وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن سعيد، قَالَ: كان يحيي ابن طالب الحنفي شيخا كريما يقرى الأضياف ويطعم الطعام، فركبه الدين الفادح، فجلا عَنِ اليمامة إِلَى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إِلَى اليمامة، فشيعه يحيى بن طالب، فلما جلس الرجل فِي الزورق ذرفت عينا يحيى وأنشأ يقول:
أحقًا عباد الله أن لست ناظرًا إلى قرقرى يومًا وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنها جداول ماء فِي مساربها تجرى
ألا هل لشيخ وابن ستين حجةً بكى طربًا نحو اليمامة من عذر
كأن فؤادى كلما مر راكب جناح غراب رام نهضًا إِلَى وكر
يزهدنى فِي كل خيرٍ صنعته إِلَى الناس ما جربت من قلة الشكر
فيا حزنا ماذا أجن من الهوى ومن مضمر الشوق الدخيل إِلَى حجر
تعزبت عنها كارها فتركتها وكان فراقيها أمر من الصبر
لعل الذى يقضى الأمور بعلمه سيصرفنى إليها يوما عَلَى قدر
فتفتر عين ما تمل من البكا ويصحو قلب ما ينهنه بالزجر
قَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: حجر: قصبة اليمامة.
قَالَ: فغنى هارون الرشيد بشعر يحيى بن طالب:
أيا أثلات القاع من بطن توضح حنينى إِلَى أطلا لكن طويل
ويا أثلات القاع قد مل صحبتى مسيرى فهل فِي ظلكن مقيل
ويا أثلات القاع قلبى موكل بكن وجدوى خيركن قليل
ألا هل إِلَى شم الخزامى ونظرةٍ إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةً يداوى بها قبل الممات غليل
[ ١ / ١٢٣ ]
أحدث عنك النفس أن لست راجعا إليك فخزني فِي الفؤاد دخيل
أريد هبوطا نخوكم فيردنى إذا رمته دين عَلَى ثقيل
فقَالَ هارون الرشيد: يقضى دينه، فطلب فإذا هو ميت قبل ذلك هذا بشهر
وحَدَّثَنَا ابن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: اراد الفضل بن يحيى أو جعفر بن يحيى سفرا، فقَالَ: قاتل الله جميلا، ما أشعره حيث يقول:
لما دنا البين بين الحى واقتسموا حبل النوى فهو فِي أيديهم قطع
جادت بأدمعها ليلى وأعجلنى وشك الفراق فما أبقى وما أدع
يا قلب ويحك ما عيشى بذى سلمٍ ولا الزمان الذى قد مر مرتجع
أكلما بان حى لا تلائمهم ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقتنى بهوى منهم فقد جعلت من الفراق حصاة القلب تنصدع
وقرأت هذه الأبيات فِي شعر جميل عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، مكان فما أبقى، فما أبكى، ومكان عيشى، عيش، ومكان، بهوى منهم، بهوى مردٍ وقَالَ الأصمعى: من أمثالهم جاء يفرى الفرا ويقد، إذا جاء يعمل محكمًا، ومثله جاء يفرى الفرى.
ويقَالَ: الحق أبلج والباطل لجلج، يراد أن الحق منكشف، والباطل ملتبس.
ويقَالَ: ماء ولا كصداء، مثل حمراء، بئر طيبة الماء جدا، وكان أَبُو العباس محمد بن يزيد، يقول: كصدآء عَلَى وزن صدعاء، يقول: هذا ماء ولا بأس به، وليس كصداء، يضرب مثلا لمن حمد بعض الحمد ويفضل عليه غيره.
ويقَالَ فتي ولا كمالك، مثله.
ومرعي ولا كالسعدان، مثله.
وأنشدنا ابن دريد، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ عمه لرجل من بنى كلاب:
فلما قضينا غصة من حديثنا وقد فاض من بعد الحديث المدامع
جرى بيننا منا رسيس يزيدنا سقاما إذا ما استيقنته المسامع
كأن لم تجاورنا أمام ولم نقم بفيض الحمى إذ أنت بالعيش قانع
[ ١ / ١٢٤ ]
فهل مثل أيامٍ تسلفن بالحمى عوائد أو غيث الستارين واقع
فإن نسيم الريح من مدرج الصبا لأوراب قلبٍ شفه الحب نافع
: الرس: شيء من الخبر، والرسيس مثله، قَالَ الأفوه الأودى:
بمهمه ما لأنيسٍ به حس وما فيه له من رسيس
وقَالَ أَبُو زيد: رسوت عنه حديثا أرسوه رسوًا حدثت عنه، وقَالَ غيره: رسست الحديث فِي نفسى ارسه رسا إذا حدثت به نفسك، قَالَ الأصمعى: رسست بين القوم: أصلحت بينهم.
والأوراب: واحدها ورب، وهو فساد يكون فِي القلب وفى غير ذلك، والعرب تقول: إنه لذو عرقٍ وربٍ، أى فاسد.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، عَنْ عبد الرحمن، عَنْ عمه، لرجل من بنى كلاب أيضًا:
تحن إِلَى الرمل اليمانى صبابةً وهذا لعمرى لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضا ومستخبر عمن تحب قريب
هناك تغنينا الحمام ونجتنى جنى اللهو يحلو لى لنا ويطيب
قَالَ أَبُو زيد: قَالَ الكلابيون سمعت سرًا فما جايته: مثال جعيته، أى لم أكتمه، وفلان لا يجأى سرًا، أى لا يكتمه، والمصدر الجأى والسقاء لا يجأى الماء، أى لا يحبسه، والراعي لا يجأى غنمه إذا لم يحفظها فتفرقت.
وفلان لا يحجو سرًا: أى لا يكتمه، والمصدر الحجو، والسقاء لا يحجو الماء، أى لا يحبسه، والراعى لا يحجو غنمه: أى لا يحفظها.
قَالَ الأصمعى: يُقَال: طمح فِي السوم إذا استام بسلعته أكثر مما تساوى، وتشحى فِي السوم، وأبعط فِي السوم، وشحط فِي السوم، وذلك أن يتباعد.
قَالَ: ويقَالَ مصع الظبى ولألأ إذا حرك ذنبه.
ومثل من أمثالهم لا آتيك ما لألأت الفور والعفر، أى ما حركت أذنابها، أى لا آتيك أبدًا، قَالَ: والأعفر: الأحمر من الظباء.
والفور: السود، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن دريد: قَالَ الأصمعى: الفور: الظباء لا واحد لها.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي النحوي:
رفعنا الخموش عَنْ وجوه نسائنا إلى نسوة منهم فأبدين مجلدا
[ ١ / ١٢٥ ]
قَالَ أَبُو العباس: الخموش: الخدوش، وهذا رجل قتل من قومه قتلى، فكان نساؤهم يخمشن وجوههن عليهم، فأصابوا بعد ذلك منهم قتلى، فصار نساء الآخرين يخمشن وجوههن عليهم.
يقول: لما قتلنا منهم قتلى بعد القتلى الذين كانوا قتلوا منا، حولنا الخموش عَنْ وجوه نسائنا إِلَى وجوه نسائهم.
قَالَ وهذا مثل قول عمرو بن معد يكرب.
عجبت نساء بنى زبيدٍ عجةً كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
قَالَ أَبُو العباس: العجة: الصوت.
والأرنب: موضع.
والمجلد: جلدة تمسكها النائحة بيدها، وربما أشارت بها إِلَى وجهها كأنها تلطمه بها، وأنشد:
خرجن حريراتٍ وأبدين مجلدا ودارت عليهن المقرمة الصفر
قَالَ أَبُو العباس: حريرات: حارات الأجواف من الحزن.
وقوله: دارت عليهن المقرمة الصفر، يقول: سبين فأجليت عليهن القداح ليؤخذن أسهما، قَالَ ويروى: المكتبة الصفر: يعنى السهام التى عليها أسماء أصحابها مكتوبة، ولم يفسر أَبُو العباس مقرمة ولا أَبُو بَكْرٍ.
: وأنا أقول مقرمة: معضضة، وذلك أن الرجل كان يعلم قدحه بالعض.