وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: أَخْبَرَنِي يونس، قَالَ: كَانَ لرجل من بنى ضبة فِي الجاهلية بنون سبعة، فخرجوا بأكلب لهم يقتنصون، فأووا إِلَى غار فهوت عليهم صخرة فأتت عليهم جميعهم، فلما استراث أبوهم أخبارهم، اقتفر آثارهم حتى انتهى إِلَى الغار فانقطع عَنْهُ الأثر، فأيقن بالشر، فرجع وأنشا يَقُولُ:
أسبعة أطوادٍ أسبعة أبحر أسبعة آسادٍ أسبعة أنجم
رزئتهم فِي ساعة جرعتهم كئوس المنايا تحت صخرٍ مرضم
فمن تك أيام الزمان حميدةً لديه فإني قد تعرفن أعظمى
بلغن نسيسى وارتشفن بلالتى وصليننى جمر الأسى المتضرم
أحين رمانى بالثمانين منكب من الدهر منحٍ فِي فؤادى بأسهم
رزئت بأعضادى الذين بأيدهم أنوء واحمى حوزتى وأحتمى
فإن لم تذب نفسى عليهم صبابةً فسوف أشوب دمعها بعد الدم ثم لم يلبت بعدهم إلا يسيرا حتى مات كمدا.
: اقتفر: اتبع، يُقَال: قفرت الأثر واقتفرته إذا اتبعته ومرضم: منضد بعضه عَلَى بعض، قَالَ الأصمعى: يُقَال: بنى فلان دارا فرضم فيها الحجارة رضمًا، وذلك إذا نضد الحجارة بعضها عَلَى بعض ومنه قِيلَ: رضم البعير بنفسه إذا رمي بها فلم يتحرك.
وتعرقن: أخذن ما عَلَيْهِ من اللحم، يُقَال: عرقت العظم وتعرقته إذا أخذت ما عَلَيْهِ من اللحم.
والنسيس: بقية النفس، قَالَ الشاعر:
فقد أودى إذا بلغ النسيس
وارتشفن: امتصصن.
والبلالة: الرطوبة
[ ١ / ٦١ ]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، تعالى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَان الأشناندانى، قَالَ: حَدَّثَنِي التوزى، عَنْ أَبِي عبيدة، قَالَ: لما مات حصين بْن الحمام سمعوا صارخا يصيح من جبل ويقول:
ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل ومن عقده حزم وعزم ونائل
ومن قوله فصل إذا القوم أفحموا تصيب مرادى قوله ما يحاول
فلما سمعه معية أخوه قَالَ: هلك والله حصين، وأنشأ يَقُولُ:
نعيت حيا الأضياف فِي كل شتوةٍ ومدره حربٍ إذ تخاف الزلازل
ومن لا ينادى بالهضيمة جاره إذا أسلم الجار الألف المواكل
فمن وبمن نستدفع الضيم بعده وقد صممت فينا الخطوب النوازل
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، وأَبُو حاتم، والأشنانداني، والرياشى، قَالُوا كلهم: سمعنا الأصمعى، يَقُولُ: كنت بالبادية فرأيت امْرَأة عند قبر وهي تبكى وتقول:
فمن للسؤال ومن للنوال ومن للمقَالَ ومن للخطب
ومن للحماة ومن للكماة إذا ما الكماة جثوا للركب
إذا قِيلَ مات أَبُو مالك فتى المكرمات قريع العرب
فقد مات عز بني آدم وقد ظهر النكد بعد الطرب
قَالَ: فملت إليها فقلت لها: من هذا الَّذِي مات هَؤُلَاءِ الخلق كلهم بموته؟ فقَالَت: أو ما تعرفه؟ قلت: اللهم لا، فأقبلت ودمعتها تنحدر وإذا هي مقاء برشاء ثرماء، فقَالَت: فديتك! هذا أَبُو مالك الحجام ختن أَبِي منصور الحائك! فقلت عليك لعنة الله! والله ما ظننت إلا أنه سيد من سادات العرب: قريع الشول: فحلها، والقريع: الفحل من الرجال الشجاع.
والمقاء: الطويلة، والأمق: الطويل، والمقق: الطول.
والثرماء: التي قد سقطت ثنيتاها
[ ١ / ٦٢ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، لأعرابى:
يقر بعينى أن أرى من مكانه ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أراد الماء الَّذِي شربت بِهِ سليمي وقد مل السرى كل واخد
وألصق أحشائى ببرد ترابه وإن كَانَ مخلوطا بسم الأساود
قَالَ: وأنشدنى عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه:
أمس العين ما مست يداها لعل العين تبرأ من قذاها
يَقُولُ الناس ذو رمدٍ معنى وما بالعين من رمدٍ سواها
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْر، ولم يسم قائله، ولا عزاه إِلَى أحد:
آل ليلى إن ضيفكم ضائع فِي الحي مذ نزلا
أمكنوه من ثنيتها لم يرد خمرًا ولا عسلا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنْ أَبِي زيد:
إن كَانَ غرك إطراقى أَبَا حسنٍ فالسيف يطرق حينًا قبل هزته
والحية الصل لا تغررك هدأته فكم سليمٍ وموقوذ لنكزته
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنى عمى، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابن الكلبى، وأنشدنا أَبُو بَكْر ابن الأنبارى، عَنْ أحمد بْن يحيي، عَنْ ثعلب ابن الأعرابى:
يا مر يا خير أخٍ نازعت در الحلمه
يا خير من أوقد للأضياف نارا جحمه
يا جالب الخيل إِلَى الخيل تعادى أضمه
[ ١ / ٦٣ ]
يا قائد الخيل ومجتاب الدلاص الدرمه
سيفك لا يشقى بِهِ إلا العسير السنمه
جاد عَلَى قبرك غيث من سماء رزمه
ينبت نورًا أرجا جرجاره والينمه
الحلمة طرف الثدى.
والدرمة: اللينة التى لا حجم لها.
وأضمه: غضابى يُقَال: أضم عَلَيْهِ أضما، أى غضب عَلَيْهِ، قَالَ الأخطل:
أضما وهز لهن رمحى رأسه أن قد أتيح لهن موت أحمر
وضمد عَلَيْهِ يضمد ضمدا إذا هاج وغضب، قَالَ النابغة:
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً تنهى الظلوم ولا تقعد عَلَى ضمد
وحرب حربا إذا هاج وغضب، وحربته أَنَا فهو محرب، قَالَ الهذلى: كأن محربا من أسد ترجٍ ينازلهم لنابيه قبيب واضم وأتضم، قَالَ الشاعر: ومؤتضم عَلَى لأن جدى يبذ جدوده المتقدمينا ويقَالَ: أغد عَلَيْهِ إغدادا، وأصله من غدة البعير فهو مغد، وأسمغد فهو مسمغد إذا انتفخ من الغضب وورم، وضرم عَلَيْهِ ضرمًا، وأصله من اضطرام النار، واحتدم عَلَيْهِ إذا تحرق عَلَيْهِ، وأصله من احتدام الحر، واسف عَلَيْهِ يأسف قَالَ اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] وعبد عَلَيْهِ يعبد، وحشم عَلَيْهِ يحشم حشما، وهؤلاء حشم فلان للذين يغضب لهم، وأحشمته أَنَا وحشمته.
وحكى الأصمعى: إنَّ ذَلِكَ لمما يحشم بنى فلان، أى يغضبهم.
وكت يكت وأصله من كتيب القدر، قَالَ رؤبة:
وطامح النخوة مستكت طأطأ من شيطانه التعتى
صكى عرانين العدى وصتي
[ ١ / ٦٤ ]
ومعض يمعض معضا، قَالَ رؤبة:
وقد ترى ذا حاجةٍ مؤتضا ذا معضٍ لولا يرد المعضا
قَالَ أَبُو عمرو: وازمهر ازمهرارا، إذا غضب، وأنشد:
أبصرت ثم جامعًا قد هرًا ونثر الجعبة وازمهرا
وكان مثل النار أو أحرا
ويقَالَ: قد قرطب إذا غضب فهو مقرطب، وأنشد:
إذا رآنى قد أتيت قرطبا وجال فِي جحاشه وطرطبا
ويقَالَ: اصطخم، قَالَ ذو الرمة:
ظلت ثقالا وظل الجوب مصطخما كأنه بتناهى الروض محجوم
ورزمة: مصوتة.
: ومما اخترته وقرأته عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
قوم إذا اشتجر القنا جعلوا القلوب لها مسالك اللابسين قلوبهم فوق الدروع لدفع ذَلِكَ
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، عَنِ ابن سلام، عَنْ غرير بْن طلحة بْن عَبْد اللَّه، عَنْ عمه هند بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: بينا أَنَا مَعَ أَبِي بسوق المدينة إذ أقبل كثير، فلما رأى أَبِي عدل إلَيْهِ وتحدث معه ساعة، فقَالَ لَهُ أَبِي: هَلْ قلت بعدى شيئًا يا أَبَا صخر؟ قَالَ هند: فأقبل عَلَى وقَالَ: إحفظ هذه الأبيات، وأنشدنى:
وكنا سلكنا فِي صعود من الهوى فيما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا الوصل بيننا فلما وتواثقنا شددت وحلت
فواعجبا للقلب كيف اعترافه وللنفس لما وطئت كيف ذلت
[ ١ / ٦٥ ]
وللعين أسراب إذا ما ذكرتها وللقلب وسواس إذا العين ملت
وإنى وتهيامى بعزة بعدما تخليت مما بينا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت
فإن سَأَلَ الواشون: فيم هجرتها فقل نفس حر سليت فتسلت