وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنْ مُحَمَّد بْن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: لما قتل عَبْد الملك مصعب بْن الزبير دخل الكوفة، فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، وصلى عَلَى النَّبِيّ مُحَمَّد صلى اللَّه وعليه وسلم، ثم قَالَ: أيها الناس، إن الحرب صعبة مرة، وإن السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبناها، فعرفناها وألفناها، فنحن بنوها وهى أمنا.
أيها الناس فاستقيموا عَلَى سبل الهدى، ودعوا الأهواء المردية، وتجنبوا فراق جماعات المسلمين، ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين، وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرًا، ولن تزداد بعد الإعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة، فمن شاء منكم أن يعود بعد لمثلها فليعد، فإنما مثلى ومثلكم كما قَالَ قيس بْن رفاعة:
من يصل نارى بلا ذنب ولا ترة يصل بنار كريمٍ غير غدار
أَنَا النذير لكم منى مجاهرةً كى لا ألام عَلَى نهىٍ وإنذار
فإن عصيتم مقالى اليوم فاعترفوا أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لترجعن أحاديثًا ملعنةً لهو المقيم ولهو المدلج الساري
[ ١ / ١١ ]
من كَانَ فِي نفسه حوجاء يطلبها عندى فإنى لَهُ رهن بإصحار
أقيم عوجته إن كَانَ ذا عوج كما يقوم قدح النبعة البارى
وصاحب الوتر لَيْسَ الدهر مدركه عندى وإنى لدراك بأوتار
: قوله: زبنتنا الحرب وزبناها، أي دفعتنا ودفعناها، والزبن: الدفع، ومنه اشتقاق الزبانية، لأنهم يدفعون أهل النار إِلَى النار، ومنه قِيلَ: حرب زبون، قَالَ الشاعر:
عدتنى عَنْ زيارتها العوادى وحالت دونها حرب زبون
عدتنى: صرفتنى، والعوادى: الصوارف، والزبون من النوق التى ترمح عند الحلب.
والخزى: الهوان، يُقَال: خزى يخزى خزيًا، والخزاية: الاستحياء، يُقَال خزي يخزي خزاية.
والمدلج: الَّذِي يسير من أول الليل، يُقَال: أدلجت، أى سرت من أول الليل، فأنا مدلج، وأدلجت، أى سرت فِي آخره، فأنا مدلج، والدلجة والدلج بفتح الدال: سير آخر الليل، والإدلاج: من أول الليل، ويقَالَ الدلج والدلجة: سير الليل كله، قَالَ الراجز: كأنها وقد براها الإخماس ودلج الليل وهاد قياس شرائج النبع براها القواس والدلجة بضم الدال: من آخره، ومن الناس من يجيز الدلجة والدلجة فِي كل واحد منهما، كما قَالُوا: برهة من الدهر وبرهة، قَالَ زيد الخيل:
يا بنى الصيداء ردوا فرسى إنما يفعل هذا بالدليل
عودوه مثل ما عودته دلج الليل وإبطاء القتيل
ويروي: دلج: جمع دلجة.
والساري: الَّذِي يسير بالليل، يُقَال سريت فأنا سارٍ، أى سرت ليلا، وأسريت أيضًا، ويروى بيت النابغة عَلَى وجهين:
سرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عَلَيْهِ جامد البرد
وأسرت
[ ١ / ١٢ ]
والسرى: سير الليل.
والحوجاء: الحاجة: والعوج: فِي كل ما كان منتصبا مثل الْإِنْسَان والعصا وما أشبههما، والعوج: فِي الدين والأمر وما أشبههما.
والوتر: الذحل بكسر الواو لا غير، والوتر بفتح الواو وكسرها: الفرد، ويقرأ ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] والوتر، الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم وأسد وقيس، ويقولون فِي الوتر الَّذِي هُوَ الفرد: أوترت فأنا أوتر إيتارا، وفى الدحل: وترته، فأنا أتره وترا وترة.