وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: كان قيس بن رفاعة يفد سنة النعمان اللخمي بالعراق، وسنةً إِلَى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام، فقَالَ له يومًا وهو عنده: يا بن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان عَلَى، قَالَ: وكيف أفضله عليك أبيت اللعن! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك
[ ١ / ٢٥٧ ]
أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخمٍ كثير النوك، فكيف أفضله عليك!
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوي، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قَالَ: قَالَ معاوية: لقد وضعت رجلي فِي الركاب يوم صفين غير مرة، فما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة:
أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعطائي عَلَى الإعدام مالي وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت رويدك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عَنْ مآثر صالحاتٍ وأحمي بعد عَنْ عرضٍ صحيح
المشيح: المبادر المنكمش، ويقَالَ: بطل مشيح، أي حامل، وقَالَ الأصمعي: شايحت فِي لغة تميم وقيس: حاذرت، فِي لغة هذيل: جددت الأمر.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبي حاتم، عَنْ أبي زيد، عَنِ المفضل الضبيّ، قَالَ: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صاحب أبي جعفر فِي اليوم الذي قتل فيه، فلما رأى البياض يقل والسواد يكثر قَالَ لي: يا مفضل، أنشدني شيئًا يهوّن عَلَى بعض ما أرى، فأنشدته:
ألا أيها الناهي فزارة بعدما أجدت لغزو إنما أنت حالم
أرى كل ذي تبلٍ يبيت بهمه ويمنع منه النوم إذ أنت نائم
قعوا وقعةً من يحي لم يخز بعدها وإن يخترم لم تتبعه الملاوم
[ ١ / ٢٥٨ ]
قَالَ: فرأيته يتطالل عَلَى سرجه، ثم حمل حملة كانت آخر العهد به
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، لأبى سعيد المخزومي:
من لي واللهو والغزل هيهات ما فات من أيامك الأول
طوى الجديدان ما قد كنت أنشره وأنكرتني ذوات الأعين النّجل
وقد نهاني النهي عنها وأدبني فلست أبكي عَلَى رسمٍ ولا طلل
مالي وللدمنة البوغاء أندبها وللمنازل من خوفٍ ومن ملل
متى ينال الفتى اليقظان همته إذ المقام بدار اللهو والغزل
فِي الخيل والخافقات السود لبرد الصبا لي شغلٌ ليس الصبابة والصهباء من شغلي
ما كان لي أمل فِي غير مكرمة والنفس مقرونة بالحرص والأمل
ذنبي إِلَى الخيل كرى فِي جوانبها إذا مشى الليث فيها مشى مختبل
ولي من الفيلق الجاواء غمرتها إذا تقحّمها الأبطال بالحيل
كم جأنبٍ خشنٍ صبّحت عارضه بعارضٍ للمنايا مسبل هطل
وغمرةٍ خضت أعلاها وأسفلها بالضرب والطعن بين البيض والأسل
سل الجرادة عني يوم تحملني هل فاتني بطلٌ أو خمت عَنْ بطل
وهل شآني إِلَى الغايات سابقها وهل فزعت إِلَى غير القنا الذبل
ما لي أرى ذمتي يستمطرون دمي ألست أولاهم بالقول والعمل
كيف السبيل إِلَى وردٍ خبعثنة طلائع الموت فِي أنيابه العصل
وما يريدون لولا الحين من أسدٍ بالليل مشتملٍ بالجمر مكتحل
لا يشرب الماء إلا من قليب دمٍ ولا يبيت له جارٌ عَلَى وجل
لولا الإمام ولولا حق طاعته لقد شربت دما أحلى من العسل
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للفند الزماني واسمه شهل بن شيبان:
صفحنا عَنْ بني ذهلٍ وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قومًا كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّ فأمسى وهو عريان
ولم يبقي سوى العدوان دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان
يروي عدا وغدا والغين، ويروى شددنا شدة الليث فمن روى شددنا فالأجود عدا بالعين غير المعجمة، ومن روى مشينا.
فالأجود غدا بالغين المعجمة بضربٍ فيه توهينٌ وتخضيعٌ وإقران
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبيه، عَنْ أبي رستم، مستملي يعقوب هذا البيت:
بضرب فيه تأييمٌ وتفجيعٌ وإرنان وطعنٍ كفم الزق غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
وقرأت عليه لأبي الغول الطهوي وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه إِلَى آخر بيت فيه: فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدّقوا فيهم ظنوني فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون ولا يجزون من حسن يسئ ولا يجزون من غلط بلين ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينًا بعد حين هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلف بين أشتات المنون
[ ١ / ٢٦٠ ]
فنكب عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلّوا ولا روض الهدون
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: رأيت رجلًا بالجفر من بني العنبر به لوثة بل هوج ظاهر أحفظ خلق الله للشعر.
وكان إذا قَالَ له قائل: أنشدنا، تمر له وشتمه، وإذا أنشد وحدّث اندفق منه ثبج بحر مع فصاحة وحسن إنشاد، فأنشدني يومًا من غير أن أستنشده: فدت نفسي وما ملكت يميني الأبيات كلها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ عَنْ أبي حاتم قَالَ: لم يرث أحد قتيلا قتله قومه إلا قيس بن زهير، فإنه رثى حذيفة بن بدر وبنو عبس تولت قتله:
ألم تري أن خير الناس أضحى عَلَى جفر الهباءة ما يريم
ولولا بغيه ما زلت أبكى عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدرٍ بغى والبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ عَلَى قومي وقد يستجهل الرجل الحليم