وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: قَالَ هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يوم ذى قار وهو يحرضهم: يا معشر بكرٍ، هالك معذور، خير من ناجٍ فرور، إن الحذر لا ينجى من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن فِي ثغر النحور، أكرم منه فِي الأعجاز والظهور.
يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لحميد بن الثور الهلالى:
ولقد نظرت إِلَى أغر مشهرٍ بكرٍ توسن بالخميلة عونا
متسنم سنماتها متفجس بالهدر يملأ أنفسا وعيونا
لقح العجاف له لسابع سبعةٍ وشربن بعد تحلؤ فروينا
يعنى بأغر سحابا فيه برق أو هو أبيض.
وبكرٍ: لم يمطر قبل ذلك.
وتوسن: طرقها ليلا عند الوسن، أى وقت اختلاط النعاس بعيون الناس، يُقَال: توسنت الرجل، أى أتيته وهو وسنان.
والخميلة: رملة كثيرة الشجر.
وعون جمع عوان، وهى الأرض التى أصابها المطر مرة، وهذا مثل وأصله فِي النساء، قَالَ الكسائى: العوان: التى قد كان لها زوج، ومنه قيل: حرب عوان.
وقوله متسنم، شبهه بالبعير الذى يتسنم أسنمة الإبل، أى يعلوها.
والسنمات: العظام السنام، يريد أن هذا السحاب كأنه يتسنم التلال والآكام، أى يعلوها، وهو مثل.
ومتفجس: متكبر.
بالهدر: يعنى رعده.
وقوله: يملأ أنفسنا: تعجبا منه، وقَالَ بعضهم: لهولها.
ولقحت: نبت عشبها.
والعجاف: الأرضون التى لم تمطر، وهو مثل.
بعد تحلؤ: بعد منع من الماء.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، قَالَ: سمعت عمى يحدث سران أبا العباس ابن عمه، وكان من أهل العلم، قَالَ: سهرت ليلةً من ليالى بالبادية، وكنت نازلا عند رجل
[ ١ / ١٦٩ ]
من بنى الصيداء من أهل القصيم، وكان، والله، واسع الرحل، كريم المحل، فأصبحت وقد عزمت عَلَى الرجوع إِلَى العراق، فأتيت أبا مثواى، فقلت: إنى قد هلعت من الغربة واشتقت أهلي، ولم أفد فِي قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فأظهر توجعا، ثم أبرز غداءً له فتغديت معه، وأمر بناقة له مهرية كأنها سبيكة لجين فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفنى وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ عَلَى حمار له جمة قد ثمغها كالورس فكأنها قنبيطة، وهو يترنم، فسلم عليه صاحبى وسأله عَنْ نسبه، فاعتزى أسديًا من بنى ثعلبة، فقَالَ: أتنشد أم تقول؟ فقَالَ: كلا، فقَالَ: أين تؤم؟ فأشار إِلَى ماء قريب من الموضع الذي نحن فيه، فأناخ الشيخ وقَالَ لي: خذ بيد عمك فأنزله عَنْ حماره، ففعلت، فألقي له كيسا قد كان اكتفل به، ثم قَالَ: أنشدنا، رحمك الله، وتصدق عَلَى هذا الغريب بأبيات يعيهن عنك ويذكرك بهن، فقَالَ: إى ها الله إذًا! ثم أنشدنى:
لقد طال يا سوداء منك المواعد ودون الجدا المأمول منك الفراقد
إذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجد بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
تمنيننا غدًا وغيمكم غدا ضباب فلا صحو ولا الغيم جائد
وقل غناءً عنك مال جمعته إذا ثار ميراثا وواراك لا حد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل جنيبًا كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعامًا تحبه ولا مقعدًا تدعوا إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبه سباب الرجال نقرهم والقصائد
وأنشدنى أيضًا:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل وليس عَلَى ريب الزمان معول
فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعًا لنازلة أو كان يغنى التذلل
لكان التعزى عند كل مصيبة ونازلةٍ بالحر أولى وأجمل
[ ١ / ١٧٠ ]
فكيف وكل ليس يعدو حمامه وما لامرئ عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ببؤسٍ ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناةً صليبةً ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل
وقنا بعزم الصبر منا نفوسنا فصحت لنا الأعراض والناس هزل
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ عبد الرحمن، قَالَ عمى: فقمت والله وقد أنسيت أهلي، وهان عَلَى طول الغربة وشظف العيش سرورًا بما سمعت، ثم قَالَ لي: يا بني، من لم تكن استفادة الأدب أحب إليه من الأهل والمال لم ينجب
وأنشدنى أَبُو بَكْرٍِ قَالَ: أنشدنى أَبُو عثمان:
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم كراما وأنتم ما أقام ألائم
أسود العين: جبل، والجبل لا يغيب، يقول: فأنتم لئام أبدا.
وقرأت عليه لعدى بن زيد يصف فرسا:
أحال عليه بالقناة غلامنا فأذرع به لخلة الشاة راقعا
أذرع به، أي ما أذرعه، أي ما أسرعه! وقوله: لخلة الشاة راقعًا، أى يلحقها فيرقع ما بينه وبينها من الفرجة حتى لا يكون بينهما فرجة، وحكى عَنْ خلف الأحمر، أنه قَالَ: يعدو الفرس وبين الشاتين خلة، أى فرجة فيدخل بينهما فكأنه رقع الخلة بنفسه لما سار فيها.