وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ العباس بن هشام، عَنْ أبيه، قَالَ: كان حضرمى بن عامر عاشر عشرةٍ من إخوته فماتوا فورثهم، فقَالَ ابن عمه له يُقَال له: جزء: من مثلك، مات إخوتك فورثتهم فأصبحت ناعمًا جذلا! فقَالَ حضرمىّ:
يزعم جزء ولم يقل سددًا إنى تروحت ناعمًا جذلا
إن كنت أزننتنى بها كذبًا جزء فلاقيت مثلها عجلا
أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودًا شصائصًا نبلا
كم كان فِي إخوتى إذا احتضن الأقوام تحت العجاجة الأسلا
من واجدٍ ماجدٍ أخى ثقةٍ يعطى جزيلًا ويضرب البطلا
إن جئته خائفا أمنت وإن قَالَ: سأحبوك نائلًا فعلا
فجلس جزء عَلَى شفير بئر، وكان له تسعة إخوةٍ فانخسفت بإخوته ونجا هو، فبلغ ذلك حضرميًا فقَالَ: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا: الشصائص: التي لا ألبان لها، واحدتها شصوص، قَالَ الأصمعي: يُقَال: أشصت فهى شصوص وهو عَلَى غير القياس، وقَالَ الكسائى: شصت.
والنبل: الصغار هاهنا، والنبل: الكبار، وهو من الأضداد.
والواجد: الغني الذي يجد
[ ١ / ٦٧ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، ليزيد بن الحكم، الثقفى:
تكاشرنى كرهًا كأنك ناصح وعينك تبدى أن صدرك لى دوى
لسانك ما ذى وغيبك علقم وشرك مبسوط وخيرك منطوى
فليت كفافًا كان خيرك كله وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى
عدوك يخشى صولتى إن لقيته وأنت عدوى ليس ذاك بمستوى
نصافح من لاقيت لى ذا عداوة صفاحًا وغى بين عينيك منزوى
أراك إذا لم أهو أمرًا هويته ولست لما أهوى من الأمر بالهوى
أراك اجتويت الخير منى وأجتوى أذاك فكل يجتوى قرب مجتوى
وكم موطنٍ لولاى طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوى
إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن وقلت ألا يا ليت بنيانه خوى
فإنك إن قيل ابن عمك غانم شجٍ أو عميد أو أخو مغلةٍ لوى
تملأت من غيظٍ عَلَى فلم يزل بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوى
وما برحت نفس حسود حسبتها تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوى
وقَالَ النطاسيون إنك مشعر سلالًا ألا بل أنت من حسدٍ ذوى
جمعت وفحشًا غيبةً ونميمةً خصالًا ثلاثا لست عنها بمرعوى
أفحشًا وجبنا واختتاء عَنِ الندى كأنك أفعى كدية فر محجوى
فيدحو بك الداحى إِلَى كل سوءة فيا شر من يدحو بأطيش مدحوي
بدا منك غش طالما قد كتمته كما كتمت داء ابنها أم مدوي
: الاختتاء: التقبض.
قَالَ: وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: محجوى: منطوى.
والمدوى: الذى يأخذ الدواية وهي جلدة رقيقة تركب اللبن، يُقَال: دوى اللبن يدوى فهو مدو، وأقبل الصبيان عَلَى اللبن
[ ١ / ٦٨ ]
يدوونه، أى يأخذون ما عليه من الجلدة.
وجاء غلام من العرب إِلَى أمه وعندها أم خطبة فقَالَ: يا أماه، أدوى؟ فقَالَت: اللجام معلق بعمود البيت، توري القوم وترى القوم أنه إنما سألها عَنِ اللجام وأنه صاحب خيل وركوب.
والمجتوي: الكاره.
والمازي: العسل الأبيض، ومنه قيل: درع ماذية
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه:
أذكر مجالس من بنى أسدٍ بعدوا فحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا غرب وأنى الشرق والغرب
من كل أبيض جل زينته مسك أحم وصارم عضب
ومدجج يسعى بشكته وعقيرة بفنائه تحبو
: عقيرة: المعقورة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرياشى، عَنِ ابن سلام، قَالَ: بلغنى أن الأحوص دخل عَلَى يزيد بن عبد الملك، فقَالَ له يزيد: لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا توسلت بدالةٍ، ولا جددت لنا مدحًا، غير أنك مقتصر عَلَى بيتيك لاستوجبت عندنا جزيل الصلة، ثم أنشد يزيد:
وإنى لأستحييكم أن يقودنى إِلَى غيركم من سائر الناس مطمع
وأن اجتدى للنفع غيرك منهم وأنت إمام للبرية مقنع
وقَالَ الرياشى: وإنما قَالَ هذين البيتين فِي عمر بن عبد العزيز ﵁
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، قول الشاعر: إنى رأيتك كالورقاء يوحشها قرب الأليف وتغشاه إذا انحرا الورقاء: دويبة تنفر من الذئب وهو حي وتغشاه إذا رأيت به الدم
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي، وأَبُو العباس محمد بن يزيد، لأبى حية النميرى، يزيد بعضهم عَلَى بعض، وأنشدنا أيضًا أَبُو بَكْرِ بن دريد، واللفظ والترتيب عَلَى ما أنشدناه أَبُو عبد الله:
[ ١ / ٦٩ ]
بدا يوم رحنا عامدين لأرضها سنيح فقَالَ القوم مر سنيح
فهاب رجال منهم وتقاعسوا فقلت لهم جارى إِلَى ربيح
عقاب بأعقاب من الدار بعد ما جرت نية تسلى المحب طروح
وقالوا حمامات لقاؤها وطلح فزيرت والمطى طليح
وقالوا صحابى هدهد فوق بانةٍ هدى وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا دم دامت مواثيق بيننا ودام لنا حلو الصفاء صريح
لعيانك يوم البين أسرع وأكفا من الفنن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاحً غيورٍ يخفنه أخى ثقةٍ يلهون وهو مشيح
يقلن وما يدرين أني سمعته وهن بأبواب الخيام جنوح
أهذا الذى غنى بسمراء موهنًا أتاح له حسن الغناء متيح
إذا ما تغنى أن من بعد زفرة كما أن من حر السلاح جريح
وقائلةٍ يا دهم ويحك إنه عَلَى غنةٍ فِي صوته لمليح
وقائلةٍ أولينه البخل إنه بما شاء من زور الكلام فصيح
فلو أن قولًا يكلم الجلد قد بدا بجلدي من الوشاة جروح
وحَدَّثَنَا الأخفش، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض أصحابنا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد البصرى المعروف بأبى العيناء، قَالَ: أنشدنا ابن أبى فننٍ فِي مجلس على بن الجهم فكتب لى وله:
ولما أبت عيناى أن تكتما البكا وأن تحبسا سح الدموع السواكب
تثاءبت كيلا ينكر الدمع منكر ولكن قليلًا ما بقاء التثاؤب
أعرضتماني للهوى ونممتما عَلَى لبئس الصاحبان لصاحب
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، تعالى، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى
يقولون ليلى بالمغيب أمينة بلى وهو راع عهدها وأمينها
[ ١ / ٧٠ ]
فإن تك ليلى استودعتنى أمانة فلا وأبى أعدائها لا أخونها
أأرضى بليلى الكاشحين وأبتغى كرامة أعدائى لها وأهينها
معاذة وجه الله أن أشمت العدا بليلى وإن لم تجزني ما أدينها
سأجعل عرضى جنةً دون عرضها ودينى، فيبقى عرض ليلى ودينها
وأنشدنا أَبُو الحسن جحظة البرمكى، قَالَ: أنشدنا حماد بن إسحاق، قَالَ: أنشدنى أبى لنفسه
لاح بالمفرق منك القتير وذوى غصن الشباب النضير
هزئت أسماء منى وقَالَت أنت يا بن الموصلى كبير
ورأت شيبًا علانى فأنت وابن ستين بشيبٍ جدير
إن ترى شيبًا علانى فإنى مع ذاك الشيب حلو مزير
قد يفل السيف وهو جراز ويصول الليث وهو عقير
: المزير: المعظم المكرم، يُقَال: مزرت الرجل إذا عظمته وكرمته، كذا قَالَ عَلَى بن سليمان الأخفش، وقَالَ النضر بن شميل: المزير: الظريف، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن دريد: المزارة: الزيادة فِي جسم أو عقل، يُقَال: مزر مزارةً فهو مزير.
والجراز: الماضى فِي الضريبة، قَالَ الجعدى:
يصمم وهو مأثور جراز إذا اجتمعت بقائمه اليدان
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، للأسود بن يعفر:
وكنت إذا قرب ما الزاد مولعا بكل كميتٍ جلدةٍ لم توسف
مداخلة الأقراب غير ضئيلة كميت كأنها مزادة مخلف
كميت: يعني تمرة.
وجلدة: غليظة اللحاء.
لم توسف: لم تقشر.
وأقرابها: نواحيها، وإنما هو مثل، والقربان: الخاصرتان.
والضئيلة: الدقيقة.
والمخلف: المستقى، يريد كأنها من امتلائها مزادة
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: قرأت عَلَى أبى لهدبة بن خشرم:
طربت وأنت أحيانًا طروب وكيف وقد تعلاك المشيب
يجد النأى ذكرك فِي فؤادى إذا ذهلت عَنِ النأى القلوب
[ ١ / ٧١ ]
يؤرقني اكتئاب أبى نميرٍ فقلبى من كآبته كئيب
فقلت هداك الله مهلًا وخير القول ذو اللب المصيب
عسى الكرب الذى أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عانٍ ويأتى أهله النائى الغريب
ألا ليت الرياح مسخرات بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشمال إذا أتتنا وتخبر أهلنا عنا الجنوب
فإنا قد حللنا دار بلوى فتخطئنا المنايا أو تصيب
فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدًا لناظره قريب
وقد علمت سليمى أن عودى عَلَى الحدثان ذو أيدٍ صليب
وأن خليقتى كرم وأنى إذا أبدت نواجذها الحروب
أعين عَلَى مكارمها وأغشى مكارهها إذا كع الهيوب
وقد أبقى الحوادث منك ركنا صليبا ما تؤيسه الخطوب
عَلَى أن المنية قد توافى لوقتٍ والنوائب قد تنوب
: قوله: تؤيسه: تؤثر فيه، قَالَ الملتمس:
ألم تر أن الجون أصبح راسيا تطيف به الأيام ما يتأيس
وقَالَ الطريف العنبري:
إن قناتى لنبع ما يؤيسها عض الثقاف ولا دهن ولا نار