وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبيد، عَنْ أبى الحسن المدائني، عمن حدثه، عَنْ مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصى، قَالَ: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاصى إذا دخل عَلَى الحجاج، فدخل يوما، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة، فأقعدني فجي الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئا فجاءنى به، ثم جىء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق.
وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءنى منه بشىء، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما، ثم جاء الحاجب فقَالَ: امرأة بالباب؟ فقَالَ له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها، وإذا هى ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عَنْ نسبها فانتسبت لها، فقَالَ له: يا ليلى: ما أتى بك؟ فقَالَت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد.
فقَالَ لها: صفى لنا الفجاج، فقَالَت: الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعًا، ولا ربعا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قَالَت: إنى قلت فِي الأمير قولا، قَالَ: هاتى، فأنشأت تقول: أحجاج لا يفلل سلاحك إنها المنايا بكف الله حيث تراها
أحجاج لا تعطى العصاة مناهم ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضًا مريضةً تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذى بها غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله دماء رجال حيث مال حشاها
[ ١ / ٨٦ ]
إذا سمع الحجاج رز كتيبةٍ أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مسمومةً فارسية بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله ببحر ولا أرضٍ يجف ثراها
قَالَ: فلما قَالَت هذا البيت قَالَ الحجاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتى شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم ألتفت إِلَى عنبسة بن سعيد فقَالَ: والله إنى لأعد للأمر عسى ألا يكون أبدًا، ثم التفت إليها فقَالَ: حسبك، قَالَت: إنى قد قلت أكثر من هذا، قَالَ: حسبك! ويحك حسبك! ثم قَالَ: يا غلام، اذهب إِلَى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقَالَ له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، قَالَ: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقَالَت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قَالَ، إنما أمرك أن تقطع لسانى بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقَالَ: ارددها، فلما دخلت عليه قَالَت: كاد وأمانة الله يقطع مقولى، ثم أنشأت تقول:
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت وأنت للناس نور فِي الدجى يقد
ثم أقبل الحجاج عَلَى جلسائه فقَالَ: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أنا لم نر قط أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعرًا منها! فقَالَ: هذه ليلى الأخيلية، التى مات توبة الخفاجى من حبها! ثم التفت إليها فقَالَ: أنشدينا يا ليلى بعض ما قَالَ فيك توبة، قَالَت: نعم أيها الأمير، هو الذى يقول:
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها وقام عَلَى قبرى النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله بلى كل ما قرّت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت على ودونى جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقًا إليها صدّى من جانب القبر صائح
[ ١ / ٨٧ ]
فقَالَ زيدينا من شعره يا ليلى، قَالَت: هو الذى يقول:
حمامة بطن الواديين ترنمى سقاك من الغر الغوادى مطيرها
أبينى لنا لا زال ريشك ناعمًا ولا زلت فِي خضراء غض نضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت فقد رابنى منها الغداة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيته وإعراضها عَنْ حاجتى وبسورها
وأشرف بالقور اليفاع لعلنى أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
يقول رجال لا يصيرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنى فاجر لنفسى تقاها أو عليها فجورها
فقَالَ الحجاج: يا ليلى، ما الذى رابه من سفورك؟ فقَالَت: أيها الأمير، كان يلم بى كثيرًا، فأرسل إِلَى يوما أن آتيك، وفطن الحى فأرصدوا له، فلما أتانى سفرت عَنْ وجهى، فعلم أن ذلك لشر فلم يزد عَلَى التسليم والرجوع، فقَالَ: لله درك! فهل رايت منه شيئًا تكرهينه؟ فقَالَت: لا والله الذى أسأله أن يصلحك، غير أنه قَالَ مرة قولا طننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت تقول:
وذى حاجةٍ قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه وأنت لأخرى صاحب وحليل
فلا والله الذى أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه، فقَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن خرج فِي غزاة له فأوصى ابن عم له: إذا أتيت الحاضر من بنى عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلةً من الدهر لا يسرى إِلَى خيالها
وأنا أقول:
وعنه عفا ربى وأحسن حاله فعزت علينا حاجة لا ينالها
قَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه، فقَالَ: أنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:
[ ١ / ٨٨ ]
لتبك عليه من خفاجة نسوة بماء شئون العبرة المتحدر
قَالَ لها: فأنشدينا، فأنشدته:
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
فلما فرغت من القصيدة قَالَ محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذى تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إنى لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قَالَت: أيها الأمير، إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا تكون فِي داره عذراء إلا هى حامل منه، فقَالَ الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنت عنه غنيًا، ثم قَالَ لها: سلى يا ليلى تعطى، قَالَت: أعط فمثلك أعطى فأحسن، قَالَ: لك عشرون، قَالَت زد فمثلك زاد فأجمل، قَالَ: لك أربعون، قَالَت: زد فمثلك زاد فأكمل، قَالَ: لك ثمانون، قَالَت زد فمثلك زاد فتمم، قَالَ: لك مائة، واعلمى أنها غنم، فقَالَت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا، من أن تجعلها غنما، قَالَ: فما هى ويحك يا ليلى؟ قَالَت مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثم قَالَ: ألك حاجة بعدها؟ قَالَت: تدفع إليَّ النابغة الجعدى، قَالَ: قد فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعته إِلَى الشام، فهرب إِلَى قتيبة بن مسلم بخرسان، فاتبعته عَلَى البريد بكتاب الحجاج إِلَى قتيبة، فماتت بقومس ويقَال: بحلوان: قولها: إخلاف النجوم، تريد: أخلفت النجوم التى يكون بها المطر فلم تأت بمطر.
وكَلَبُ البرد: شدته، وهذا مثل لأن الكَلَب السعار الذى يصيب الكلاب والذئاب.
والرفد:
[ ١ / ٨٩ ]
المعونة، والرفد: العطية، ويقَال: رفدته: من الرفد، وأرفدته إذا أعنته عَلَى ذلك، وقَالَ الأصمعى: الرفد، بكسر الراء: القدح.
والرفد بالفتح: مصدر رفدته، والرفود من الإبل التى تملأ الرفد، وقَالَ أَبُو عبيدة: الرفد، بفتح الراء: القدح، وأنشد قول الأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشرٍ أقتال
قَالَ: والرفد، بالكسر: المعونة، وروى الأصمعى: رب رفد بكسر الراء.
والفجاج جمع فج، والفج: كل سعةٍ بين نشازين، كذا قَالَ أَبُو زيد: وقولها: والمبرك معتل، أرادت الإبل فأقامت المبرك مكانها لعلم المخاطب إيجازًا واختصارا، كما قالوا: نهاره صائم وليله قائم.
وقولها: وذو العيال مختل، أي مجتاح والخة الحاجة.
وقولها: والهالك للقل، أى من أجل القلة، وقولها: مسنتون أي مقحطون، والسنة: القحط، والسنون: القحوط.
ومجحفة: قاشرة.
وقولها: مبلطة، أى ملزقة بالبلاط، والبلاط: الأرض الملساء، وقَالَ الأصمعى: أبلط الرجل فهو مبلط إذا لزق بالأرض، وحكى يعقوب عَنْ غيره: أبلط فهو مبلط، وهو الهالك الذي لا يجد شيئا، قولها: لم تدع لنا هبعًا ولا ربعًا فالهبع: ما نتج فِي الصيف والربع: ما نتج فِي الربيع.
وقولها: ولا عافطة ولا نافطة، أى لم تدع لنا ضائنة ولا ماعزة، والعافطة: الضائنة، والعفط: الضرط، يُقَال: عفطت تعفط عفطا إذا ضرطت، فهى عافطة.
والنافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يُقَال: نفطت تنفط إذا عطست، فهى نافطة.