وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: قَالَ معاوية: الفرصة خلسة، والحياء يمنع الرزق، والهيبة مقرون بها الخيبة، والكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن.
وحَدَّثَنَا، قَالَ: أَنْبَأَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيا من بني مرّة يعظ ابنًا له وقد أفسد ماله فِي الشراب فقَالَ: لا الدّهر يعظك، ولا الأيام أيام تنذرك، والساعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك، أردّهما بالمضرّة عليك
قَالَ: وأَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيًا يقول لأخٍ له: اعلم أن الناصح لك المشفق عليك من طالع لك ما وراء العواقب
[ ١ / ١٩٤ ]
برويته ونظره، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته، ليكون خوفك كفاء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك، وأن الغاشّ لك والحاطب عليك من مد لك فِي الاغترار، ووطّأ لك مهاد الظلم، تابعًا لمرضاتك، منقادًا لهواك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله ابن شبيب، قَالَ: قَالَ شبيب بن شبّة لخالد بن صفوان: من أحبّ إخوانك إليك؟ قَالَ: من سدّ خللي، وغفر زللي، وقبل عللي
وحَدَّثَنَا أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عيسى الختّلي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يعلى الساجي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، قَالَ: كان يُقَال: عليك بدينك، ففيه معادك، وعليك بمالك، ففيه معاشك، وعليك بالعلم، ففيه زينك.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، تعالى: فلّما مضى شهر وعشر لعيرها وقالوا تجئ الآن قد حان حينها ّأمرّت من الكتّان خيطًا وأرسلت جرّيًا إِلَى أخرى قريبًا تعينها هذه امرأة تنتظر عيرًا تقدم وزوجها فيها، فأرادت أن تنتف بالخيط وتتهيأ له والجريّ: الرّسول يقول: أرسلته إِلَى جارة لها تنتفها لتزيّن، وبعد هذا قَالَ:
فما زال يجري السلك فِي حر وجهها وجبهتها حتّى ثنته قرونها
ثنته: كفّته.
وقرونها: ذوائبها
وقرأت عَلَى أبى عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة لعمر بن أبي ربيعة:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم حبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر
إن الثّواء بأرض لا أراك بها فاستيقنيه ثواء حقّ ذي كدر
وما مللت ولكن زاد حبكم ولا ذكرتك إلا ظلت كالسّدر
أذرى الدموع كذي سقم يخامره وما يخامرني سقمٌ سوى الذّكر
كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
إني لأجذل أن أمسى مقابله حبًّا لرؤية من أشبهت فِي الصور
[ ١ / ١٩٥ ]
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد للبعيث الهاشميّ:
ألا طرقت ليلى الرّفاق بغمرة ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
على حين ضمّ الليل من كل جانب جناحيه وانصبّ النجوم الخواضع
طمعت بليلى أن تريع وإنما يقطّع أعناق الرجال المطامع
وبايعت ليلى فِي الخلاء ولم يكن شهود عَلَى ليلى عدول مقانع
وما كلّ ما منتّك نفسك مخليًا يكون ولا كلّ الهوى أنت تابع
فما أنت من شيء إذا كنت كلّما تذكّرت ليلى ماء عينيك دامع
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد ليزيد بن الطّثريّة:
عقيليّة أمّا ملاث إزارها فدعص وأما خصرها فبتيل
تقيّظ أكناف الحمى ويظلّها بنعمان من وادي الأراك مقيل
أليس قليلًا نظرةٌ إن نظرتها إليك وكلًا ليس منك قليل
فيا خلّة النفس التي ليس فوقها لنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبّه لم يطع به عدوّ ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النّوى وخوف العدا فيه إليك سبيل
فديتك أعدائي كثيرٌ وشقّتي بعيد وأشياعي لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة فأفنيت علاتي فكيف أقول
فما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ولا كل يوم لي إليك رسول
أخذ من هذا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، حَدَّثَنَا جحظة، قَالَ: حَدَّثَنِي حماد، عَنْ أبيه إسحاق بن إبراهيم، قَالَ: أنشدت الأصمعيّ:
هل إِلَى نظرةٍ إليك سبيل يرو منها الصدى ويشف الغليل
إن ما قلّ منك يكثر عندي وكثيرٌ ممن تحب القليل
قَالَ: فقَالَ لي: هذا والله الديباج الخسروانيّ، فقلت إنهما لليلتهما، فقال أفسدتهما
[ ١ / ١٩٦ ]
وأنشدنا أبو عبد الله نفطويه
والله لا نظرت عيني إذا نظرت إلا تحدّر منها دمعها دررا
ولا تنفست إلا ذاكّرًا لكم ولا تبسمت إلا كاظمًا عبرًا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدنا الأشنانداني، عَنِ التوزي، لطهمان بن عمرو من بني بكر بن كلاب:
ولو أنّ ليلى الحارثيّة سلّمت عليّ مسجّىً فِي الثّياب أسوق
حنوطي وأكفاني لديّ معدّةٌ وللنفس من قرب الوفاة شهيق
إذًا لحسبت الموت يتركني لها ويفرج عني غمه فأفيق
ونبّئت ليلى بالعراق مريضة فماذا الذي تعني وأنت صديق
شفى الله مرضى بالعراق فإنني علي كلّ شاكٍ بالعراق شفيق
قَالَ: وقرأت عليه لتوبة بن الحميّر:
ولو أن ليلى الأخليلية سلّمت عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقًا إليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت رجلًا، يقول: الحسد ماحق الحسنات، والزّهو جالب لمقت الله ومقت الصالحين، والعجب الصارف عَنِ الازدياد من العلم داع إِلَى التخمّط والجهل، والبخل أذم الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة
قَالَ: وأَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت رجلًا يوصي آخر وأراد سفرًا فقَالَ: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إِلَى الهدى، ويعصمك من الرّدى، ألجم هواك عَنِ الفواحش، وأطلقه فِي المكارم، فإنك تبّر بذلك سلفك، وتشيد شرفك
وحَدَّثَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيًا يوصي ابنه، فقَالَ: ابذل المودّة الصادقة تستفد إخوانًا، وتتخذ أعوانًا، فإن العداوة موجودة عتيدة، والصّداقة مستعرزة بعيدة، جنّب كرامتك اللئام، فإنهم إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن نزلت شديدة لم يصبروا:
[ ١ / ١٩٧ ]
مستعرزة: منقبضة شديدة، يُقَال: رأيت فلانًا اعترز منّي أي انقبض.
واستعرزت الجلدة فِي النار إذا تقبّضت، قَالَ الشماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارز
يقول: كل من لم يظلم نفسه لأخيه ويحمل عليها فإنه قاطع أو منقبض.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبي، قَالَ: قَالَ رجل لعبد الملك بن مروان، ﵀، تعالى: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرّحال إليك فلم أجد معوّلًا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأقطع المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء، وتسوقني إليك بلوى، والنفس راغبة، والاجتهاد عاذر، وإذا بلغتك فقدني، قَالَ: احطط عَنْ راحتك فقد بلغت
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشيّ، عَنِ العتبي، قَالَ: سئل أعرابي، عَنِ امرأة، فقَالَ: هي أرقّ من الهواء، وأطيب من الماء، وأحسن من النّعماء، وأبعد من السماء
وحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشيّ، عَنِ الأصمعيّ، قَالَ: العرب تقول: لا ثناء مع الكبر، ولا صديق لذي الحسد، ولا شرف لسيء الأدب.
قَالَ: وكان يُقَال: شرّ خصال الملوك الجبن عَنِ الأعداء، والقسوة عَلَى الضعفاء، والبخل عند الإعطاء
وحَدَّثَنِي أَبُو يعقوب ورّاق أَبِي بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عبيد الجوهريّ، قَالَ: سمعت أحمد بن عبد العزيز، يقول: سمعت أبي، يقول: قام رجل إِلَى معاوية، فقَالَ له: سألتك بالرحم التي بيني وبينك، فقَالَ: أمن قريش أنت؟ قَالَ: لا، أفمن سائر العرب؟ قَالَ: لا، قَالَ: فأيّة رحم بيني وبينك؟ قَالَ: رحم آدم، قَالَ: رحم مجفوة، والله لأكونن أول من وصلها، ثم قضى حاجته
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشيّ، عَنِ الأصمعيّ، قَالَ: قيل لأعرابي قدم الحضرة: ما أقدمك؟ فقَالَ: الحين الذي يغطّي العين
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن موسى السامي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: مات ولد لرجل من الأعراب فصلّى عليه فقَالَ: اللهم إن كنت تعلم أنه كريم الجدّين، سهل الخدّين، فاغفر له، وإلا فلا
[ ١ / ١٩٨ ]
وحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: ضلّت ناقة أبي السّمّال فقَالَ: والله لئن لم يردّها الله عَلَيَّ لا أصلي أبدًا، قَالَ: فوجدها متعلقة بزمامها بشجرة، فقَالَ: علم الله أنها منّى صرّى، أي عزيمة
وحَدَّثَنِي أيضًا قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: قيل لابنه الخسّ: ما أحدّ شيء؟ قَالَت: ضرس جائع، يقذف فِي معىً ضائع.
قيل فما ألذّ شيء؟ قَالَت: قُبْلة فتاة فتىً، وعيشك ما ذقتها
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد قول الشاعر:
وخمار عانية شددت برأسها أصلا وكان منثرًا بشمالها
هذه امرأة فزعة، أخذت خمارها بيدها، فلما أدركها أمنت فاختمرت، ونحو منه بيت عنترة:
ومرقصة رددت الخيل عنها وقد همّت بإلقاء الزّمام
مرقصة: امرأة قد ركبت بعيرًا فهي ترقصه، أي تنزّيه وتحثّه، وقد همّت أن تلقي زمامها وتستسلم.