وقَالَ الأصمعي: يقَالَ: جيء به من حسك وبسك، أي من حيث كان ولم يكن، وروى أَبُو نصر: من حيث شئت، والمعنى واحد، والحس والحسيس: الصوت، قَالَ الله ﷿: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] والحس: وجع يأخذ المرأة بعد الولادة.
والحس: برد يحرق الكلأ.
[ ١ / ١٧٥ ]
ويقَالَ: أصابتنا حاسة، ويقَالَ: البرد محسة للنبت، أي يحرقه، ويقَالَ: ضربه فما قَالَ: حس مكسور، وهي كلمة تُقَال عند الجزع، قَالَ الراجز:
فما أراهم جزعا بحس عطف البلايا المس بعد المس
ويقَالَ: اشتر لي محسةً للدابة.
والحساس: سمك يجفف يكون بالبحرين.
وقَالَ اللحياني: الحساس: الشؤم والنكد،
وأنشدنا أَبُو زيد:
رب شريب لك ذي حساس أقعس يمشي مشية النفاس
ليس بريان ولا مواسي
ويقَالَ: انحست أسنانه إذا تكسرت وتحاتت، قَالَ العجاج:
فِي معدن الملك القديم الكرس ليس بمقلوع ولا منحس
ويقَالَ: حسستهم إذا قتلتهم، قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .
ويقَالَ: أحسست بالخبر وحسست به وأحست به وحسيت به، قَالَ أَبُو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا حسين به فهن إليه شوس
ويقَالَ: حسست له أحس، أي رققت له، يُقَال: إني لأحس له، أي أرق له وأرحمه، قَالَ القطامي:
أخوك الذي لا تملك الحس نفسه وترفض عند المحفظات الكتائف
والكتائف جمع كتيفة، وهي هاهنا الحقد.
والكتيفة أيضًا: ضبة الحديد، وقَالَ أَبُو نصر: الكتيفة: بيضة الحديد، ولا أعرف هذه الكلمة عَنْ غيره.
يقول: أخوك الذي إذا رآك فِي شدة لم يملك أن يرق لك، وقَالَ الأصمعي: يُقَال: إن البكري ليحس للسعدي، أي يرق له.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
إذا تجافين عَنِ النسائج تجافي البيض عَنِ الدمالج
يعني: إبلا، يقول: بهن جراح من حزمهن، فهن يتجافين عنها كما تجافي النساء عَنْ دمالجهن إذا بردت عليهن.
[ ١ / ١٧٦ ]
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه، وقرأته عَلَى أبي عمر المطرز فِي أمالي أبي العباس أحمد بن يحيى للحسين بن مطير الأسدي:
مستضحك بلوامع مستعبر بمدامع لم تمرها الأقذاء
كثرت لكثرة ودقه أطباؤه فإذا تحلب فاضت الأطباء
فله بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ضحك يراوح بينه وبكاء
وكأن عارضه الحريق يلتقي أشب عليه وعرفج وألاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه لم يبق فِي لجج السواحل ماء
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا الرياشي، عَنْ أبي عبيدة، لعبيد بن الأبرص:
يا من لبرقٍ أبيت الليل أرقبه فِي عارض كمضىء الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لما علا شطبا أقراب أبلق ينفى الخيل رماح
ينزع جلد الحصى أجش مبترك كأنه فاحص أو لاعب داحي
فمن بنجوته كمن بمحفله والمستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشارًا جلةً شرفا شعثًا لها ميم قد همت بإرشاح
هدلًا مشافرها بحا حناجرها ترخى مرابعها فِي صحصح ضاحى
وأنشدنا بعض أصحابنا لكثير:
فالمستكن ومن يمشي بمروته سيان فيه ومن بالسهل والجبل
وأنشدنا للحماني:
دمن كأن رياضها يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها فيها عشور فِي مصاحف
وكأنما أنوارها تهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقين بها إِلَى طرر الوصائف
باتت سواريها تمخض فِي رواعدها القواصف
[ ١ / ١٧٧ ]
ثم انبرت سحا كبا كيةٍ بأربعة ذوارف
وكأن لمع بروقها فِي الجو أسياف المثاقف
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ لعبيد:
سقى الرباب مجلجل الأكناف لماع بروقه
جون تكفكفه الصبا وهنا وتمريه خريقه
مرى العسيف عشاره حتى إذا درت عروقه
ودنا يضئ ربابه غابًا يضرمه حريقه
حتى إذا ما ذرعه بالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفه ريح شآمية تسوقه
حلت عزاليه الجنوب فثج واهيةً خروقه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ لكثير:
تسمع الرعد فِي المخيلة منها مثل هزم القروم فِي الأشوال
وترى البرق عارضًا مستطيرا مرح البلق جلن فِي الأجلال
أو مصابيح راهبٍ فِي يفاعٍ سغم الزيت ساطعات الذبال
وقرأت عليه لكثير:
أهاجك برق آخر الليل واصب تضمنه فرش الجبا فالمسارب
يجر ويستأنى نشاصًا كأنه بغيقة حادٍ جلجل الصوت جالب
تألق واحمومى وخيم بالربا أحم الذرى ذو هيدب متراكب
إذا حركته الريح أرزم جانب بلا هزقٍ منه وأومض جانب
كما أومضت بالعين ثم تبسمت خريع بدا منها جبين وحاجب
يمج الندى لا يذكر السير لعبد أهله ولا يرجع الماشي به وهو جادب
وأنشدنا بعض أصحابنا لعبد الله بن المعتز:
ومزنة جاد من أجفانها المطر فالروض منتظم والقطر منتثر
ترى مواقعه فِي الأرض لائحة مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
[ ١ / ١٧٨ ]
وأنشدني له أيضًا:
ما ترى نعمة السماء عَلَى الأرض وشكرا الرياض للأمطار
وكأن الربيع يجلو عروسًا وكأنّا من قطرة فِي نثار
وأنشدني له أيضًا:
وموقرة بثقل الماء جاءت تهادى فوق أعناق الرياح
فجادت ليلها وبلا وسحا وهطلًا مثل أفواه الجراح
ولابن المعتز فِي وصف السحاب:
كأن الرباب الجون والفجر ساطع دخان حريق لا يضيء له جمر
وأنشدني بعض أصحابنا لأبي الغمر الجبلي:
نسجته الجنوب وهو صناع فترقى كأنه حبشي
وقرى كل قرية كان يقرو ها قري لا يجف منه قرى
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى فِي صفة سحابة:
كأنه لما وهي سقاؤه وانهل من كل غمام ماؤه
حم إذا حمشه قلاؤه
الحم: ما بقي من الشحم إذا أذيب.
وحمشه: أحرقه.
وأنشدنا محمد بن السري السراج:
بدا البرق من أرض الحجاز فشاقني وكلّ حجازي له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونه وأعلام أبلى كلها والأسالق
أخذه منه الطائي فقَالَ:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهم عَلَى الميس حيّات اللصاب النضانض
تشيم برقا من نداك كأنها وقد لاح أولادها عروق نوابض
وأنشدني بعض أصحابنا:
أرقت لبرق آخر الليل يلمع سرى دائبًا منها يهبّ ويهجع
سرى كاقتذاء الطير والليل ضارب بأرواقه والصبح قد كاد يسطع
[ ١ / ١٧٩ ]
وأنشدني أيضا بعض أصحابنا:
أرقت لبرق سرى موهنا خفي كغمزك بالحاجب
كأن تألقه فِي السما يدا حاسب أو يدا كاتب
ولابن المعتز:
رأيت فيها برقها منذ بدت كمثل طرف العين أو قلب يجب
ثم حدت بها الصبا حتى بدا فيها لي البرق كأمثال الشهب
تحسبه فيها إذا ما انصدعت أحشاؤها عنه شجاعًا يضطرب
وتارة تحسبه كأنه أبلق مال جلّه إذا وثب
حتى إذا ما رفع اليوم الضحى حسبته سلاسلًا من الذهب
ويُنشد أصحاب المعاني:
نار تجدد للعيدان تضرمها والنار تلفح عيدانًا فتحترق
وللطائي:
يا سهم للبرق الذي استطارا ثاب عَلَى رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا
وأنشدني بعض أصحابنا لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى اليوم قد رقت حواشيه وقد دعاك إِلَى اللذات داعيه
وجاد بالقطر حتى خلتُ أن له إلفًا نآه فما ينفك يبكيه