وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: كان خنافر بن التوءم الحميرى كاهنا، وكان قد أوتى بسطةً فِي الجسم، وسعةً فِي المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن عَلَى النَّبِيّ ﷺ، وظهر الإسلام، أغار عَلَى إبل لمرادٍ فاكتسحها، وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر، فحالف جودان بن يحيى الفرضمى، وكان سيدا منيعا، ونزل بواد من أودية الشجر مخصبا كثير الشجر من الأيك والعرين.
قَالَ خنافر: وكان رئي فِي الجاهلية لا يكاد يتغيب عنى، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءنى ذلك، فبينا أنا ليلةً بذلك الوادى نائما إذ هوى العقاب، فقَالَ: خنافر، فقلت شصار؟ فقَالَ: اسمع أقل، قلت: قل أسمع، فقَالَ: عِهِ تغنم، لكل مدةٍ نهاية، وكل ذى أمد إِلَى غاية، قلت: أجل، فقَالَ: كل دولة إِلَى أجل، ثم يتاح لها حول، انتسخت النحل، ورجعت إِلَى حقائقها الملل، إنك سجير موصول، والنصح لك مبذول، وإنى آنست بأرض الشام، نفرا من آل العذام، حكاما عَلَى الحكام، يذبرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف، فاصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت، فقلت بم تهينمون، وإلام تعتزون؟ قالوا: خطاب كبار، جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، عَنْ أصدق الأخبار، وأسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار، فقلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، من أهل المدر، ابتعث فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر، قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قَالَ: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، إلا فهو الفراق، لا عَنْ تراق، قلت: من أين أبغى هذا الدين؟ قَالَ: من ذات الإحرين، والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قَالَ: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم املس عنى.
فبت مذعورا أراعى الصباح، فلما برق لي النور امتطيت راحلتى، وآذنت أعبدى، واحتملت بأهلى حتى وردت الجوف، فرددت الإبل عَلَى أربابها بحولها وسقابها،
[ ١ / ١٣٤ ]
وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرَسُول اللَّهِ ﷺ، فبايعته عَلَى الإسلام وعلمني سورًا من القرآن، فمن الله عَلَى بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة، وقلت فِي ذلك:
ألم تر أن الله عاد بفضله فانقذ من لفح الزخيخ خنافرا
وكشف لى عَنْ حجمتى عماهما وأوضح لي نهجي وقد كان داثرا
دعانى شصار للتى لو رفضتها لأصليت جمرا من لظى الهوب واهرا
فأصبحت والإسلام حشو جوانحى وجانبت من أمسى عَنِ الحق نائرا
وكان مضلى من هديت برشده فلله مغوٍ عاد بالرشد آمرا
نجوت بحمد الله من كل قحمة تؤرث هلكًا يوم شايعت شاصرا
وقد أمنتنى بعد ذاك يحابر بما كنت أغشى المنديات يحابرا
فمن مبلغ فتيان قومى ألوكة بأنى من اقتال من كان كافرا
عليكم سواء القصد لا فل حدكم فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا
اكتسحها: كنسها، يُقَال: كسحت البيت وقممته وخمته وسفرته، كلها بمعنى واحد.
والمقمة والمخمة والمكسحة والمسفرة: كلها المكنسة.
والخمامة والسباطة والكساحة والقمامة والكبا مقصور: كل ما كنسته من البيت فألقيته من قماش وتراب.
والكباء ممدود: البخور، يُقَال: قد كبا ثوبه إذا بخره.
وفي رئي لغتان يُقَال: رئي وروئي وهو ما يتراءى للإنسان من الجن.
والحول: التحول.
والسجير: الصديق.
والشجير بالشين معجمه: الغريب، وقد قَالَ بعض اللغويين، يُقَال: السجير والشجير للصديق.
وينست: أبصرت، قَالَ الله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] .
والعذام: قبيلة من الجن كذا قَالَ أَبُو بَكْرٍِ.
ويقَالَ: ذبرت الكتاب إذا قرأته، وزبرته إذا كتبته، وقد قالوا ذبرته وزبرته بمعنى واحد إذا كتبته.
وظلفت: منعت، قَالَ الشاعر:
ألم أظلف عَنِ الشعراء عرضى كما ظلف الوسيقة بالكراع
والأُوار: شدة الحر.
والشبر: الخير وحرك للسجع كما حركه العجاج لإقامة الشعر، قَالَ:
[ ١ / ١٣٥ ]
الحمد لله الذى أعطى الشبر موالى الخير إن المولى شكر
وقَالَ الأصمعى: جمع الحرة حرار وحرون وإحرون.
والنعل: المكان الغليظ من الحرة.
وآذنت: أعلمت.
والحول جمع حائل وهى الأنثى من أولاد الإبل.
والسقاب جمع سقب وهو الذكر.
وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الزخيخ بلغة أهل اليمن: النار.
والحجمتان: العينان بلغتهم، قَالَ شاعرهم، وأكل أمه الذئب:
فيا حجمتا بكى عَلَى أم واهبٍ أكيلة قلوبٍ ببعض المذانب
والقلوب والقليب بلغتهم الذئب.
والهوب: النار بلغتهم.
والواهر: الساكن مع شدة الحر، وكل هذه الأحرف من لغتهم.
ونائر: نافر.
والقحمة: الشدة.
والأقتال: الأعداء، والأقتال: الأقران، واحدهم قتل.
: التفسير لأَبِي بَكْرٍ من قوله: والزخيخ بلغة أهل اليمن النار إِلَى قوله نائر.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: أنشدنى إبراهيم بن سهل، لقيس ابن ذريح.
قَالَ: والناس ينحلونها غيره وبعضهم يصححها له
وأنشدنا أبى، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنْ أبى عمرو الشيبانى، عَنْ قيس المجنون:
سأصرم لبنى حبل وصلك مجملًا وإن كان صرم الحبل منك يروع
وسوف أسلى النفس عنك كما سلا عَنِ البلد النائي البعيد نزيغ
وإن مسنى للضر منك كآبة وإن نال جسمى للفراق خشوع
سقي طلل الدار التى أنتم بها بشرقى لبنى صيف وربيع
يقولون صب النساء موكل وما ذاك من فعل الرجال بديع
مضى زمن والناس يستشفعون بى فهل لى إِلَى لبنى الغداة شفيع
أيا حرجات الحى حيث تحملوا بذى سلمٍ لا جادكن ربيع
وخيماتك اللاتى بمنعرج اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع
إلى الله أشكو نيةً شقت العصا هى اليوم شتى وهى أمس جميع
وما كاد قلبى بعد أيام جاوزت إلي بأجراع الثدي يريع
[ ١ / ١٣٦ ]
فإن انهمال العين بالدمع كلما ذكرتك وحدى خاليا لسريع
فلو لم يهجني الظانون لهاجنى حمائم ورق فِي الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوىً نوائح ما تجرى لهن دموع
لعمرك إنى يوم جرعاء مالكٍ لعاص لأمر المرشدين مضيع
ندمت عَلَى ما كان منى فقدتنى كما يندم المغبون حين يبيع
إذا ما لحانى العاذلات بحبها أبت كبد مما أجن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبها يؤرقنى والعاذلات هجوع
عدمتك من نفس شعاعٍ فإننى نهيتك عَنْ هذا وأنت جميع
فقربت لى غير القريب وأشرقت هناك ثنايا مالهن طلوع
فضعفنى حبيك حتى كأننى من الأهل والمال التلاد خليع
وحتى دعانى الناس أحمق مائقا وقالوا مطيع للضلال تبوع
قَالَ: وأنشدني أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف لقيس المجنون:
راحوا يصيدون الظباء وإننى لأرى تصيدها عَلَى حراما
أشبهن منك سوالفًا ومدامعا فأرى عَلَى لها بذاك ذماما
أعزز عَلَى بأن أروع شبيهها أو أن يذقن عَلَى يدى حماما
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيي، قَالَ: ذكرنا أعرابى رجلا فقَالَ: ماله لمج أمه، فرفعوا إِلَى السلطان، فقَالَ: إنما قلت: ملج أمه قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: قَالَ أَبُو العباس: لمجها: نكحها، وملجها: رضعها.
وقرأت عَلَى أبى عمرو، عَنْ أبى العباس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: اختصم شيخان غنوى وباهلى، فقَالَ أحدهما لصاحبه: الكاذب محج أمه، قَالَ الآخر: انظروا ما قَالَ لى: الكاذب محج أمه، أى جامع أمه، فقَالَ الغنوى: كذب ما قلت له هكذا، إنما قلت له: الكاذب ملج أمه يُقَال: ملج يملج، وملج يملج، ولمج يلمج إذا رضع.
[ ١ / ١٣٧ ]
يُقَال: محجها ومخجها ونخجها، وهو مأخوذ من قولهم: مخجت الدلو فِي البئر، إذا حركتها لتمتلئ ونخجتها أيضًا بالنون.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، لمسكين بن عامر الحنظلى:
أصبحت عاذلتى معتلةً قرمت بل هى وحمى للصخب
أصبحت تتفل فِي شحم الذرى وتعد اللوم درا ينتهب
لا تلمها إنها من نسوةٍ ملحها موضوعة فوق الركب
قَالَ أَبُو العباس: الوحم: الشهوة عَلَى الحمل، فجعله هاهنا للصخب.
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبى العباس، قوله: تتفل فِي شحم الذرى يعني أنها تتفل عَلَى بلي وتعوذها من العين لتعظمها فِي عيني قلا أهبها.
وتعد اللوم درا ينتهب، أي من حرصها عليه.