وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: وصفت أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمها فقَالَت: يا أمّه، من نشر ثوب الثناء فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جحود لما وجب من الحق، ودخول فِي كفر النّعم، فقَالَت لها أمها: أي بنيّة! أطبت الثناء، وقمت بالجزاء، ولم تدعي للذم موضعًا، إني وجدت من عقل لم يعجل بذمٍّ ولا ثناء إلا بعد اختبار، فقَالَت: يا أمّه، ما مدحت حتى اختبرت، ولا وصفت حتى عرفت
وحَدَّثَنَا أيضًا عَنِ العكليّ، عَنِ ابن أبي خالد، عَنِ الهيثم، قَالَ: كتب مالك بن أسماء بن خارجة إِلَى الهيثم بن الأسود النخعي، يشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجّاج حتى خلّصه منه: أما بعد، فإنه لما كلّت الألسن عَنْ بلوغ ما استحققت من الشكر، كان أعظم الحيل عندي
[ ١ / ٢٢١ ]
فِي مكافأتي إخلاصك صدق الضمير، وكما لم نعرف الزيادة فِي العلا إذ جريت غاية طولك جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس إلا ما ألهموا من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحه يقينًا كما ليست بغايته تدري
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ بعض أصحابه، قَالَ: وقّع جعفر بن يحيي بن خالد بن برمك، فِي كتاب صديق له: ما جاوزتني.
نعمة خصصت بها، ولا قصرت دوني ما كان بك محلّها.
قَالَ: ووقّع إِلَى عمرو بن مسعدة، إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرًا، وإذا كان الإيجاز كافيًا كان الإكثار عيًّا
وحَدَّثَنَا أيضًا عَنْ أبيه، عَنْ أحمد بن عبيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا العتبي، عَنْ أبيه، قَالَ: أتت رملة أنت معاوية مراغمة لزوجها عمرو بن عثمان بن عفّان، فقَالَ: مالك يا بنيّة؟ أطلّقك زوجك؟ قَالَت: لا، الكلب أضنّ بشحمته، ولكنه فاخرني، فكلما ذكر رجل من قومه ذكرت رجلًا من قومي، حتى عدّ ابني منه، فوددت أن بيني وبينه البحر الأخضر، فقال لها: يا بنية، آل أبي سفيان أقل حظًا في الرجال من أن تكوني رجلًا
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: مر أعرابي برجل يكنى أبا الغمر، وكان ضخمًا جسيمًا، وكان بوابا لبعض الملوك، فقَالَ: أعَنِ الفقير الحسير، فقَالَ: ما ألحف سائلكم، وأكثر جائعكم! أراحنا الله منكم، فقَالَ له الأعرابي: لو فرّق قوت جسمك فِي جسوم عشرة منا لكفانا طعامك فِي يوم شهرا، وإنك لعظيم السرطة، شديد الضرطة، لو ذرّى بحبقتك بيدر لكفته ريح الجربياء
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن موسى السامي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: دخل رجل من الأعراب عَلَى رجل من أهل الحضر فقَالَ له الحضريّ: هل لك أن أعلّمك سورة من كتاب الله؟ فقَالَ: إني أحسن من كتاب الله ما إن عملت به كفاني، قَالَ: وما تحسن؟ قَالَ: أحسن سورًا، قَالَ: اقرأ، فقرأ فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإّنا أعطيناك الكوثر، فقَالَ له
[ ١ / ٢٢٢ ]
الرجل: اقرأ السورتين، يريد المعوذتين،، فقَالَ: قدم عَلَى ابن عمّ لي فوهبتها له، ولست براجع فِي هبتي حتى ألقى الله
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: سمع يونس رجلًا ينشد:
استودع العلم قرطاسًا فضيّعه وبئس مستودع العلم القراطيس
قَالَ: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنّ علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للنمر بن تولب:
أودى الشباب وحبّ الخالة الخلبه وقد برئت فما بالصدر من قلبه
وقد تثلّم أنيابي وأدركني قرن عَلَى شديد فاحش الغلبه
وقد رمي بسراه معتمدًا فِي المنكبين وفي الساقين والرقبه
أود: ذهب وهلك.
والخالة جمع خائل، مثل بائع وباعة.
والخلبة جمع خالب، مثل كافر وكفرة، يخبر أنه شيخ قد ترك صحبة الشباب والفتيان، وهم الخالة الخلبة الذين يختالون فِي مشيتهم ويخلبون النساء.
ثم قَالَ: برئت، أي برئ الصدر من ودّهم والعلاقة بهم، فما به قلبه من ودّهم، يُقَال للإنسان وغيره من الحيوان: ما به قلبه، أي ما به وجع ولا مكره، وأصله من القلاب، قَالَ الأصمعيّ: القلاب: أن تصيب الغدّة القلب، فإذا أصابته لم يلبث البعير أن تقتله.
وقوله: وأدركني قرن: يعني الهرم.
وقوله: وقد رمى بسراه اليوم معتمدًا فالسّرى جمع سرة، مثل رشوة ورشى، وهو نصل السهم إذا كان مدّورًا مدملكًا ولا عرض له، يريد أن الهرم قد رمى بسهامه فِي جميع جسده فأضغفه، كما قَالَ:
فِي المنكبين وفي الساقين والرقبة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: سمعت الأصمعيّ كثيرًا ما يقول: من قعد به نسبه، نهض به أدبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد لخارجة بن فليح المللي:
أحنّ إِلَى ليلي وقد شط وليها كما حنّ محبوس عَنِ الإلف نازع
إذا خوّفتني النفس بالنأي تارة وبالصّرم منها أكذبتها المطامع
أكل أهواك الطّرف عَنْ كل بهجة وصمّت عَنِ الداعي سواك المسامع
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقرأت عليه لجميل بن معمر العذري:
ألم تعلمي يا عذبة الماء أنني أظلّ إذا لم أسق ماءك صاديا
وما زلت بي يا بثن حتى لو أنني من الوجد أستبكي الحمام بكى ليا
وددت عَلَى حبّ الحياة لو أنها يزاد لها فِي عمرها من حياتيا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:
ومستوحش للبين يبدي تجلدا كما أوحش الكفين فقد الأصابع
وكم قد رأينا من قتيل لخلّة بسهم التّجنيّ أو بسهم التقاطع
وكم واثق بالدهر والدهر مولع بتأليف شتى أو بتفريق جامع
وأنشدنا أيضًا قَالَ: أنشدنا إبراهيم بن عبد الله لعليّة بنت المهدي:
تجنّب فإن الحبّ داعية الحبّ وكم من بعيد وهو مستوجب القرب
تفكّر فإن حدّثت أن أخا هوى نجا سالمًا فارج النّجاة من الحب
فأحسن أيام الهوى يومك الذي تروّع بالتحريش منه وبالعتب
إذا لم يكن فِي الحب سخط ولا رضا فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقَالَ الأصمعى: من أمثال العرب إنه لساكن الرّيح، يُقَال ذلك للرجل الوادع.
ويقَالَ: إنّه لواقع الطائر، مثل للرجل الساكن الأمر.
ويقَالَ: فِي رأسه نعرة، مثل للرجل الطامح الرأس، الذي لا يستقر.
ويقَالَ: الخرق شؤم يراد أن به الرجل إذا خرق فِي أمر دخل عليه شؤمه.
ويقَالَ: الرّفق يمن، وهو خلافه.