وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ، ﵀، بَعْدَ الاسْتِقَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَجَرِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَكَانَ عَبْدُ الْحَجَرِ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمَّاهُ: عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: " كَيْفَ عِلْمُكَ بِقَوْمِكَ؟ قَالَ: كَعِلْمِي بِنَفْسِي، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي مُرَادٍ؟ قَالَ: مُدْرِكُو الأَوْتَارِ، وَحُمَاةُ الذِّمَارِ، وَمُحْرِزُو الْخِطَارِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي النَّخَعِ؟ قَالَ: مَانِعُو السَّرْبِ، وَمُسْعِرُو الْحَرْبِ، وَكَاشِفُوا الْكَرْبِ.
وَمَا تَقُولُ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ؟ قَالَ: فَرَّاجُو اللِّكَاكِ، وَفُرْسَانُ الْعِرَاكِ، وَلِزَازُ الضِّكَاكِ، تَرَاكِ تَرَاكِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي سَعْدِ الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ: مَانِعُو الضَّيْمِ، وَبَانُو الرَّيْمِ، وَشَافُّو الْغَيْمِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي جُعْفِيٍّ؟ قَالَ: فُرْسَانُ الصَّبَاحِ، وَمُعْلِمُو الرِّمَاحِ، وَمُبَارِزُو الرِّيَاحِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي بَنِي زَبَيْدٍ؟ قَالَ: كُمَاةٌ أَنْجَادٌ، سَادَاتٌ أَمْجَادٌ، وُقُرٌ عِنْدَ الذِّيَادِ، صُبُرٌ عِنْدَ الطِّرَادِ.
قَالَ: وَمَا تَقُولُ فِي جَنْبٍ؟ قَالَ: كُفَاةٌ يَمْنَعُونَ عَنِ الْحَرِيمِ، وَيَفْرُجُونَ عَنِ الْكَظِيمِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي صُدَاءٍ؟ قَالَ: سِمَامُ الأَعْدَاءِ، وَمَسَاعِيرُ الْهَيْجَاءِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي رَهَاءٍ؟ قَالَ: يُنَهْنِهُونَ عَادِيَةَ الْفَوَارِسِ، وَيَرِدُونَ الْمَوْتَ وَرْدَ الْخَوَامِسِ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِقَوْمِكَ " قال أبو علي:
[ ١ / ١٥٩ ]
كل ما حميته فهو ذمار.
والسرب: الإبل وما رعى من المال.
واللكاك: الزحام.
والضكاك: مثل اللكاك سواءً.
والريم: الدرجة، قَالَ أَبُو عمرو بن العلاء: أتيت دار قوم باليمين أسأل عَنْ رجل، فقَالَ لى رجل منهم: اسمك فِي الريم، أى اعل فِي الدرجة.
والريم: الزيادة، يُقَال: لى عليك ريم عَلَى كذا وكذا، قَالَ الشاعر:
فأقع كما أقعى أبوك عَلَى استه رأى أن ريما فوقه لا يعادله
والريم: القبر، قَالَ ملك بن الريب المازنى:
إذا مت فاعتادي القبور وسلمى على الريم أسقيت السحاب الغواديا
والريم: عظم يفضل إذا اقتسم القوم الجزور، وهذا قول الشيبانى، وأنشدنا غيره
فكنت كعظم الريم لم يدر جازر عَلَى أى بدأى مقسم اللحم يجعل
والغيم: العطش، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: إن النَّبِيّ ﷺ، قَالَ: نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقرم.
وقَالَ: الأيمة: الخلو من النساء.
والعيمة: شهوة اللبن.
والغيمة: العطش.
وقَالَ: الكزم فيه قولان: يُقَال: فلان أكزم البنان إذا كان بخيلا، ويقَالَ: إن الكزم الأكل الشديد.
والقرم: شهوة اللحم.
والأمجاد: الأشراف.
وينهنهون: يكفون.
والكظيم: المكظوم، وهو الذى قد رد نفسه إِلَى جوفه.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد بن معية:
إذا علون أربعا أربعا بأربع فِي جعجع موصية بجعجع
أنن أنان النفوس الوجع يعنى: الإبل علون أربعة أوظفة بأربع أذرع، وكأنه أنث عَلَى الكراع.
وأنن، من الأنين، يعنى: أنهن إذا بركن أنن، ومثله قول كعب بن زهير:
ثنت أربعًا منها عَلَى ظهر أربع فهن بمثنياتهن ثمان
ومثله قول هيت: تقبل بأربع وتدبر بثمان، يعنى: أنها تقبل بأربع عكنٍ، فإذا رأيتها من خلف رأيت لكل عكنة طرفين فصارت ثمانية.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبى، قَالَ: أقام معاوية، ﵀، الخطباء لبيعه يزيد، فقامت المعدية فشققوا الكلام.
ثم قام رجل من حمير فقَالَ: لسنا إِلَى رعاء هذه الجمال، عليهم تشقيق
[ ١ / ١٦٠ ]
المقَالَ، وعلينا صدق الصيال، أما والله إنا لصبر تحت البوارق، مراقيل فِي ظل الخوافق، لا نسأم الضراس، ولا نشمئز من المراس، وإن واحدنا لألف، وألفنا كهف، فمن أبدي لنا صفحته، حططنا علاوته، ثم قام رجل ذى الكلاع فاشار إِلَى معاوية فقَالَ: هذا أمير المؤمنين، فإن مات فهذا، وأشار إِلَى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إِلَى السيف، ثم قَالَ:
معاوية الخليفة لا تمارى فإن تهلك فسائسنا يزيد
فمن غلب الشقاء عليه جهلا تحكم فِي مفارقه الحديد
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أنشدنا الرياشى للعرجى:
وما أنس ملأ شياء لا أنس موقفا لنا ولها بالسفح دون ثبير
ولا قولها وهنا قد بل جيبها سوابق دمع لا يجف غزير
أأنت الذى خبرت أنك باكر غداة غدٍ أو راحل بهجير
فقلت يسير بعض شهرِ أغيبه وما بعض يوم غبته بيسير
أحين عصيت العازلين اليكم ونازعت حبلى فِي هواك أميرى
وباعدنى فيك الأقارب كلهم وباح بما يخفى اللسان ضميرى
وقلت لها قول امرئ شفه الهوى إليها ولو طال الزمان فقير
فما أنا شطت بك الدار أو نأت بى الدار عنكم فاعلمى بصبور
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵀:
وما أنس ملأ شياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ أيضًا:
شيب أيام الفراق مفارقي وأنشزن نفسى فوق حيث تكون
وقد لان أيام اللوى ثم لم يكد من العيش شىء بعدهن يلين
يقولون ما أبلاك والمال غامر عليك وضاحى الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا إلى النازع المقصور كيف يكون
[ ١ / ١٦١ ]
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، عَنْ بعض أصحابه، قَالَ: أَخْبَرَنِي رجل، قَالَ: أتيت المجنون فجلست إليه فِي ظل شجرة فقلت: ما أشعر قيسًا! حيث يقول:
يبيت ويضحى كل يوم وليلة على منهج تبكى عليه القبائل
قتيل للبنى صدع الحب قلبه وفى الحب شغل للمحبين شاغل
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامى لحمها فتركتها معرقةً تضحى لديك وتخصر
وأخليتها من مخها فكأنها قوارير فِي أجافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت علائقها مما تخاف وتحذر
خذي بيدي ثم انهض بى تبينى بى الضر إلا أنني أتستر
ويروي:
. . . . . . . . . . . . . . . قعقعت مفاصلها من هول ما تنتظر
ثم مر فأجمز فِي الصحراء، فلما كان فِي اليوم الثانى أتيته فجلست فِي ذلك الموضع، فلما أحسست به قلت: ما أشعر قيسا! حيث يقول:
تباكر أم تروح غدا رواحا ولن يستطيع مرتهن براحا
سقيم لا يصاب له دواء أصاب الحب مقتله فباحا
وعذبه الهوى حتى براه كبرى القين بالسفن القداحا
وكاد يذيقه جرع المنايا ولو سقاه ذلك لاستراح
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول وأنشدناها ابن الأنبارى، عَنْ أبيه، ولم ينسب إِلَى أحد، وفى الروايتين اختلاف وأنا أذكرهما إن شاء الله
وجد مغلوبٍ بصنعاء موثقٍ بساقيه من ثقل الحديد كبول
قليل الموالى مستهام مروع له بعد نومات العشاء عويل
وروى ابن الأنبارى:
فما وَجْد مسجونٍ بصناعاء عضه بساقيه من صنع القيود كبول
قليل الموالى مستهام مروع له بعد نومات العشاء عويل
[ ١ / ١٦٢ ]
وروي ابن الأنبارى:
ضعيف الموالى مسلم بجريرة له بعد نومات العيون عويل
يقول له الحداد أنت معذب غداة غدٍ أو مسلم فقتيل
بأعظم منى روعةً يوم راعنى فراق حبيبٍ ما إليه سبيل
وروى ابن الأنبارى: بأوجع منى لوعةً:
غداة أسير القصد ثم يردنى عَنِ القصد لوعات الهوى فأميل
وروى ابن الأنبارى: غداة أريد القصد، وروي: ميلات الهوى فأميل.
ثم قام هاربا وتركنى، فعدت بعد ذلك مرارا فلم أراه، فأخبرت أنه قد مات.
وأنشد الأخفش:
أقول لمقلتي يوم التقينا وقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظرٍ بحظٍ فسوف توكلين إِلَى البكاء
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، لابن أبى مرة المكى:
ساعة ولى شمت العاذل أذاك منه الفرج العاجل
لم أنس إذ ودعته والتقى ذا البدن الناعم والناحل
كأنما جسمى عَلَى جسمه غصنان ذا غض وذا ذابل
يا رب ما أطيب ضمى له إلى لولا أنه راحل
وأنشدنا أحمد بن يحيى، قَالَ: أنشدنا أبى، قَالَ: أنشدنا الجاحظ عمرو بن بحر:
أزف البين المبين قطع الشك اليقين
حنت العبس فأبكا نى من العيس الحنين
لم أكن، لا كنت، أدرى أن ذا البين يكون
علمونى كيف أشتاق إذا خف القطين
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شيب، قَالَ: أتيت الزبير لأودعه وأخرج من المدينة، فقَالَ لى: بلغنى أنك لما أتيت هشام بن إبراهيم لتودعه قَالَ: لا أودعك حتى أغنيك:
[ ١ / ١٦٣ ]
وأنا بكيت من الفراق فهل بكيت كما بكيت
ولطمت خدى خاليا ومرسته حتى اشتفيت
وعواذلى ينهيننى عمن هويت فما انتهيت
قَالَ الزبير: وأنا لا أودعك حتى أنشدك:
أزف البين المبين وجلا الشك اليقين
لم أكن لا كنت أدرى أن ذا البين يكون علموني كيف أشتاق إذا خف القطين
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: أنشدنا ابن المدبر للمجنون، وقَالَ لى: ما سمعت أغزل من هذين البيتين:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمت كأنك عما قد أظلك غافل
ستعلم إن شطت بهم غربة النوى وزالوا بليلى أن قلبك زائل
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه:
نحن غادون من غدٍ لافتراق وأرانى أموت قبل يكون
فلئن مت فاسترحت من البين لقد أحسنت إِلَى المنون
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وأنشدنا أَبُو الحسن المظفر بن عبد الله:
ما يريد الفراق، لا كان، منا أشمت الله بالفراق التلاقى
لو وجدنا عَلَى الفراق سبيلا لأذقنا الفراق طعم الفراق
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد لأعرابى، وغيره يقول: إنها لحبيب:
لو كان فِي البين إذ بانوا لهم دعة لكان بينهم من أعظم الضرر
فكيف والبين موصول به تعب تكلف البيد فِي الإدلاج والبكر
لو أن ما تبتلينى الحادثات به يكون بالماء لم يشرب من الكدر
أو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهم أعيت عَلَى السائق الحادي فلم تسر
كأن مطاياهم إذا وخدت يقعن فِي حر وجهي أو عَلَى بصري
[ ١ / ١٦٤ ]
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للحسين بن مطير الأسدى، وفى نوادر ابن الأعرابى، وفى الروايتين زيادة ونقصان، وأنا آتى بهما إن شاء الله تعالى:
لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى علي كبدي بارًا بطيئًا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمت ولكن شوقًا كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتى إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت فِي حبة القلب والحشا عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
لمرتجة الأطراف هيف خصورها عذاب ثناياها عجافٍ قيودها
بسودٍ نواصيها وحمرٍ أكفها وصفرٍ تراقيها وبيضٍ خدودها
وروى ابن الأنبارى:
وصفر تراقيها وحمر أكفها وسود نواصيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا رفيف الخزامى بات طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنها مهاة بتربان طويل عقودها
يريد: موضع العقود، وهو العنق.
قَالَ: وقوله:
ولو تركت نار الهوى لتضرمت
أجود، لأنها تضرم وحدها، فكيف إذا زادها غيرها وأوقدها! وقرأت عليه لابن ميادة:
كأن فؤادى فِي يدٍ ضبثت به محاذرةً أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإننى أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدرى أيغلبنى الهوى إذا جد جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذى لاقيت يغلب صاحبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي النحوي:
قد قلت والعبرات تسفحها عَلَى الخد المآقي
[ ١ / ١٦٥ ]
حين انحدرت إِلَى الجزيرة وانقطعت عنِ العراق
وتخبطت أيدي الرفاق مهامه البيد الرقاق
يا بؤس من سل الزمان عليه سيفًا للفراق
وأنشدنا أيضا، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: أنشدنى ابن غالب:
ذكر الحبيب حبيبه ففؤاده مثل الجناح من الصبابة يخفق
عمرا زمانا يكتمان هواهما وكلاهما بادى الهوى متشوق
حتى إذا اجتمعنا بأحسن ألفةٍ ما منهما فِي وده متخلق
كر الزمان عليهما بفراقه وكذاك لم يزل الزمان يفرق
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ التاريخى، قَالَ: أنشدنى البحترى لنفسه:
الله رك فِي انطلاقك تلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلني فِي مسيرك يوم سرت ولم ألاقك
إنى خشيت مواقفا للبين تسفح غرب ماقك
وعلمت ما يلقي المتيم عند ضمك واعتناقك
وعلمت أن لقاءنا سب اشتياقي واشتياقك
فتركت ذاك تعمدا وخرجت أهرب من فراقك
وقرأ أَبُو غانم الكاتب عَلَى أبى عبد الله نفطويه فِي المسجد الجامع بالمدينة قبل الصلاة وأنا أسمع لتوبة بن الحمير:
قَالَت مخافة بيننا وبكت له فالبين مبعوث عَلَى المتخوف
لو مات شىء من مخافة فرقةٍ لأماتنى للبين طول تخوفى
ملأ الهوى قلبى فضقت بحمله حتى نطقت به بغير تكلف
وقرأ عليه:
راعك البين والمشوق يراع حين قالوا تشتت وانصداع
لست أنسى مقالها يوم ولت وقصارى المشيعين الوداع
[ ١ / ١٦٦ ]
وقرأ عليه:
بكيت دمًا حتى القيامة والحشر ولا زلت مغلوب العزيمة والصبر
أتظعن طوع النفس عمن تحبه وتبكي كما يبكي عَنْ صغر
أقم لا تسر والهم عنك بمعزل ودمعك باقٍ فِي جفونك ما يجرى
وقرأ عليه أيضا:
عَنْ حبيبك ثم تبكى عليه فمن دعاك إِلَى الفراق
كأنك لم تذق للبين طعمًا فتعلم أنه مر المذاق
أقم وأنعم بطول قرب منه ولا تظعن فتكبت باشتياق
فما اعتاض المفارق من حبيب ولو يعطى الشآم مع العراق
وقرأ عليه أيضًا:
تطوى المراحل عَنْ حبيبك دائبا وتظل تبكيه بدمع ساجم
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى تشكو الفراق وأنت عين الظالم
ألا أقمت ولو عَلَى جمر الغضى قلبت أو حد الحسام الصارم
أنشدنى جحظة بعض هذه الأبيات، وأنشدناها بتمامها الأخفش عَلَى بن سليمان لمسلم بن الوليد:
وإنى وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الروع فارقه النصل
أما والحبالات الممرات بيننا وسائل أدتها المودة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى بذكرك نأى عَنْ ضميرى ولا شغل
وإنى فِي مالى وأهلى كأننى لنأيك لا مال لدى ولا أهل
يذكرينك الدين والفضل والحجا وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل
فألقاك عَنْ مذمومها متنزها وألقاك فِي محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مروًا بأثقَالَ همةٍ دع الثقل واحمل حاجةً ما لها ثقل
ثناءً كعرف الطيب يهدى لأهله وليس له إلا بني خالدٍ أهل
فإن أغش قومًا بعدهم أو أزورهم فكالوحش يستدنيه للقنص المحل
[ ١ / ١٦٧ ]
وروي جحظة: يدنيه من الأنس المحل
وأنشدنا بعض أصحابنا، قَالَ: أنشدنى عمرو بن بحر الجاحظ:
أنا أبكى خوف الفراق لأنى بالذى يفعل الفراق عليم
أنا مستيقن بأن مقامى ومسير الحبيب لا يستقيم
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لجميل:
رحل الخليط جمالهم بسواد وحدا عَلَى أثر البخيلة حادى
ما إن شعرت ولا سمعت بينهم حتى سمعت به الغراب ينادى
لما رأيت البين قلت لصاحبى صدعت مصدعة القلوب فؤادى
بانوا وغودر فِي الديار ميتم كلف بذكرك يا بثينة صادى
وقَالَ أَبُو زيد: من أمثال العرب: تفزع من صوت الغراب وتفترس الأسد المشبم، وهو الذى قد شد فوه، وذلك أن امرأة افترست أسدًا وسمعت صوت غراب ففزعت منه، يُقَال ذلك للذى يخاف اليسير من الأمور وهو جرئ عَلَى الجسيم.
ويقَالَ: كالمشترى القاصعاء باليربوع، يُقَال ذلك للذى يدع العين ويتبع الأثر ويختار ما لا ينبغى له.
ويقَالَ: روغى جعار وانظري أين المفر، يضرب مثلا للذى يهرب ولا يقدر أن يفلت صاحبه.
ويقَالَ: كلب اعتس خير من كلب ربض، يُقَال ذلك إذا طلب رجل الخير وقعد آخر فلم يطلب.
وقَالَ يعقوب بن السكيت: يُقَال: قطب يقطب قطوبا وهو قاطب، إذا جمع ما بين عينيه، واسم ذلك الموضع المقطب، ومنه قيل: الناس قاطبة، أى الناس جميع، ويقَالَ: قطب شرابه إذا مزجه فجمع بين الماء والشراب.
ويقَالَ: عبس يعبس عبوسا، وبسر يبسر بسورا.
ويقَالَ: رجل أبسل وباسل، أى كريه المنظر، ويقَالَ: تبسل فِي عينيه، أى كرهت مرآته، قَالَ أَبُو ذؤيب:
فكنت ذنوب البئر لما تبسلت وسربلت أكفانى ووسدت ساعدى
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: دهيت الرجل أدهاه دهيا، أي عبته واغتبته ونقصته.
ويقَالَ: نجهت الرجل أنجهه نجها، وجبهته أجبهه جبهًا، والاسم الجبيهة والنجه، والمعنى واحد، وهو استقبالك الرجل بما يكره، وهو ردك الرجل عَنْ حاجة طلبكها، وأنشد:
حييت عنا أيها الوجه ولغيرك البغضاء والنجه
[ ١ / ١٦٨ ]
ويقَالَ: ندهت الإبل أندهها ندها، وهو سوق للإبل مجتمعة، والثلاث من الإبل تنده إِلَى ما بلغت، وإذا سيق البعير وحده فقد يقتاس له من النده، فيقَالَ: بعير مندوه، ويقَالَ: عند فلان ندهة من صامت أو ماشية، وندهة وهى العشرون من الغنم ونحوها، والمائة من الإبل أو قرابتها، ومن الصامت الألف أو نحوه.