وحَدَّثَنَا أيضًا قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنِي القروي، عَنْ موسى بن جعفر بن أبي كثير، قَالَ: كان المجنون لمّا أصابه ما أصابه يخرج فيأتي الشام فيقول: أين أرض بني عامر؟ فيقَالَ له: أين أنت عَنْ أرض بني عامر؟ عليك بنجم كذا وكذا، فينصرف حتى يأتي أرض بني عامر فيقف عند جبل لهم يُقَال له: التّوباذ، وينشد:
وأجهشت للتّوباذ حين رأيته وكبر للرحمن رآني
فأذريت دمع العين لمّا رأيته ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له أين الذين عهدتهم حواليك فِي أمن وخفض زمان
فقَالَ مضوا واستودعني بلادهم ومن ذا الذي يبقى عَلَى الحدثان
[ ١ / ٢٠٧ ]
وإني لأبكي اليوم من حذري غدًا فراقك والحيان مجتمعان
سجالا وتهنانا ووبلا وديمة وسحا تسكابا وتنهملان
ثم يمضي حتى يأتي العراق فيقول مثل ذلك، ثم يأتي اليمن فيقول مثل ذلك
وأنشدنا أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنْ أبي عمرو الشيباني، للمجنون:
ذد الدمع حتى يطعَنِ الحيّ إنما دموعك إن فاضت عليك دليل
كأنّ دموع العين يوم تحملوا جمان عَلَى جيب القميص يسيل
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى:
ومستنجد بالحزن دمعًا كأنه على الخدّ ممّا ليس يرقأ حائر
إذا ديمة منه استقلّت تهلكت أوائل أخرى ما لهنّ أواخر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه لما انهّل من عينيه فِي الماء ناظر
وأنشدنا هذه الأبيات أَبُو محمد عبد الله بن جعفر بن دستوريه النحوي، عَنْ أبي العباس محمد بن يزيد الثّمالي، وقَالَ: قَالَ أَبُو العباس: هذه الأبيات أحسن ما قيل فِي الدموع، وزاد فِي آخرها بيتًا:
وينظر من بين الدموع بمقلة رمى الشّوق فِي إنسانها فهو ساهر
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
نظرت كأنيّ من وراء زجاجة إلى الدار من ماء الصّبابة أنظر
فعيناي طورًا تغرقان من البكا فأعشى وحينًا تحسران فأبصر
وأنشدني أَبُو عبد الله نفطويه، عَنْ أحمد بن يحيى، لذي الرمّة:
وما شنّتا خرقاء واهيتا الكلي سقى بهما ساق ولمّا تبلّلا
بأضيع من عينيك للدمع كلّما تذكّرت ربعًا أو توهمت منزلا
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ التاريخي، قَالَ: قَالَ بشار: ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منّا حتى قَالَ:
[ ١ / ٢٠٨ ]
نزف البكاء دموع عينك فاستعر عينًا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عينًا للبكاء تعار
وأنشدني أيضًا قَالَ: أنشدني البحتري لنفسه:
وقفنا والعيون مشعّلات يغالب دمعها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتى تعلّق لا يغيض ولا يسيل
وأنشدني بعض أصحابنا لدعبل الخزاعي:
يا ربع أين توجّهت سلمى أمضت فمهجة نفسه أمضى
لا أبتغي سقي السحاب لها فِي مقلتي عوض من السّقيا
وأنشدني جحظة لنفسه:
ومن طاعتي إيّاه أمطر ناظري له حين يبدي لي برقا
كأنّ دموعي تبصر الوصايا هاربًا فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا
وكان أَبُو بَكْرِ بن دريد يستحسن قول أبي نواس فِي هذا المعنى:
لا جزى الله دمع عيني خيرا وجزى الله كلّ خير لساني
نمّ دمعي فليس يكتم شيئًا ورأيت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفأه طيّ فاستدلّوا عليه بالعنوان
وأنشدنا نفطويه لنفسه:
قلبي عليك أرقّ من خدّيكا وقواي أوهى من قوي جفنيكا
لم لا ترقّ لمن تعذّب نفسه ظلمًا ويعطفه هواه عليكا
وأنشدني أَبُو بَكْرٍِ لنفسه:
إن الذي أبقيت من جسمه يا متلف الصّبّ ولم يشعر
صبابة لو أنها دمعة تجول فِي جفنك لم تقطر
[ ١ / ٢٠٩ ]
قَالَ الأصمعى: من أمثال العرب لا يعدم شقيّ مهرًا، أي لا يعدم شقى عناء.
ويقَالَ لا تعدم الحسناء ذامًا، يراد لا يخلو الرجل من أن يكون به ما يعاب.
ويقَالَ: ليس عليك نسجه فاسحب وجرّ، يضرب مثلًا للرجل يفسد ما لم يتعنّ فيه.
ويقَالَ: الليل أخفى للويل، أي الستر أستر من المكاشفة.
ويقَالَ: قبل الرّماء تملأ الكنائن، يراد به: قبل وقوع الأمر يعدّ له.
وأنشدني أَبُو الميّاس، البيت الأول من هذين البيتين، فأنشدته أبا بكر بن دريد، فزادني البيت الثاني:
ولذّ كطعم الصّرخديّ تركته بأرض العدا من خشية الحدثان
ومبد لي الشّحناء بيني وبينه دعوت وقد طال السّرى فدعاني
لذّ يعني النوم.
والصرخدي: العسل، قَالَ أَبُو المياس.
والعدا: الأعداء.
والحدثان: ما يحدث من الأمور.
وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: اللذ: اللذيذ، يعني النوم.
والصّرخديّ: الخمر.
وقوله: ومبد لي الشحناء يعني كلبًا.
وذلك أن الرجل إذا تحيّر فِي الليل فلم يدر أين البيوت نبح، فتسمعه الكلاب فتنبح، فيقصد أصواتها، وهذا الذي تقول له العرب: المستنبح.
ثم أنشدني:
ومستنبح بات الصدى يستتيهه فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر
رفعت له نارًا ثقوبًا زنادها تليح إِلَى الساري هلمّ إِلَى قدري
فلما أتى والبؤس رادف رحله تلقّيته منّي بوجه أمرئ بشر
فقلت له أهل كأهل فلم يجر بك الليل إلا للجميل من الأمر
وكادت تطير الشّول عرفان صوته ولم تمس إلا وهي خائفة العقر