قَالَ أَبُو بَكْر الأنباري، ﵀: معنى قوله ﷿: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] أى فِي معنى القول، وفى مذهب القول وأنشد للقتال الكلابى:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ووحيت وحيا لَيْسَ بالمرتاب
[ ١ / ٤ ]
معناه: ولقد بينت لكم: واللحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء فِي الفطنة، ورجل لحن، أى فطن، قَالَ لبيد يصف كاتبا:
متعود لحن يعيد بكفه قلما عَلَى عسب ذبلن وبان
وَمِنَ اللَّحْنِ الْحديث الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ، فقَالَ ﵇: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الآخَرِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: لا وَلَكِنِ اذْهَبَا فَتَوَخَّيَا ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ.
ومنه قول عمر بْن عَبْد العزيز ﵀: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! أى فاطنهم.
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر، عَنْ أبى الْعَبَّاس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: يُقَال: قد لحن الرجل يلحن لحنًا فهو لاحِن إذا أخطأ، ولحن يلحن لحنا فهو لحن، إذا أصاب وفطن، وأنشد
وحديث ألذه هُوَ مما تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كَانَ لحنا
معناه: وتصيب أحيانا
وَحَدَّثَنِي أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ: كَيْفَ ابْنُ زِيَادٍ فِيكُمْ "؟ قَالُوا: ظَرِيفٌ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَنُ، قَالَ: " فَذَاكَ أَظْرَفُ لَهُ، ذَهَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْفِطْنَةُ، وَذَهَبُوا هُمْ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ واللحن أيضًا: اللغة، ذكره الأصمعى، وأَبُو زيد؛ ومنه قول عُمَر بْن الْخَطّاب رضى اللَّه تعالى عَنْهُ: تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن.
فاللحن: اللغة وروى شريك عَنْ أبى إِسْحَاق عَنْ ميسرة أنّهُ قَالَ فِي قوله ﷿: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]: العرم: المسناة بلحن اليمن، أى بلغة اليمن، وقَالَ الشاعر
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة تغنت عَلَى خضراء سمر قيودها
صدوح الضحى معروفة اللحن لم تزل تقود الهوى من مسعد ويقودها
[ ١ / ٥ ]
وقَالَ الآخر:
لقد تركت فؤادك مستجنا مطوقة عَلَى فننٍ تغنى
يميل بها وتركبه بلحن إذا ما عَنَّ للمحزون أَنَّا
فلا يحزنك أيام تولى تذكرها ولا طير أرنا
وقَالَ الآخر:
وهاتفين بشجوٍ بعد ما سجعت ورق الحمام بترجيع وإرنان
باتا عَلَى غصن بان فِي ذرى فننٍ يرددان لحونا ذات ألوان
معناه: يرددان لغاتٍ، وصرف أَبُو زيد منه فعلا فقَالَ: لحن الرجل يلحن لحنا إذا تكلم بلغته، قَالَ: ويقَالَ: لحنت لَهُ لحنًا إذا قلت لَهُ قولا يفهمه عنك ويخفى عَلَى غيره، ولحنه عنى لحنا، أي فهمه، وألحنته أَنَا إياه إلحانا، وهذا مذهب أبى بَكْر بْن دريد فِي تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيانا
قَالَ: يريد: تعوص فِي حديثها فتزيله عَنْ جهينة لئلا يفهمه الحاضرون، ثم قَالَ. . . وخير الحديث ما كَانَ لحنا أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذى تحب إفهامه وحده، وخفى عَلَى غيره.
قَالَ: وأصل اللحن أن تريد الشىء فتورى عَنْهُ بقول آخر، كقول رَجُل من بنى العنبر كَانَ أسيرا فِي بَكْر بْن وائل، فسألهم رسولا إِلَى قومه، فقالوا لَهُ: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجىء بعبد أسود فقَالَ لَهُ: أتعقل؟ قَالَ: نعم إنى لعاقل، قَالَ: ما أراك عاقلًا؛ ثم قَالَ: ما هذا؟ وأشار بيده إِلَى الليل، فقَالَ: هذا الليل، فقَالَ: أراك عاقلًا، ثم ملأ كفيه من الرمل فقَالَ: كم هذا؟ فقَالَ: لا أدرى وإنه لكثير، فقَالَ: أيهما أكثر، النجوم أو النيران؟ فقَالَ: كل كثير، فقَالَ: أبلغ قومى التحية وقل لهم: ليكرموا فلانا يعنى أسيرا كَانَ فِي أيديهم من بَكْر بْن وائل، فإن قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى وقد شكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا؛ واسألوا الحارث عَنْ خبرى.
فلما أدى العبد الرسالة إليهم قَالُوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف لَهُ
[ ١ / ٦ ]
ناقة حمراء، ولا جملا أصهب؛ ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقَالَ: قد أنذركم.
أما قوله: قد أدبى العرفج: فإنه يريد أن الرجال قد استلأموا، أى لبسوا الدروع.
وقوله: شكت النساء، أى اتخذن الشكاء للسفر.
وقوله: ناقتى الحمراء: أى ارتحلوا عَنِ الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب.
وقوله: بآية ما أكلت معكم حيسًا: يريد اخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط.
فامتثلوا ما قَالَ وعرفوا فحوى كلامه.
وأخذ هذا المعنى أيضًا رَجُل من بْني تميمٍ كَانَ أسيرا فكتب إِلَى قومه:
حلو عَنِ الناقة الحمراء أرحلكم والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها والناس كلهم بَكْر إذا شبعوا
يريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا عدو لكم كبكر بْن وائل.
ومعنى صائب، عَلَى مذهب أبى الْعَبَّاس فِي البيت: قاصد، كما قَالَ
جميل وما صائب من نابلٍ قذفت بِهِ يد وممر العقدتين وثيق
فيكون معنى قوله: منطق صائب، أى قاصد للصواب وإن لم يصب؛ وتلحن أحيانا، أى تصيب وتفطن؛ ثم قَالَ: وخير الحديث ما كَانَ لحنًا أى إصابة وفطنة