وحَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن جوان صاحب الزيادى، قَالَ: قَالَ ابن محلم: كنت آتى عبد الله بن طاهر فِي كل سنة، وكانت صلتى عنده خمسة آلاف درهم، فأتيته آخر ما أتيته فشكوت إليه ضعفى ثم أنشدته:
أفى كل عامٍ غربة ونزوح أما للنوى من ونيةٍ فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبى فهل أرين البين وهو طليح
وأرقنى بالرى نوح حمامة فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ونحت أسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخى مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى فتضحى عصا التسيار وهى طريح
فان الغنى مدنى الفتى من صديقه وعدم الفتى بالمقترين نزوح
فتوجع له عبد الله وقَالَ: صلتك عشرة آلاف درهم فِي كل سنة ولا تتعبن إلينا فإنها توافيك فِي منزلك إن شاء الله، ففعل
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، وأَبُو بَكْرِ بن دريد، كل واحد منهما عَلَى صاحبه من قصيدة توبة ابن الحمير:
[ ١ / ١٣٠ ]
يقول أناس لا يضيرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها
أرى اليوم يأتى دون ليلى كأنما أتت حجج من دونها وشهورها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة وإن كان حولا كل يوم أزورها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغذاة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيته وإعراضها عَنْ حاجتى وبسورها
حمامة بطن الواديين ترنمى سقاك من الغر الغوادى مطيرها
أبينى لما لا زال ريشك ناعمًا وبيضك فِي حضراء غض نضيرها
وأشرف بالقور اليفاع لعلنى أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
وقد زعمت ليلى بأنى فاجر لنفسى تقاها أو عليها فجورها
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أنشدنا الرياشى:
ألا قاتل الله الحمامة غدوةً على الأيك ماذا هيجت حين غنت
تغنت غناء أعجميًا فهيجت جواى الذى كانت ضلوعي أكنت
نظرت بصحراء البريقين نظرةً حجازيةً لو جن طرف لجنت
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، للعوام بن عقبة بن كعب:
أن سجعت فِي بطن وادٍ حمامة تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق
كأنك لم تسمع بكاء حمامة بليلٍ ولم يحزنك إلف مفارق
ولم تر مفجوعا بشىء يحبه سواك ولم يعشق كعشقك عاشق
بلى فأفق عَنْ ذكر ليلى فإنما أخو الصبر من كف الهوى وهو تائق
قَالَ: وأنشدنا أَبُو حاتم لرجل من بنى نهشل:
ألام عَلَى فيض الدموع وإننى بفيض الدموع الجاريات جدير
أيبكى حمام الأيك من فقد إلفه وأصبر عنها إنني لصبور
[ ١ / ١٣١ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا الرياشي، عَنِ الأصمعي، قَالَ: أنشدنا منتجع بن بنهان لرجل من بنى الصيداء:
دعت فوق أفنانٍ من الأيك موهنًا مطوقة ورقاء فِي إثر آلف
فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت وشبت ضرام الشوق تحت الشراسف
بكت بجفونٍ دمعها غير ذراف وأغرت جفونى بالدموع الذوارف
وقَالَ الأصمعى: من أمثالهم: أينما أذهب ألق سعدا، قَالَ: كان غاضب الأضبط بن قريع سعدا فجاور فِي غيرهم فآذوه، فقَالَ: أينما أذهب ألق سعدا: أى قوما ألقى منهم مثل ما لقيت من سعد.
قَالَ ويقَالَ: محسنة فهيلي، يُقَال ذلك للرجل يسىء فِي أمر يفعله فيؤمر بذلك عَلَى سبيل الهزء به.
وقَالَ الأصمعى: ومن أمثال العرب لا يرحلن رحلك من ليس معك، أى لا تدخلن فِي أمرك، من ليس نفعه نفعك نفعك ولا ضرره ضررك.
ويقَالَ: المرء يعجز لا المحالة.
يقول: إن العجز أتى من قبله، فأما الحيلة فواسعة
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:
سفيرًا خروجٍ أدلجا لم يعرسا ولم تكتحل بالنوم عين تراهما
فلم أر مختالين أحسن منهما ولا نازلا يقرى غدا كقراهما
قَالَ أَبُو العباس: سفيرا خروج يعنى غيثين.
والسفير: المتقدم.
وخروج يعنى من السحاب.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنى أبى:
تذكرنى أم العلاء حمائم تجاوبن إذ مالت بهن غصون
تملأ طلا ريشكن من الندى وتخضر مما حولكن فنون
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً فإنى إِلَى أصواتكن حزين
فعدن فلما عدن كدن يمتننى وكدت بأشجانى لهن أبين
وأنشدنى جحظة:
وكدت بأسراري لهن أبين
وعدن بقرقار الهدير كأنما شربن حميا أو بهن جنون
فلم تر عينى مثلهن حمائما بكين ولم تدمع لهن عيون
[ ١ / ١٣٢ ]
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنى أبى:
دع ذكرهن فما تزال تشبه ورقاء تركب حانيًا ميادا
تدعو حمائم أيكةٍ بهديلها يخضعن حين يجبنها الأجيادا
يا ويحهن حمائما هجين لي شوقا يكاد يصدع الأكبادا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، لحميد بن ثور ولم يروه الأصمعى فِي شعر حميد:
إذا نادى قرينته حمام جرى لصبابتي دمع سفوح
يرجع بالدعاء عَلَى غصون هتوف بالضحى غرد فصيح
هفا لهديله منى إذا ما تغرد ساجعًا قلب قريح
فقلت حمامة تدعو حماما وكل الحب نزاع طموح
وأنشدنى أَبُو بَكْرٍ:
كاد يبكى أو بكى جزعا من حمامات بكين معا
ذكرته عيشةً سلفت قطعت أنفاسه قطعا
وأنشدني أَبُو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوى، قَالَ: أنشدنى أَبُو العباس محمد بن يزيد الثمالى، لعوف بن محلم:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شىء فإننى بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربةً دار زينبٍ فها أنا أبكى والفؤاد جريح
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: خرجنا من عمان فِي سفر لنا فنزلنا فِي أصل نخلة، فنظرت فإذا فاختتان تزقوان فِي فرعها، فقلت:
اقول لورقاوين فِي فرع نخلةٍ وقد طفل الإمساء أو جنح العصر
وقد بسطت هاتا لتلك جناحها ومال عَلَى هاتيك من هذه النحر
ليهنكما أن لم تراعا بفرقةٍ وما دب فِي تشتيت شملكما الدهر
فلم أر مثلى قطع الشوق قلبه على أنه يحكي قساوته الصخر
[ ١ / ١٣٣ ]