وحَدَّثَنِي
أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عمه، قَالَ: قلت لأعرابى بحمى الربذة: ألك بنون؟ قَالَ: نعم، وخالقهم لم تقم عَنْ مثلهم منجبة، فقلت: صفهم لى، فقَالَ: جهم وما جهم! ينضى الوهم، ويصد الدهم، ويفرى الصفوف، ويعل السيوف، قلت: ثم من؟ قَالَ: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك، ومدره لكاك، قلت: ثم من؟ قَالَ: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسمام مقشب، ذكره باهر، وخصمه عاثر، وفناؤه رحاب، وداعيه مجاب، قلت: فصف لى نفسك، فقَالَ: ليث أَبُو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل، حمال أعباء نهاض ببزلاء قوله: ينضى: يهزل، والنضو: المهزول.
والوهم: الضخم العظيم من الإبل، قَالَ ذو الرمة
كأنها جمل وهم وما بقيت إلا النحيزة والألواح والعصب
ويصد: يكف.
الدهم: العدد الكثير.
ويفري: يشق، ويقَالَ: فريت الشىء إذا شققته للإصلاح، وأفريته إذا قطعته للإفساد.
ويعل: يوردها الدماء ثانية، مأخوذ من العلل فِي الشرب.
والمجرجم: المصروع.
والجذل: أصل الشجرة، وذلك أن الإبل الجرب تحتك بِهِ فتجد لَهُ لذة، وإنما قَالَ: جذل حكاك، أى أنه ممن يستشفى بِهِ فِي الأمور بمنزلة ذاك الجذل الَّذِي يستشفى بِهِ الإبل.
والمدره: لسان القوم، والمتكلم عَنْهُمْ والدافع عَنْهُمْ، يُقَال: درهته عنى ودرأته عني: دفعته
[ ١ / ٥٢ ]
والتدرأ مثل المدره.
واللكاك: الزحام، يُقَال: التك القوم عَلَى الماء إذا ازدحموا.
والمحرب: المغضب الَّذِي قد اشتد غضبه واحتد، وحربت السكين إذا أحددته.
ومقشب: مخلوط.
وباهر: غالب.
وريابل جمع ريبال، وهو الأسد.
: روينا: الريابل فِي هذا الخبر غير مهموز، وروينا فِي الغريب المصنف: الريابل واحدها ريبال يهمز ولا يهمز.
والمعاضل: الدواهى.
والعساف: الَّذِي يركب الطريق عَلَى غير هداية.
والأعباء: الأثقَالَ، واحدها عبء.
والبزلاء: الرأي الجيد الَّذِي يبزل عَنِ الصواب، أى الَّذِي يشق عَنْهُ، قَالَ الراعى: من رأي ذي بدواتٍ لا تزال لَهُ بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بْن يحيى النحوى، قَالَ: قدم علينا أعرابى فسمع غناء حمائم بستان إِبْرَاهِيم بْن المهدى، فاشتاق إِلَى وطنه فقَالَ:
أشقاقتك البوارق والجنوب ومن علوى الرياح لها هبوب
أتتك بنفحة من شيح نجد تضوع والعرار بها مشوب
وشمت البارقات فقلت جيدت حبال البشر أو مطر القليب
ومن بستان إِبْرَاهِيم غنت حمائم بينها فنن رطيب
فقلت لها وقيت سهام رامٍ ورقط الريش مطعمها الجنوب
كما هيجت ذا حزنٍ غريبا عَلَى أشجانه فبكى الغريب
وأنشدنا أَبُو بَكْر، ﵀، قَالَ: أنشدني عمي، عَنِ ابن الكلبى لحجية بْن المضرب، يمدح يعفر بن زرعة، أحد الملوك أملوك درمان:
إذا كنت سألًا عَنِ المجد والعلا وأين العطاء الجزل والنائل الغمر
فنقب عَنِ الأملوك واهتف بيعفر وعش جار ظلٍ لا يغالبه الدهر
[ ١ / ٥٣ ]
أولئك قوم شيد اللَّه فخرهم فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه فأيديهم بيض وأوجههم زهر
يصونون أحسابا ومجدا مؤثلا ببذل أكف دونها المزن والبحر
سموا فِي المعالى رتبةً فوق رتبةٍ أحلتهم حيث النعائم والنسر
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت لنورهم الشمس المنيرة والبدر
فلو لامس لهم الصخر الأصم أكفهم لفضت ينابيع الندى ذَلِكَ الصخر
ولو كَانَ فِي الأرض البسيطة منهم لمختبط عاف لما عرف الفقر
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم وما ضاع معروف يكافئه شكر
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أملى علينا أَبُو العباس بْن يحيى النحوى، أو قرأ الشك من أَبِي عَلَى، عَلَى باب داره، ثم أنشدناه فِي المسجد الجامع يقرؤه عَلَى عَبْد اللَّه بن المعتز، قَالَ: أنشدنى بعض أصحابنا، عَنِ النضر بْن جرير، عَنِ الأصمعى: سقى دمنتين لَيْسَ لي بهما عهد بحيت التقى الدارات والجرع الكبد
فيا ربوة الربعين حييت ربوةً عَلَى النأى منا واستهل بك الرعد
قضيت الغوانى غير ان مودة لذلفاء ما قضيت آخرها بعد
إذا ورد المسواك ظمآن بالضحى عوارض منها ظل يخصره البرد
وألين من مس الرخامات يلتقى بمارنه الجادى والعنبر الورد
فرى نائبات الدهر بينى وبينها وصرف الليالى مثل ما فرى البرد
فإن تدعي نجدا ندعه ومن بِهِ وإن تسكنى نجدًا فيا حبذا نجد
وإن كَانَ يوم الوعد أدنى لقائنا فلا تعذليني أن أقول متى الوعد
وأنشدنا أَبُو عَبْد اللَّه نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بْن يحيى، لأبى الهندى، وهو من بنى رياح:
قل للسرى أَبِي قيس أتهجرنا ودارنا أصبحت من داركم صددا
[ ١ / ٥٤ ]
أَبَا الوليد أما والله لو عملت فيك الشمول لما فارقتها أبدا
ولا نسيت حمياها ولذتها ولا عدلت بها مالا ولا ولدا
وحَدَّثَنِي جحظة، قَالَ: حَدَّثَنِي حماد بْن إِسْحَاق الموصلى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: كتبت إِلَى زهراء الأعرابية، وقد غابت عني كتابا فِيهِ:
وجدي بجملٍ عَلَى أنى أجمجمه وجد السقيم ببرء بعد إدناف
أو وجد ثكلي أصاب الموت واخدها أو وجد منشعب من بين آلاف
فكتبت إليها:
أما أويت لمن قد بات مكتئبا يذرى مدامعه سحا وتوكافا
اقر السلام عَلَى الزهراء إذ شحطت وقل لها قد أذقت القلب ما خافا
فما وجدت عَلَى إلف أفارقه وجدي عليك وقد فارقت ألافا
وأنشدنا الأخفش:
أقول لصاحبى بأرض نجدٍ وجد مسيرنا ودنا الطروق
أرى قلبى سينقطع اشتياقا وأحزانا وما انقطع الطريق
وأنشدنا جحظة، عَنْ حماد، عَنْ أبِيهِ:
طربت إِلَى الأصيبية الصغار وهاجك منهم قرب المزار
وأبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْر لطفيل الغنوى:
أناس إذا ما أنكر الكلب أهله حموا جارهم من كل شنعاء مضلع
قَالَ: ويروى: مفظع.
قوله أنكر الكلب أهله، أى إذا لبسوا السلاح وتقنعوا لم يعرف الكلب أهله
وحَدَّثَنِي بعض شيوخنا أن ابن حبيب قَالَ: إذا ما غزوا فصار معهم أعدائهم فِي ديارهم فتواثبوا
[ ١ / ٥٥ ]
أنكرهم الكلب إذ ذاك لتغيرهم عَنْ حالهم والشنعاء: الداهية المشهورة.
ومضلع: شديدة، يُقَال: أضلعنى الأمر إذا اشتد عَلَى وغلبنى
وقرأت عَلَى أَبِي عَبْد اللَّه لذى الرمة:
إذا نتجت منها المهارى تشابهت عَلَى العوذ إلا بالأنوف سلائله
العوذ: الحديثات النتاج، واحدها عائذ، وإنما قِيلَ لأن ولدها أن يكون هُوَ عائذا بها، ولكنه لما كانت متعطفة عَلَيْهِ قِيلَ لها: عائذ، يَقُولُ: تشابه عليها أولادها إلا أن تشمها بأنوفها، وذلك أنها من نجارٍ واحد وفحلٍ واحد، وقد تقاربت فِي الوضع فهى تشبه بعضها بعضًا.
والسلائل: الأولاد، واحدها سليل
وَحَدَّثَنَا أَبُو المياس الراوية، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عُبَيْد، عَنْ بعض شيوخه، قَالَ: كانت ويمة فِي قريش تولى أمرها مقاس الفقعسى، فأجلس عمارة الكلبى فوق هشام بْن عَبْد الملك، فأحفظه ذَلِكَ وآلى عَلَى نفسه أنّهُ متى أفضت الخلافة إلَيْهِ عاقبه، فلما جلس فِي الخلافة أمر أن يؤتى بِهِ وتقلع أضراسه وأظفار يديه ففعل ذَلِكَ بِهِ، فأنشأ يَقُولُ:
عذبونى بعذابٍ قلعوا جوهر راسى ثم زادونى عذابا نزعوا عنى طساسى
بالمدى حزز لحمى وبأطراف المواسي
قَالَ أَبُو العباس، قَالَ لى أَبُو المياس: الطساس: الأظفار، ولم أر أحدًا من أصحابنا يعرفه، ثم أَخْبَرَنِي رَجُل من أهل اليمن قَالَ: يُقَال عندنا: طسه إذا تناوله بأطراف أصابعه
وأنشدنا أَبُو المياس وكان من أروى الناس للرجز، وهو من أهل سر من رأى لدكين بْن رجاء الراجز:
لم أر بؤسا مثل هذا العام أرهنت فِيهِ للشقا خيتامي
وحق فخرى وبنى أعمامى ما فِي القروف حفتنا حتام
قَالَ أَبُو العباس: أرهنت ورهنت جميعا يقالان.
قَالَ: ويقَالَ خاتم وخاتام وخيتام وخاتم.
وقَالَ أَبُو المياس: القروف: الجراب وأحسبه غلطا، إنما هُوَ القروف جمع قرف، وهو الجراب.
والحتام البقية من كل شيء.
[ ١ / ٥٦ ]