين مشيا ضعيفا، قَالَ الأعشى:
تهادى كما قد رَأَيْت البهيرا
[ ١ / ٤٢ ]
والدرانك: الطنافس، وأحدها درنوك.
والوميض: اللمعان الخفى.
والإغريض والوليع: الطلع.
وصور: موائل، ومنه قِيلَ للمائل العنق: أصور.
ونور: نقر من الريبة، وأحدها نوار.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، فيما أملاه علينا من معانى الشعر:
إذا ما اجتلى الرانى اليها بطرفه غروب ثنياها أنار وأظلما
الغروب: حد الأسنان، وأحدها غرب.
والرانى: المديم النظر، وقوله: أنار وأظلم، أى أصاب ضوءًا وظلمًا.
والظلم: ماء الأسنان
وأنشدنا أَبُو بَكْر، قَالَ: أنشدنا عَبْد الرحمن، عَنْ عمه، لأعرابى:
أيا عمرو كم من مهرةٍ عربيةٍ من الناس قد بليت بوغد يقودها
يسوس وما يدرى لها من سياسةٍ يريد بها أشياء ليست تريدها
مبتلة الأعجاز زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
خليلي شدا بالعمامة واحزما عَلَى كبد قد بان صدعًا عمودها
خليلى هَلْ ليلى مؤدية دمي إذا قتلني أو أمير يقيدها
وكيف تقاد النفس بالنفس لم تقل قتلت ولم يشهد عليها شهودها
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا إذا لم يكن صلبًا عَلَى البرى عودها
نظرت إليها نظرة ما يسرنى بها حمر أنعام البلاد وسودها
ولى نظرة بعد الصدود من الهوى كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
فحتى متى هذا الصدود إِلَى متى لقد شف نفسى هجرها وصدودها
فلو أن ما أبقيت منى معلق بعود ثمام ما تأود عودها
ومما اخترته ودفعته إِلَى أَبِي بَكْر، فقرأه عَلَى:
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل متسربل أثواب عيش أغبر
أو ما إِلَى الكوماء هذا طارق نحرتنى الأعداء إن لم تنحري
[ ١ / ٤٣ ]
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى النحوى:
لقد هزئت مني بنجران أن رأت مقامى فِي الكبلين أم أبان
كأن لم ترى قبلي أسيرا مقيدا ولا رجلًا يرمى بِهِ الرجوان
خليلى لَيْسَ الرأى فِي صدر واحد أشيرا عَلَى اليوم ما تريان
أأركب صعب الأمر إن ذلوله بنجران لا يقضى لحين أوان
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: مر منسر من العرب بغلام يرعى غنيمة لَهُ وبينه وبين أهله شعب أو نقب، فترك غنمه وأسند فِي الجبل فأتي قومه فأنذرهم، فقالوا لَهُ: ما رَأَيْت؟ قَالَ: رَأَيْت سبعة كالرماح، عَلَى سبعة كالقداح، غائرة العيون، لواحق البطون، ملس المتون، جريها انبتار، وتقريبها انكدار، وإرخاؤها استعار، وعهدى بهم قد لاذوا بالضلع، وكأنكم بغبارهم قد سطع، فلم يفرغ من كلامه حتى رأوا الغبرة فاستعدوا، وصادفهم القوم حاذرين فأدبروا عَنْهُمْ: المنسر جماعة الخيل، والمنسر بكسر الميم: منقار الطائر، لأنه ينسر بِهِ، أى ينتف بِهِ، واحسب النسر من هذا لأنه ينسر اللحم، أي ينتفه.
قَالَ الأصمعى: منسر فِي الخيل والمنقار بكسر الميم، وتابعه عَلَى ذلك يعقوب، وقَالَ الأصمعى: إنما سمى منسرًا لأنه ينسر بِهِ كل ما مر بِهِ، أى ينتفه ويأخذه.
والشعب أكبر من اللصب، وهو الشق فِي الجبل.
والنقب: الطريق فِي الجبل، قَالَ عمرو بْن الأيهم التغلبي
وتراهن شربا كالسعالى يتطلعن من ثغور النقاب
: الأنبتار: الشدة فِي العدو، لأنه انقطع عَنِ التقريب والإرخاء.
وانكدار: انفعال من قولهم: انكدار إذا أسرع بعض الإسراع.
والتقريب تقريبان، فالتقريب الأدنى أن يجمع يديه ورجليه عند الحضر، والتقريب الأعلى أن يجمع يديه مَعَ رجليه ويحزئل متنه، وهذا هُوَ الإرخاء الأدنى، فأما الارخاء الأعلى، فهو أن يدعه وسومه من الحضر.
والضلع: الجبيل الصغير
[ ١ / ٤٤ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀:
ولست بصادرٍ عَنْ بيت جارى صدور العير عمره الورود
ولست بسائل جارات بيتى أغياب رجالك أم شهود
ولا ألقى لذي الودعات سوطي لألهيه وريبته أريد
أى لا أصدر عَنْ بيت جاري مثل الغير الَّذِي قد تغمر، أى لم يرو وفيه حاجة إِلَى العودة، يَقُولُ: فأنا لا آتى بيت جارى هكذا أريد الريبة.
وذو الودعات: الصبى، يَقُولُ: لا ألهى الصبى بالسوط وأخلو أَنَا بأمه.
ومثله قول مسكين الدارمى:
لا آخذ الصبيان ألثمهم والأمر قد يعزي بِهِ الأمر
وحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن السرى، وابن درستويه، والأخفش، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو العباس مُحَمَّد بن يزيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عمارة بْن عقيل بن بلال بْن جرير، قَالَ: وقع بين أعمامى وأخوالى لحاء فِي أرضٍ، فتراضوا عند حاكم لهم بشيخ منهم، ورضوا بيمينه مَعَ الشهادة فكان إذا استحلف بالمشى إِلَى مكة حلف بالمشى إِلَى جدة، وإذا استحلف بطلاق امرأة حلف بطلاق أربع، وإذا استحلف بعتاق عَبْد حلف بعتاق مائة، وكنت أحب أن يظهر أعمامى عَلَى أخوالى فظهروا عَلَيْهِم فقلت: لا شىء يدفع حق خصم شاغبٍ إلا كحلف عبيدة بْن سميذع
يمضى اليمين عَلَى اليمين لجاجة عض الجموح عَلَى اللجام المقدع
وإذا يذكر حلفةً أصغى لها وإذا يذكر بالتقى لم يسمع
سهل اليمين إذا أردت يمينه بخدائع السفراء غير مخدع
يهتز حين تمر حجةً خصمه خوف الهضيمة كاهتزاز الأشجع
يغشى مضرته لنفع صديقه ما خير ذى حسب إذا لم ينفع
وقرئ عَلَى أبي بَكْر بْن دريد، وأنا أسمع، لرجل ذكر دارا ووصف ما فيها فقَالَ:
إلا رواكد بينهن خصاصة سفع المناكب كلهن قد اصطلى
ومجوفات قد علا أجوازها أسآر جردٍ مترصات كالنوى
[ ١ / ٤٥ ]
رواكد: ثوابت، يعنى أثافى.
والخصاصة: الفرجة.
والسفعة: سواد تعلوه حمرة.
ومجوفات يعنى نعاما، والتجويف: أن يبلغ البياض البطن.
وقوله: علا أجوازها، أي علا التجويف أوساطها.
وأسآر: بقايا، الواحد سؤر.
وجرد: خيل قصار شعر الأبدان، واحدتها جرداء، وذلك من عتقها، يَقُولُ: قد طردت الخيل هذه النعام فقلت بعضها، وبقى بعض، فهذه البقايا بقايا هذه الخيل.
ومترصات: محكمات.
كالنوى: أى صلاب، ويجوز أن يكون فِي ضمرهن
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه نفطويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو العباس أحمد بْن يحيى النحوى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزبير، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الملك، قَالَ: قَالَ لى أَبُو السائب: يا بْن أخى، أنشدنى للأحوص، فأنشدته قوله:
قَالَت: وقلت تحرجى وصلى حبل أمري بوصالكم صب
صاحب إذا بعلى فقلت لها الغدر شىء لَيْسَ من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصلهما عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فاجعه والجار أوصانى بِهِ ربى
عوجا كذا نذكر لغانيةٍ بعض الحديث مطيكم صحبي
ونقل لهم فيم الصدود ولم نذنب بل أنت بدأت بالذنب
إن تقبلى نقبل وننزلكم منا بدار الود والرحب
أو تدبرى تكدر معيشتنا وتصدعى متلائم الشعب
فقَالَ لى: يا ابْن أخى هذا المحب عينا لا الَّذِي يَقُولُ: وكنت إذا حبيب رام صرمى وجدت وراى منفسحا عريضا اذهب، فلا صحبك اللَّه ولا وسع عليك