وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنْ هشام بن محمد، عَنْ أبي مخنف، عَنْ أشياخ من علماء قضاعة قالوا: كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين بين الشحر وحضر موت: بنو ناعب، وبنو داهنٍ، وبنو رئام، وكانت بنو رئام أقلهم عددا وأشجعهم لقاء، وكانت لبنى رئام عجوز تسمى خويلة، وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء، وكان يدخل عَلَى خويلة أربعون رجلا كلهم لها محرم، بنو إخوة وبنو أخوات، وكانت خويلة عقيما، وكان بنو ناعب وبنو داهن متظاهرين عَلَى بنى رئام، فاجتمع بنو رئام ذات يوم فِي عرس لهم وهم سبعون رجلا كلهم شجاع بئيس، فطعموا وأقبلوا عَلَى شرابهم، وكانت زبراء كاهنة، فقَالَت لخويلة: انطلقي بنا إِلَى قومك أنذرهم، فأقبلت خويلة تتوكأ عَلَى زبراء، فلما أبصرها القوم قاموا إجلالا لها، فقَالَت: يا ثمر الأكباد،
[ ١ / ١٢٦ ]
وأنداد الأولاد وشجا الحساد، هذه زبراء، تخبركم عَنْ أنباء، قبل انحسار الظلماء، بالمؤيد الشنعاء، فاسمعوا ما تقول.
قالوا: وما تقولين يا زبراء؟ قَالَت: واللوح الخافق، والليل الغاسق، والصباح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق، إن شجر الوادى ليأدو ختلا، ويحرق أنيابًا عصلًا، وإن صخر الطود لينذر ثكلا، لا تجدون عنه معلا، فوافقت قوما أشارى سكارى، فقالوا: ريح خجوج، بعيدة ما بين الفروج، أتت زبراء بالأبلق النتوج.
فقَالَت زبراء: مهلًا يا بنى الأعزة، والله إنى لأشم ذفر الرجال تحت الحديد، فقَالَ لها فتى منهم يُقَال له هذيل بن منقذ: يا خذاق، والله ما تشمين إلا دفر إبطيك، فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوى أسنانهم، فانصرف منهم أربعون رجلا ثلاثون فرقدوا فِي مشربهم، وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعب فقتلوهم أجمعين وأقبلت خويلة مع وبقي الصباح فوقفت مصارعهم، ثم عمدت إِلَى خناصرهم فقطعتها، وانتظمت منها قلادةً وألقتها فِي عنقها، وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهرى، وهو ابن اختها، فأناخت بفنائه وأنشأت تقول:
يا خير معتمدٍ وأمنع ملجإٍ وأعز منتقم وأدرك طالب
جاءتك وافدة الثكالى تغتلى بسوادها فوق الفضاء الناضب
عيرانة سرح اليدين شملة عبر الهواجر كالهزف الخاضب
هذى خناصر أسرتى مسرودةً فِي الجيد منى مثل سمط الكاعب
عشرون مقتبلا وشطر عديدهم صيابة ملقوم غير أشايب
طرقتهم أم اللهيم فأصبحوا تستن فوقهم ذيول حواصب
جزرًا لعافية الخوامع بعدما كانوا العياث من الزمان اللاحب
قسمت رجال بنى أبيهم بينهم جرع الردى بمخارصٍ وقواضب
فأبرد غليل خويلة الثكلى التى رميت بأثقل من صخور الصاقب
وتلاف قبل الفوت ثأرى إنه علق بثوبى داهنٍ أو ناعب
فقَالَ حجر عَلَى مرضاوى الأعذبان والأحمران، أو يقتل بعدد رئامٍ من داهنٍ وناعب، ثم قَالَ:
أخالتنا سر النساء محرم على وتشهاد الندامى عَلَى الخمر
كذاك وأفلاذ الفئيد وما ارتمت به بين جاليها الوئية ملوذر
[ ١ / ١٢٧ ]
لئن لم أصبح داهنا ولفيفها وناعبها جهرا براغية البكر
فوارى بنان القوم فِي غامض الثرى وصورى إليك من قناعٍ ومن ستر
فإنى زعيم أن أروي هامهم وأظمئ هامًا ما انسرى الليل بالفجر
ثم خرج فِي منسر من قومه، فطرق ناعبا وداهنا فأوجع فيهم: المؤيد: الداهية والأمر العظيم.
والنفنف واللوح والسكاك والسكاكة والسحاح والكبد والسمهى: الهواء بين السماء والأرض، يُقَال: لأفعلن ذلك ولو نزوت فِي اللوح، ولو نزوت فِي السكاك، واللوح بفتح اللام: العطش.
وقَالَ أَبُو زيد: أدوت له آدو أدوا إذا ختلته، قَالَ الشاعر:
أدوت له لآخذه فهيهات الفتى حذرا
ويقَالَ: دأيت له أيضا ودألت له بمعنى واحد.
وحرق أنيابه إذا حك بعضها ببعض، والعرب تقول عند الغضب يغضبه الرجل عَلَى صاحبه هو يحرق عَلَى الأرم، أى الأسنان، والعصل: المعوجة، واحدها أعصل.
والمعل: المنجا.
والخجوج: السريعة المر.
والأبلق لا يكون نتوجا، والعرب تضرب هذا مثلا للشىء لا ينال فتقول:
طلب الأبلق العقوق فلما فاته أراد بيض الأنوق
والأنوق: الذكر من الرخم ولا بيض له، هذا قول بعض اللغويين، وعامتهم يقولون: الأنوق: الرخمة وهى تبيض فِي مكان لم لا يوصل فيه إِلَى بيضها إلا بعد عناء، فيراد بهذا المثل أنه طلب ما لا يقدر عليه، فلما لم ينله طلب ما يجوز أن يناله، هذا عَلَى القول الثانى، فأما عَلَى القول الأول فإنه طلب ما لا يمكن، فلما لم يجد طلب أيضا ما لا يكون ولا يوجد، والعقوق: الحامل، يُقَال: أعقت الفرس فهى عقوق، ولم يقولوا: معق، تركوا القياس فيه، وهذا هو قول الأصمعى، وقد قَالَ بعض اللغويين: يُقَال: عقوق ومعق.
والذفر يكون فِي النتن والطيب، وهو حدة الريح، والدفر بفتح الفاء لا يكون إلا فِي النتن، ومنه قيل للدنيا: أم دفر، وللأمة دفار، فأما الدفر بتسكين الفاء: فالدفع، يُقَال: دفر فِي عنقه.
وخذاق: كناية عما يخرج من الإنسان، يُقَال: خذق ومزق
[ ١ / ١٢٨ ]
وزرق، وهذا قول ابن الأعرابى.
والمغالاة: المباعدة فِي الرمى.
وقَالَ الأصمعى: الناضب: البعيد، ومنه نضب الماء أي بعد أن ينال.
وعيرانه: تشبه العير لصلابتها.
والسرح: السهلة رجع اليدين.
والشملة: السريعة الخفيفة.
ويقَالَ: ناقة عبر أسفار إذا كانت قوية عَلَى السفر، وعبر الهواجر إذا كانت قوية عَلَى الحر، وأصل هذا كأنه يعبر بها الهواجر والأسفار.
والهزف والهجف: الظليم الجافى.
والخاضب: الذى قد اكل الربيع فاحمرت ظنبوباه وأطراف ريشه.
والطنبوب: مقدم عظم الساق.
ومسرودة: مشكوكة.
ومقتبل: مستأنف الشباب.
وأشايب: أخلاط من الناس.
والصيابة: صميم القوم وخالصهم.
وأم اللهيم: الداهية.
والحواصب: الرياح التى تسفي الحصباء.
والخوامع: الضباع.
واللاحب: القاشر، لحبت الشىء قشرته.
والمخارص، واحدها مخرص وهو سكين كبير مثل المنجل يقطع به الشجر.
وخريص البحر: خليج منه كأنه مخروص، أى مقطوع من معظمه.
والصاقب: جبل معروف.
وحجر: حرام.
والأعذبان: النكاح والأكل.
والأحمران: اللحم والخمر.
والسر: النكاح وقَالَ الأعشى:
فلا تنكحن جارةً إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا
والأفلاذ، واحدها فلذ، ويقَالَ: أعطيته حزة من لحم وفلذةً من لحم وحذيةً من لحم، كل هذا ما قطع طولا، فإذا أعطاه مجتمعا قيل: أعطاه بضعة وهبرة ووذرة وفدرة.
والفئيد: الشواء، وهو فعيل بمعنى مفعول، يُقَال: فأدت اللحم إذا شويته، والمفأد: السفود.
والمفتأد: المشتوى.
والجالان: الناحيتان من اعلاهما إِلَى أسفلهما، يُقَال: جال البئر، وجول البئر.
ويقَالَ: رجل ماله جول ولا معقول إذا كان ضعيف الرأى أحمق.
والوئية: القدر العظيمة.
وصورى: ميلى.
وزعيم: ضامن، وكذلك قبيل وحميل وكفيل وضمين واحد.
ويقَالَ فِي القبيل: قبلت به أقبل قبالة.
وقوله أروى هاما، كانت العرب تقول: إذا قتل الرجل فلم يدرك بثأره خرج من هامته طائر يسمى الهامة فلا يزال يقول: اسقونى اسقونى حتى يقتل قاتله فيسكن، قَالَ ذو الإصبع العدوانى:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
[ ١ / ١٢٩ ]
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيا ذم رجلا فقَالَ: تسهر والله زوجته جوعا إذا سهر شبعا، ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار، ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت، ونكحت ما وجدت: قوله: إذا سهر شبعا يعنى من شدة الكظة والامتلاء.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد بن محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، قَالَ: قيل لرجل من حمير: ما العز فيكم؟ قَالَ: حوط الحريم، وبذل الجسم، ورعاية الحق، وقول الصدق، وترك التحلى بالباطل، والصبر عَلَى المثاكل، واجتناب الحسد، وتعجيل الصفد